كيف تُعيد مصر إحياء الملاحة بقناة السويس بعد اضطرابات البحر الأحمر؟

شركات الشحن الكبرى غيرت مساراتها والإبحار حول جنوب أفريقيا - الأناضول
واجهت قناة السويس خلال العامين الماضيين واحدة من أصعب فتراتها منذ عقود، بعدما دفعت التوترات الأمنية في البحر الأحمر شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، ما وضع الاقتصاد المصري أمام اختبار صعب، ودفع القاهرة إلى البحث عن حلول دبلوماسية وأمنية لإعادة السفن إلى القناة.

ونشرت صحيفة واشنطن بوست تقريرًا يسلط الضوء على جهود مصر لإنعاش حركة الملاحة في قناة السويس بعد تراجعها نتيجة هجمات الحوثيين، مؤكدة أن عودة السفن ما تزال مرتبطة بشكل وثيق باستقرار الوضع الأمني في البحر الأحمر واستمرار وقف إطلاق النار في غزة.

وقالت الصحيفة في تقريرها الذي ترجمته "عربي 21"، إن الأزمة بدأت في خريف 2023، عندما شرع الحوثيون بمهاجمة السفن التجارية في البحر الأحمر ردًا على الحرب الإسرائيلية في غزة.

وقد دفع هذا التهديد شركات الشحن الكبرى إلى تغيير مساراتها والإبحار حول جنوب أفريقيا، وهو ما حرم مصر من نحو 13 مليار دولار من رسوم القناة على مدار عامين، وهي مداخيل كانت في أمس الحاجة إليها، حسب تقديرات مسؤولين مصريين.

وأضافت الصحيفة أن الحوثيين المدعومين من إيران نجحوا في إظهار هشاشة الاقتصاد المصري، أكبر اقتصاد عربي من حيث عدد السكان، أمام الصدمات الخارجية.

تحسن ملحوظ

وأوضحت الصحيفة أن هذا التراجع الاقتصادي دفع مصر إلى تكثيف مساعيها الدبلوماسية للتوسط من أجل التوصل إلى تسوية للحرب في غزة.

وفي الأشهر الأخيرة، بعد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس في منتجع مصري في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، سعت مصر إلى استقطاب شركات الشحن للعودة إلى القناة، مع تقديم حوافز مالية وخدمات جديدة، والتأكيد على حالة الهدوء التي سادت البحر الأحمر منذ بدء الهدنة.

وحسب الصحيفة، بدأت هذه الجهود تؤتي ثمارها. وقد أكد حازم يوسف، كبير مراقبي الحركة في هيئة قناة السويس أن السفينة “أمالثيا”، التي ترفع العلم البرتغالي، كانت واحدة من 48 سفينة عبرت القناة في يوم واحد خلال الشهر الماضي.

وأضاف أن نحو 45 سفينة تعبر القناة يوميًا في المتوسط منذ سريان وقف إطلاق النار في غزة، مقارنة بمتوسط يومي بلغ نحو 35 سفينة قبل الهدنة.

لكن هذا العدد لا يزال -وفقا للصحيفة- أقل بكثير من متوسط 70 سفينة يومياً قبل حرب غزة، حيث لا تزال كثير من شركات الشحن الكبرى مترددة في العودة إلى هذا الخط الملاحي بسبب هشاشة وقف إطلاق النار في غزة.

شريان حياة

وأكدت الصحيفة أن قناة السويس التي افتُتحت عام 1869 كمشروع استعماري استفادت منه بريطانيا وفرنسا بالدرجة الأولى، أصبحت منذ تأميمها على يد جمال عبد الناصر عام 1956 مصدر دخل رئيسي للاقتصاد المصري.

وقال تيموثي كالداس، نائب مدير معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط في واشنطن، إن قناة السويس تمثل “شريان حياة” لجذب الدولارات اللازمة لتمويل استيراد السلع الأساسية وسداد ديون الحكومة، مشيرًا إلى أن سفينة حاويات كبيرة يمكن أن تدفع للسلطات المصرية نحو مليون دولار مقابل عبور القناة.


وأضافت الصحيفة أن الرئيس عبد الفتاح السيسي أطلق قبل أكثر من عقد مشروعًا لتوسعة القناة بقيمة 8.6 مليارات دولار لزيادة حجم السفن التي يمكنها العبور.

ومع اضطراب حركة الشحن العالمية بسبب جائحة كورونا، وبعد أن علقت سفينة حاويات عملاقة لفترة وجيزة في القناة عام 2021، ما أدى إلى تعطيل سلاسل الإمداد الدولية، قدّمت السلطات المصرية خصومات لشركات الشحن، ووسّعت القناة، وفقًا لما صرّح بها الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، في مقابلة أجريت معه في مقر الهيئة في الإسماعيلية الشهر الماضي.

وحسب إحصاءات منظمة التجارة والتنمية التابعة للأمم المتحدة، انتعشت القناة وحققت إيرادات قياسية عام 2023 بلغت 10.2 مليار دولار، ومرّ عبرها ما بين 12 و15 بالمئة من التجارة البحرية العالمية.

هجمات الحوثيين

ثم جاءت هجمات الحوثيين، التي تركزت في البحر الأحمر جنوب القناة، حيث استولوا في تشرين الثاني / نوفمبر 2023 على سفينة الشحن “غالاكسي ليدر” المرتبطة برجل أعمال إسرائيلي واحتجزوا 25 بحارًا، حسب تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".

وقال رئيس هيئة القناة: "بمجرد وقوع أحداث غالاكسي ليدر، شعرنا بأن هناك مشكلات قادمة في البحر الأحمر. كان الأمر أشبه بحريق ينتشر".

خلال العامين التاليين، نفذ الحوثيون 178 هجومًا على السفن التجارية وفقًا لـ"مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة"، وأسفرت هذه الهجمات عن إغراق ما لا يقل عن أربع سفن، ومقتل تسعة بحارة.

وقالت الصحيفة إن أقساط التأمين على الشحن قفزت بشكل حاد، ما دفع شركات كبرى إلى تغيير مساراتها والإبحار حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما أضاف نحو شهر كامل إلى زمن الرحلات، وفق بيتر ساند من شركة "زينيتا" لتحليل أسواق الشحن.

وذكر الدبلوماسي المصري السابق هشام يوسف أن فجوة الإيرادات الناتجة عن هجمات الحوثيين دفعت مصر إلى تكثيف جهودها الدبلوماسية لإنهاء الحرب في غزة.

وعندما نجحت القاهرة في جهود الوساطة للتوصل إلى وقف إطلاق النار في تشرين الأول / أكتوبر الماضي، أعرب مسؤول مصري سابق مقرب من القيادة عن ارتياحه، وقال لمراسل صحيفة واشنطن بوست آنذاك، شريطة عدم الكشف عن هويته نظرًا لحساسية المحادثات: "سنحصل على كامل إيرادات قناة السويس. سيُطبّق اتفاق السلام وسنكون قادرين على خدمة بلدنا".

عودة تدريجية

تنقل الصحيفة عن محللين في قطاع الشحن أن استعادة حركة الملاحة الكاملة قد يكون صعب التنفيذ بسبب تقلب سلوك الحوثيين وهشاشة وقف إطلاق النار في غزة.

وقد أكد أسامة ربيع أن الهيئة تسعى إلى جذب شركات الشحن عبر خصم 15 بالمئة من الرسوم لسفن الحاويات الكبيرة، وتقديم خدمات جديدة تشمل الإجلاء الطبي، وإصلاح السفن المتضررة، وتبديل الأطقم في مصر، مع توقع زيادة جاذبية القناة بفضل محطات الوقود المخطط لإنشائها.

كما تعمل مصر على تطوير منطقة اقتصادية جديدة لقناة السويس، وقد حققت بالفعل بعض النجاح في استقطاب استثمارات أجنبية، وفقا للصحيفة.

وقد أعادت شركة "سي إم إيه - سي جي إم" الفرنسية ثلاثة من خطوطها الملاحية إلى قناة السويس، فيما أعلنت الشركة الدنماركية ميرسك استئناف العبور المنتظم بعد إرسال سفن تجريبية. في المقابل، لم تعلن عدة شركات كبرى حتى الآن عن عودتها بسبب غموض الوضع الأمني في البحر الأحمر.

وقال نيل روبرتس، رئيس قسم النقل البحري والجوي في جمعية سوق لويدز، التي تُزوّد شركات التأمين البحري بالمعلومات: "لا يُساعد الخصم في تبرير وفاة أفراد الطاقم للأرامل المفجوعات".

وأوضح أسامة ربيع أن العودة التدريجية لحركة الشحن قد تبدأ هذا الشهر وتستمر حتى آب/ أغسطس في حال صمود وقف إطلاق النار، محذرًا من آثار غير محسوبة إذا انهار الاتفاق.

وأشار بيتر ساند إلى أن تغيير سلاسل الإمداد عملية معقدة تستغرق عدة أشهر، مضيفًا: " لا ترغب الشركات في العودة ثم المغادرة مرة أخرى، لذلك عندما تعود، تسعى للبقاء".