يُقال في الحكمة: "إذا عُرف السبب بطل
العجب"، وأضيف إليها: "وإذا عُرف الهدف لا مجال للعجب أصلا"؛ لأن
معرفة الأسباب وحدها لا تكفي لفهم الأحداث الكبرى، ما لم نبحث في: 1 ـ
الأهداف التي تحركها، والمصالح التي تخدمها، 2 ـ النتائج التي تترتب عليها، 3 ـ من المستفيد
الأكبر منها.
ولعل ما تشهده منطقتنا العربية والإسلامية
اليوم يستدعي قراءة أخرى للأحداث، تتجاوز ظاهر التصريحات والشعارات، وتبحث في
حقيقة المصالح الاستراتيجية التي تحكم السياسات الدولية.
لقد ظل دعم إسرائيل وضمان تفوقها العسكري
والأمني ركناً أساسياً في السياسة البريطانية اولا،ثم السياسة الأمريكية
المتعاقبة، غير أن هذا التوجه أصبح أكثر صراحة ووضوحاً في عهد الرئيس الأمريكي
دونالد ترامب، الذي لا يتردد في التأكيد على التزامه بأمن إسرائيل وتفوقها، حتى
عندما تتعارض السياسات المتبعة لتحقيق ذلك مع مصالح الدول العربية والإسلامية،
ونذكر بعض النماذج للاستدلال على ذلك:
أولاً ـ غزة بين شعارات السلام ومخاطر
التهجير:
إن المشروع الذي طرحه ترامب تحت عنوان
السلام، وما ارتبط به من إنشاء "مجلس السلام"، يثير تساؤلات جوهرية حول
الأهداف الحقيقية ومدى إنصافه للشعب
الفلسطيني. فأين السلام الذي يحفظ للفلسطينيين أرضهم
وكرامتهم وحقوقهم المشروعة؟ وأين الضمانات التي تمنع استمرار القتل والتهجير
والتجويع، وتكفل إعادة إعمار غزة بأيدي أهلها ومن أجل بقائهم فيها؟
لقد طُرحت بالفعل تصورات أمريكية في البداية
لتحويل غزة إلى منطقة للاستثمار والسياحة، واقترنت بعض تلك التصورات بمقترحات لنقل
سكانها إلى خارجها. وهذا يثير مخاوف مشروعة من أن تصبح إعادة الإعمار غطاءً لتغيير
الواقع السكاني والسياسي للقطاع.
لقد طُرحت بالفعل تصورات أمريكية في البداية لتحويل غزة إلى منطقة للاستثمار والسياحة، واقترنت بعض تلك التصورات بمقترحات لنقل سكانها إلى خارجها. وهذا يثير مخاوف مشروعة من أن تصبح إعادة الإعمار غطاءً لتغيير الواقع السكاني والسياسي للقطاع.
وإذا كان الحديث عن السلام جاداً، فلا بد أن
يبدأ بإنهاء معاناة الفلسطينيين، ومنع تهجيرهم، وضمان حقهم في البقاء على أرضهم
وتقرير مصيرهم، لا بتحويل وطنهم إلى مشروع عقاري تُتخذ قراراته بعيداً عن إرادتهم.
كل ما فعله ترامب هو تغطية استمرار القتل
والإبادة والفناء البطيء ، ولم تتحقق ما ذكر في الاتفاقية حول المرحلة الأولى.
ثانياً ـ الحرب على إيران ومن المستفيد من
نتائجها؟
أولًا: لا يمكن ان تعفى إيران من مسؤوليتها
حول ما حدث في سوريا والعراق وغيرهما،ثم مما فعلته من توجيه الصواريخ والمسيّرات
نحو المنشآت المدنية في الخليج وغيره....
ومع ذلك فإن الحرب الأمريكية الإسرائيلية
على إيران تستدعي التوقف عند أهدافها المعلنة ونتائجها الاستراتيجية.
يعلن ترامب أن أحد أهدافه الرئيسية هو منع
إيران من امتلاك السلاح النووي، ويقدم ذلك باعتباره ضرورة أمنية.
لكن السؤال الذي ينبغي طرحه: هل تنحصر نتائج
هذه الحرب في هذا الهدف المعلن، أم أنها تؤدي أيضاً إلى إعادة تشكيل موازين القوى
الإقليمية بما يعزز التفوق الإسرائيلي؟
ومن خلال قراءة النتائج المحتملة، يمكن
ملاحظة جوانب عدة:
الأول ـ إن تعزيز التفوق الأمني والعسكري
الإسرائيلي يراد به منح دولة الاحتلال هامشاً أوسع من التفوق الإقليمي على مستوى
الشرق الأوسط.
الثاني ـ استنزاف دول المنطقة وإشغال العالم
بصراعات متتابعة. فمن شأن اتساع
الحروب وتعدد جبهاتها أن يشتت الاهتمام الدولي،
ويضعف قدرة الأطراف الإقليمية على التحرك المشترك لمزيد من التنمية والتطور
والازدهار، ولحماية الحقوق المشروعة للفلسطينيين، والمطالبة
باسترداد الأراضي المحتلة في سوريا
وسائر المنطقة.
الثالث ـ إنهاك اقتصادات دول الخليج. فمن
المعلوم أن إغلاق مضيق هرمز كلياً أو جزئياً يُلحق أضراراً بالغة بحركة الطاقة
والتجارة، وتتحمل الدول الخليجية جزءاً كبيراً من تداعياته المباشرة.
ولا يمكن تجاهل أن القوة الاقتصادية
الخليجية تمثل أحد أهم عناصر الوزن العربي والإسلامي في العالم. فإن استنزافها اقتصادياً
وأمنياً يضعف قدرتها على الاستقلال بقرارها والدفاع عن مصالحها.
ويعيد هذا إلى الأذهان أهمية القوة
الاقتصادية التي تجلت في الموقف العربي خلال عهد الملك فيصل، رحمه الله.
ثالثاً ـ باب المندب والحوثيون ومحاولات
إعادة تشكيل التحالفات
تمثل جبهة البحر الأحمر وباب المندب خطراً
متزايداً على أمن المنطقة، ولا سيما المملكة العربية السعودية، التي تحتل مكانة
محورية في العالمين العربي والإسلامي، بحكم ثقلها الديني والسياسي والاقتصادي.
لقد ألحقت اعتداءات الحوثيين أضراراً باليمن
أولاً، ثم امتدت تهديداتهم إلى السعودية والملاحة الدولية، وأصبحت المنطقة معرضة
لمزيد من الحروب والاستنزاف.
وفي ظل هذه التطورات، تُطرح تساؤلات مهمة
حول محاولات توظيف الخطر الحوثي لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية، وربما تقديم
إسرائيل باعتبارها شريكاً أمنياً ضرورياً لدول المنطقة.
وهنا يكمن أحد أخطر الاحتمالات: أن تتحول
الأزمات الأمنية إلى وسيلة لفرض تطبيع سياسي وأمني لا يستند إلى تسوية عادلة
للقضية الفلسطينية.
ولذلك ينبغي الحذر من أي مشروع يحاول تقديم
إسرائيل بوصفها الضامن لأمن السعودية - كما قدمه ترامب قريبا - أو المدافع عن
الحرمين الشريفين. فحماية الحرمين الشريفين مسؤولية السعودية أولًا وبالتعاون
والتحالف مع العالم الإسلامي، وأمن الجزيرة العربية مسؤولية دولها وشعوبها، وفي
مقدمتها المملكة العربية السعودية، بالتعاون مع الدول العربية والإسلامية القادرة
على تعزيز الأمن والاستقرار.
ولا يجوز أن تتحول الجرائم والاعتداءات التي
ترتكبها جماعات مسلحة إلى ذريعة لفرض ترتيبات استراتيجية تمس سيادة المنطقة
واستقلال قرارها.
رابعاً ـ من وعد بلفور إلى اليوم.. دروس
التاريخ
إذا عدنا إلى عام 1917، حين صدر وعد بلفور،
وتأملنا ما تلاه من انتداب بريطاني على فلسطين، ثم قيام إسرائيل عام 1948، وما
أعقب ذلك من حروب واحتلالات وتغيرات سياسية، فإننا نجد أن دعم المشروع الصهيوني
كان عاملاً مؤثراً في سياسات قوى غربية رئيسية تجاه المنطقة.
ولا يمكن قراءة تلك المرحلة بمعزل عن تفكك
الدولة العثمانية، والمشروعات الاستعمارية البريطانية والفرنسية، وتقسيم مناطق
النفوذ، وما ترتب على ذلك من إضعاف البنى السياسية والاقتصادية في العالم العربي.
وقد ارتبط اسم السلطان عبد الحميد الثاني
بمواقفه الرافضة للتفريط بفلسطين، وهو جانب مهم من تاريخ الصراع السياسي على هذه
الأرض.
إن بناء قوة ردع حقيقية تمنع العدوان، وتحمي المقدسات، وتصون الاقتصاد، وتؤمّن الممرات البحرية، وتحدّ من التبعية للقوى الخارجية. يعد فريضة شرعية وضرورة عقلية. إن القوة العربية والإسلامية لا ينبغي أن تكون أداة في صراعات الآخرين، بل ضمانة لأمن الأمة وحقوق شعوبها ومستقبل أجيالها.
وحين ننظر إلى الحرب العراقية الإيرانية،
واحتلال الكويت، وما أعقبهما من تحولات كبرى، ثم الصراع مع إيران، والحروب في
اليمن ولبنان وغزة، نجد أن الحصيلة العامة لكثير من هذه الأزمات كانت استنزاف
مقدرات المنطقة وإضعاف قدرتها على تحقيق أمن جماعي مستقل.
يبرز السؤال الكبير: إلى متى تظل الدول
العربية والإسلامية تدفع أثمان صراعات تُستنزف فيها قوتها، بينما تجني أطراف أخرى
فوائد استراتيجية من نتائجها؟
خامساً ـ اتفاقية مكة للدفاع المشترك.. فرصة
تاريخية
إن من أهم الدروس التي ينبغي استخلاصها
اليوم ضرورة الانتقال من التحذير والكلام إلى العمل السياسي والاستراتيجي المنظم.
وقد تمثل اتفاقية مكة للدفاع المشترك،
الموقعة بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في السابع من أغسطس 2026،
منطلقاً مهماً لبناء منظومة دفاعية أكثر استقلالاً وقدرة على حماية مصالح الدول
المشاركة.
والمطلوب تطوير هذه الاتفاقية، وتعزيز
قدراتها العملية، وفتح آفاق التعاون مع الدول العربية والإسلامية التي تؤمن
باحترام السيادة، ورفض العدوان، وحماية المصالح المشتركة.
إن بناء قوة ردع حقيقية تمنع العدوان، وتحمي
المقدسات، وتصون الاقتصاد، وتؤمّن الممرات البحرية، وتحدّ من التبعية للقوى
الخارجية. يعد فريضة شرعية وضرورة
عقلية. إن القوة العربية
والإسلامية لا ينبغي أن تكون أداة في صراعات الآخرين، بل ضمانة لأمن الأمة وحقوق
شعوبها ومستقبل أجيالها.
نداء إلى الأمة العربية والإسلامية
يا أمتنا العربية والإسلامية: انتبهوا لما يجري حولكم، اقرؤوا
التاريخ بعقول واعية، لا تنخدعوا بالشعارات البراقة والوعود التي لا تسندها ضمانات
واضحة وأعمال صادقة.
إن الأمم التي لا تتعلم من تاريخها قد تجد
نفسها مضطرة إلى دفع أثمان الأخطاء ذاتها مرة بعد مرة. فاتحدوا على الحق والعدل،
وتعاونوا على حماية أوطانكم ومقدساتكم ومصالحكم، واعملوا على تجاوز الخلافات التي
تستنزف قوتكم، دون التفريط في سيادة الدول أو حقوق الشعوب. ولا تسمحوا بأن تتحول
الاختلافات السياسية والمصالح الوقتية إلى أدوات لتفتيت الأمة، أو أن تُستغل
الأخطار الحقيقية لفرض تبعية جديدة عليها.
إن حماية الأمة لا تتحقق بالشعارات وحدها،
وإنما بوحدة الموقف، وقوة الاقتصاد، واستقلال القرار، وبناء القدرات العلمية
والعسكرية والسياسية، وإقامة العدل بين الناس. ولنتذكر أن المسؤولية لا
تقف عند معرفة الأسباب أو كشف الأهداف، بل تبدأ من اتخاذ المواقف الصحيحة والعمل
الجاد لتغيير الواقع إلى الأفضل.
وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا
فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ
إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ﴾ [سورة التوبة:
الآية 105].
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء
السبيل.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.