في
بريطانيا، البلد الذي طالما قدّم نفسه حارساً لحرية التعبير،
تختفي هذه الأيام روايات واحدة من أشهر كاتبات جيلها من رفوف المكتبات. ليس لأن
أحداً منعها بقرار رقابي صريح، ولا لأن محكمة أدانتها بجرم، بل لأن قانوناً
لمكافحة الإرهاب جعل ناشرها عاجزاً عن أن يدفع لها أجرها.
الكاتبة هي الإيرلندية سالي روني، صاحبة روايات "أناس عاديون" و"محادثات مع الأصدقاء" و"أيها العالم الجميل، أين أنت" و"إنترميتسو"، وهي أعمال قرأها الملايين حول العالم،
وتحوّل بعضها إلى مسلسلات شاهدها جمهور واسع. وقبل أيام أعلنت دار فيبر، ناشرتها
العريقة، أنها لن تورّد كتبها بعد اليوم إلى السوق البريطانية بأي صيغة كانت، لأن
القوانين الحالية تمنعها من تحويل عائدات مبيعاتها في بريطانيا إليها، مؤكدة أنها
ستواصل بيعها في كل مكان آخر من العالم.
ناشر بريطاني يبيع كتب كاتبته في كل الدنيا، إلا في بلده. هذه وحدها
تكفي لنفهم حجم المفارقة.
القصة باختصار
في يوليو 2025 حظرت الحكومة البريطانية جماعة بال
أكشن وصنّفتها منظمة إرهابية. وبعد شهر واحد كتبت روني مقالاً في صحيفة آيرش تايمز
أعلنت فيه موقفها بوضوح، وقالت إنها ستوجّه عائدات أعمالها بما ينسجم مع هذا
الموقف. الجماعة ليست محظورة في إيرلندا حيث تعيش الكاتبة، لكن الأمر في بريطانيا
مختلف تماماً، فالوفاء بعقود نشر أعمالها هناك قد يُعدّ، بحسب قولها، جريمة جنائية
خطيرة.
الأصوات الحرة في الغرب لا تصمد وحدها. إنها تحتاج إلى من يحتضنها ويشعرها بأن موقفها له صدى وأثر. وإذا تُركت روني اليوم وحيدة، فالرسالة التي ستصل إلى كل كاتب وفنان وأكاديمي في الغرب واضحة: من يقف مع فلسطين يخسر، ولا أحد يلتفت إليه.
لم تفاجأ روني بما جرى. فقد حذّرت المحكمة العليا في لندن قبل نحو
عام من أن هذا اليوم قد يأتي. بل إنها فازت بجائزة سكاي آرتس للأدب عن روايتها
الأخيرة، ولم تستطع الحضور لتسلّمها خشية الاعتقال. ومع ذلك لم تتراجع، وقالت هذا
الأسبوع إنها حاولت أن تكون صادقة مع الناس في قناعاتها، وإنها مستعدة لتحمّل
العواقب.
وليست هذه أول مرة تدفع فيها روني الثمن. ففي عام 2021 رفضت
بيع حقوق ترجمة روايتها الثالثة إلى العبرية لناشر إسرائيلي لم ينأَ بنفسه عن نظام
الفصل العنصري، فسحبت سلسلتان كبيرتان من المكتبات الإسرائيلية كتبها. وفي
المقابل، طلبت مكتبة
فلسطينية في القدس المحتلة نسخاً إضافية من أعمالها لأن
القرّاء كانوا يسألون عنها. خمس سنوات مرّت، وها هي كتبها تغادر رفوف بلد آخر.
لماذا يعنينا الأمر نحن العرب؟
قد يرى البعض أن القضية شأن بريطاني داخلي، أو جدل قانوني بين كاتبة
وحكومة. لكن الحقيقة أبسط وأعمق من ذلك. نحن أمام كاتبة غربية من الصف الأول، كان
يمكنها أن تكتفي بالمجد والشهرة والمبيعات، فاختارت أن تقف في صف فلسطين، وأن تدفع
من مالها ومن حضورها أمام قرائها ثمن هذا الموقف.
وأنا كلاجئ فلسطيني، أعرف جيداً ما يعنيه أن تُروى حكايتك بأقلام
غيرك، أو أن تُحذف من الرواية أصلاً. لذلك حين يرفع صوت بحجم سالي روني راية
الحقيقة، لا يجوز أن نتعامل معه كخبر عابر نتداوله يوماً ثم ننساه.
الأصوات الحرة في الغرب لا تصمد وحدها. إنها تحتاج إلى من يحتضنها
ويشعرها بأن موقفها له صدى وأثر. وإذا تُركت روني اليوم وحيدة، فالرسالة التي ستصل
إلى كل كاتب وفنان وأكاديمي في الغرب واضحة: من يقف مع فلسطين يخسر، ولا أحد يلتفت
إليه.
ما المطلوب منا؟
المطلوب أن يتجاوز تضامننا حدود بريطانيا إلى العالم العربي كله، وأن
يكون عملياً لا عاطفياً فقط.
على المثقفين والكتّاب العرب أن يرفعوا أصواتهم بوضوح، ببيانات
تضامن
تصدرها اتحادات الكتّاب وروابط الأدباء، ومقالات تشرح القضية للقارئ العربي،
فالتضامن العلني يصنع فرقاً حقيقياً في معركة
الرأي العام.
وعلى معارض الكتاب العربية ومهرجاناتها الأدبية أن تجعل حضور روني
وأعمالها جزءاً من برامجها، عبر ندوات عن أدبها ومواقفها، وعبر دعوتها ضيفة شرف إن
أمكن. فأن تُستقبل في عواصمنا بعد أن ضاقت بها لندن رسالة لها وزن.
أنا كلاجئ فلسطيني، أعرف جيداً ما يعنيه أن تُروى حكايتك بأقلام غيرك، أو أن تُحذف من الرواية أصلاً. لذلك حين يرفع صوت بحجم سالي روني راية الحقيقة، لا يجوز أن نتعامل معه كخبر عابر نتداوله يوماً ثم ننساه.
وعلى الجامعات وأقسام الأدب الإنجليزي والأدب المقارن أن تدرّس
أعمالها وتناقشها، وأن تفتح باب البحث في العلاقة بين الأدب والموقف الأخلاقي، وفي
ثمن الكلمة الحرة في الغرب. وعلى الصحافة والإعلام العربيين أن يتابعا القضية بعمق، لا أن يكتفيا
بنقل الخبر، فهي تكشف الكثير عن حدود حرية التعبير حين يتعلق الأمر بفلسطين.
أما القارئ العربي، فدوره ربما هو الأهم. أن يقرأ سالي روني، وأن
يتحدث عنها، وأن يختار رواياتها في نوادي القراءة، وأن يهديها لأصدقائه، وأن
يشاركها على منصات التواصل. فالكتاب لا يُمحى حقاً إلا حين يتوقف الناس عن قراءته.
ولا يعني التضامن مع روني أن نتفق معها في كل رأي أو موقف. يكفي أن
نؤمن بأن الكاتب لا ينبغي أن يُحرم من قرائه بسبب ما يعتقده ويقوله، وأن من وقف
معنا يستحق أن نقف معه.
تكتب سالي روني في رواياتها عن أناس عاديين يحاولون أن يتحدثوا بصدق
مع بعضهم، فيتعثرون ويتألمون ويواصلون المحاولة. وهي اليوم تعيش شيئاً من ذلك خارج
صفحات رواياتها. فلنكن نحن الذين يسمعونها، ولنحرص على أن تبقى كتبها في أيدينا،
وصوتها حاضراً بيننا.
لا تتركوا سالي روني وحدها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.