أيُّ مستقبلٍ ينتظر الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي؟

عدنان حميدان
في المستقبل، قد لا يكون السؤال: هل سيحل الذكاء الاصطناعي مكانك؟ بل قد يكون السؤال: هل ستعرف كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي قبل أن يستخدمه غيرك للتفوق عليك؟ الأناضول
في المستقبل، قد لا يكون السؤال: هل سيحل الذكاء الاصطناعي مكانك؟ بل قد يكون السؤال: هل ستعرف كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي قبل أن يستخدمه غيرك للتفوق عليك؟ الأناضول
شارك الخبر
لم يعد السؤال الذي يطرق أبواب المستقبل: هل سيؤثر الذكاء الاصطناعي في حياتنا؟ السؤال الأشدّ قلقًا، والأكثر استحقاقًا للتأمّل، هو: ماذا سيفعل الإنسان عندما يصبح الروبوت قادرًا على أداء العمل الذي ظلّ قرونًا يعتقد أنه امتيازٌ خالص لعقله ويديه؟

نحن لا نقف اليوم أمام تطور تقني عابر، ولا أمام آلة جديدة ستضاف إلى قائمة الآلات التي عرفها الإنسان منذ الصورة الصناعية، نحن أمام تحول تاريخي لن يشبه أي تحول عرفه سوق العمل من قبل. فالثورات الصناعية السابقة استبدلت العضلات بالآلة، أما الثورة التي نعيشها اليوم فتتجه إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إنها تضع الآلة في مواجهة الإنسان في مساحة كانت حتى وقت قريب حكرًا على العقل البشري: التفكير، التحليل، اتخاذ القرار، والتعامل مع المهام المتكررة بسرعة ودقة لا تتعب ولا تمل.

وقد يبدو هذا الكلام مخيفًا، لكنه في الحقيقة ليس دعوة إلى الخوف بقدر ما هو دعوة إلى الاستعداد.

وظائف كثيرة لن تبقى كما نعرفها

خذ مثالًا بسيطًا من حياتنا اليومية، وتأمّل الصّورة بهدوء. في كثير من المتاجر الكبرى، تراجعت الحاجة إلى بعض المهن التي كان يؤديها الموظف طوال يومه، وحلّت أنظمة الدفع الذاتي محل جزء من هذا الدور.

العالم القادم يحتاج إلى إنسان يستطيع أن يفكر، أن يحلل، أن يبتكر، أن يسأل الأسئلة الصحيحة، أن يتعامل مع المشكلات الجديدة، أن يفهم الآخرين، أن يمتلك القدرة على التواصل والإقناع والقيادة، وأن يعرف كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي بدلًا من أن يخاف منه.
لم يعد وجود الكاشير بالشكل التقليدي أمرًا ضروريًا كما كان في السابق. أنظمة الدفع الذاتي والأنظمة المؤتمتة بدأت تؤدي جزءًا كبيرًا من هذه المهمة.

والأمر لا يتوقف عند صناديق الدفع. المنافذ الحدودية، محطات السفر، المطارات، مراكز الخدمات، وخدمات الجمهور عمومًا تتجه بصورة متسارعة نحو الأتمتة. وكل وظيفة تقوم في جوهرها على تكرار خطوات محددة، وفق تعليمات واضحة، تصبح أكثر عرضة لأن تتولاها آلة أو منظومة ذكاء اصطناعي.

ثم تأتي القيادة؛ ذلك الفعل الذي ظلّ الإنسان ينظر إليه باعتباره تعبيرًا عن السيطرة على الآلة، فإذا بالآلة نفسها تقترب من لحظة تستطيع فيها أن تتولّى القيادة.

قد يبدو لنا اليوم غريبًا أن نجلس في سيارة تتحرك بنا من مكان إلى آخر دون أن نمسك بالمقود، لكن التاريخ علّمنا أن أكثر الأشياء غرابة في حاضرنا قد تصبح أكثرها اعتيادًا في مستقبل أبنائنا.

تخيل عالما لا يقود فيه الإنسان سيارته، لكن التطور في المركبات ذاتية القيادة يجعل المسألة أقرب إلى واقع يتقدم يومًا بعد يوم. وربما يكون الفارق بين دولة وأخرى في سرعة الوصول إلى هذا الواقع، لا في اتجاه التطور نفسه.

وهنا يجب أن نتحلى بالشجاعة الكافية للاعتراف بحقيقة لا تبدو مريحة: بعض الوظائف التي نعرفها اليوم قد لا تكون موجودة بالشكل نفسه غدًا.

لا تحارب المستقبل.. استعد له

في كل تحول تاريخي، تظهر مقاومة للتغيير. وهذا أمر مفهوم. الإنسان بطبيعته يخاف على مصدر رزقه، وعلى مستقبله، وعلى المكان الذي اعتاد أن يشغله في المجتمع.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الخوف إلى محاولة لإيقاف التطور نفسه. قد نرى احتجاجات ضد الذكاء الاصطناعي، أو رفضًا للروبوتات، أو حتى مشاهد لأشخاص يهاجمون آلات لأنها حلت محل الإنسان في أداء بعض المهام.

لكن هل يمكن إيقاف المستقبل بتحطيم روبوت؟

بالتأكيد لا. قد تكسر آلة اليوم، لكنك لن تكسر الفكرة التي تقف خلفها. وإذا أصبحت التقنية أكثر قدرة غدًا، فلن يكون الحل في الدخول معها في معركة جسدية، بل في أن نسأل أنفسنا سؤالًا أكثر أهمية:

كيف نجعل الإنسان أكثر قيمة من المهمة التي يستطيع الروبوت تنفيذها؟ هذه هي المعركة الحقيقية.

لا تربوا أبناءكم لوظائف الماضي

ربّما يكون أكبر خطأ نرتكبه اليوم أننا نهيئ أبناءنا لعالمٍ بدأ ينتهي. إذا كنا نريد أن نمنح أبناءنا وبناتنا فرصة حقيقية في المستقبل، فعلينا أن نعيد التفكير في الطريقة التي نعدّهم بها للحياة.

ليس المطلوب أن يتعلموا فقط كيف يحفظون المعلومات، ولا أن يكون هدفهم الحصول على وظيفة تقليدية ثم البقاء فيها لعقود.

العالم القادم يحتاج إلى إنسان يستطيع أن يفكر، أن يحلل، أن يبتكر، أن يسأل الأسئلة الصحيحة، أن يتعامل مع المشكلات الجديدة، أن يفهم الآخرين، أن يمتلك القدرة على التواصل والإقناع والقيادة، وأن يعرف كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي بدلًا من أن يخاف منه.

فالروبوت يستطيع أن ينفذ تعليمات، والذكاء الاصطناعي يستطيع أن يحلل كميات هائلة من البيانات، لكن قيمة الإنسان في المستقبل ستزداد كلما امتلك قدرات لا تختصر في تنفيذ مهمة متكررة.

الوظيفة الآمنة ليست موجودة.. لكن الإنسان القادر سيبقى

ربما نبحث جميعًا عن وظيفة "آمنة" من الذكاء الاصطناعي. لكن الحقيقة أن هذا المفهوم نفسه قد يتغير. فحتى المهن التي تبدو اليوم بعيدة عن الأتمتة قد تتأثر بدرجات مختلفة. ولذلك فإن الرهان الحقيقي ليس على مهنة بعينها، وإنما على قدرة الإنسان على التعلم والتكيف المستمر.

الشخص الذي يتوقف عن التعلم قد يجد نفسه خارج سوق العمل مهما كانت وظيفته اليوم. أما الشخص الذي يطور نفسه، ويتعلم أدوات جديدة، ويفهم التقنية، ويعرف كيف يستخدمها لصالحه، فستكون أمامه فرص جديدة ربما لم تكن موجودة أصلًا قبل سنوات قليلة.

ربما يكون من الخطأ أصلًا أن ننظر إلى المستقبل باعتباره حربًا بين الإنسان والآلة. الروبوت ليس خصمًا بالضرورة. والذكاء الاصطناعي ليس عدوًا بالضرورة. الخطر الحقيقي هو أن يمتلك شخص آخر التكنولوجيا ويعرف كيف يستخدمها، بينما نكتفي نحن بالخوف منها ومراقبتها.
وهنا تكمن المفارقة: الذكاء الاصطناعي قد يلغي وظائف، لكنه في الوقت نفسه سيخلق وظائف جديدة، ولن يلغي الحاجة إلى البشر. المشكلة ليست في أن العالم سيتغير؛ المشكلة أن بعضنا قد يصر على البقاء كما هو.

لا تخافوا على أبنائكم من الروبوت، خافوا من الجمود، ومن عدم التّغيير، والبقاء ضمن دائرة واحدة. أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نزرع في عقول أبنائنا الخوف من التكنولوجيا، وكأنّها شبحٌ ينتظر الفرصة المناسبة لينقضّ عليهم.

نحن لا نعرف شكل الوظائف التي سيعملون بها بعد عشرين أو ثلاثين عامًا. وربما يعمل أبناؤنا في مهن لم تظهر أسماؤها أصلًا في قاموسنا اليوم. لذلك لا ينبغي أن نقول لهم: تعلموا هذه المهنة لأنها ستبقى إلى الأبد. بل علينا أن نقول: تعلموا كيف تتعلمون، درّبوا عقولكم، طوّروا قدرتكم على التفكير، كونوا فضوليين، اقرؤوا، جرّبوا، افشلوا وتعلموا، واستخدموا التكنولوجيا بطريقة أخرى، بدل أن تكونوا ضحايا لها. هذه هي المهارات التي قد تمنح الإنسان موطئ قدم حقيقيًا في المستقبل.

المعركة ليست بين الإنسان والروبوت

ربما يكون من الخطأ أصلًا أن ننظر إلى المستقبل باعتباره حربًا بين الإنسان والآلة. الروبوت ليس خصمًا بالضرورة. والذكاء الاصطناعي ليس عدوًا بالضرورة. الخطر الحقيقي هو أن يمتلك شخص آخر التكنولوجيا ويعرف كيف يستخدمها، بينما نكتفي نحن بالخوف منها ومراقبتها.

في المستقبل، قد لا يكون السؤال: هل سيحل الذكاء الاصطناعي مكانك؟ بل قد يكون السؤال: هل ستعرف كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي قبل أن يستخدمه غيرك للتفوق عليك؟ وهذا فارق هائل.

المستقبل لمن يشغل عقله

نحن أمام تطور لا شك أنه يحمل مخاطر حقيقية، ويطرح أسئلة أخلاقية واقتصادية واجتماعية كبيرة. ولا يجوز تجاهل هذه المخاطر أو التعامل معها بسذاجة. لكن الحديث المستمر عن خطورة الذكاء الاصطناعي لن يحمي أبناءنا منه. الذي سيحميهم هو التعليم الجيد، والوعي، والمهارات، والقدرة على التفكير، والاستعداد للتغيير.

لذلك، بدلًا من أن نستهلك وقتنا في مظاهرات ضد الروبوتات، علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا نريد من الإنسان أن يكون عندما تصبح الآلة قادرة على أداء الأعمال التي كانت حكرًا عليه؟

والإجابة تبدأ من مكان واحد: العقل. فكلما أصبحت الآلة أكثر قدرة على تنفيذ الأعمال المتكررة، أصبحت قيمة الإنسان مرتبطة أكثر بقدرته على الإبداع، والتفكير، والابتكار، والرحمة، والفهم، والقيادة، وصناعة المعنى.

وهنا ربما تكون الرسالة الأهم لأبنائنا وأحفادنا: لا تنافسوا الروبوت في الشيء الذي يجيده الروبوت. كونوا أفضل في الأشياء التي تجعل الإنسان إنسانًا؛ فالمستقبل لن ينتظر أحدًا. والروبوتات قادمة، سواء أحببنا ذلك أم لم نحب.

أما السؤال الذي سيحدد مكاننا في هذا المستقبل، فلن يكون: كيف نمنعها؟ بل: كيف نحافظ على قيمة الإنسان في عالم أصبحت فيه الآلة أكثر ذكاءً من أي وقت مضى؟ وهذا، في رأيي، هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل عقولنا من الآن.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)