متى ينفجر المصريون بعد طول صبر؟

طارق الزمر
"الجوع وحده لا يصنع الثورة، والقمع وحده لا يصنعها، لكنهما يصبحان شديدي الخطورة حين يشعر الناس بأنهما نتيجة نظام لا يسمعهم"- إكس
"الجوع وحده لا يصنع الثورة، والقمع وحده لا يصنعها، لكنهما يصبحان شديدي الخطورة حين يشعر الناس بأنهما نتيجة نظام لا يسمعهم"- إكس
شارك الخبر
من الخطأ قراءة المصريين باعتبارهم شعباً لا يثور إلا استثناءً، فالتاريخ الحديث يقدم صورة مختلفة: مجتمع يصبر طويلاً، ويتكيف مع الضغوط، ويجرب الإصلاح من داخل النظام، لكنه حين يقتنع بأن أبواب السياسة قد أُغلقت، وأن المعاناة الاقتصادية لم تعد مؤقتة، وأن الدولة لم تعد قادرة على تصحيح نفسها، ينتقل أحياناً بسرعة مذهلة من الصمت إلى الانفجار. ولهذا فإن تاريخ مصر الحديث يمكن قراءته، في جانب مهم منه، بوصفه تاريخ العلاقة بين طول الصبر وقصر لحظة الانفجار.

منذ القرن التاسع عشر، لم تكن الاحتجاجات الكبرى مجرد ردود فعل عاطفية. الثورة العرابية، مثلاً، بدأت من مظالم داخل الجيش تتعلق بالتمييز في الترقيات والنفوذ، لكنها سرعان ما تجاوزت الإطار العسكري إلى اعتراض أوسع على هيمنة الخديو والتدخل الأوروبي، واكتسبت عمقاً مدنياً واجتماعياً دفع مؤرخين إلى وصفها بالثورة لا بمجرد تمرد عسكري. هنا ظهرت قاعدة ستتكرر لاحقاً: الشرارة قد تبدأ فئوية، لكنها تصبح حدثاً تاريخياً حين تتحول إلى قضية أوسع تتعلق بمن يملك الدولة ولمن تعمل.

ثم جاءت ثورة 1919 لتقدم أوضح نموذج لهذا التحول، فقد بدأ الغضب من نفي سعد زغلول ورفاقه، لكنه لم يبق احتجاجاً لنخبة سياسية، امتد إلى الطلاب والعمال والموظفين والنساء والريف، وتحول إلى حركة وطنية واسعة ضد الاحتلال ومن أجل التمثيل السياسي والاستقلال. أهمية 1919 ليست فقط في اتساع المشاركة، وإنما في أنها كشفت أن الثورة تصبح أخطر حين تتجاوز حدود الطبقة والحزب والطائفة، وتتحول إلى لغة مشتركة بين جماعات اجتماعية مختلفة.

اللحظات المصرية السابقة تعلمنا أن أخطر ما تواجهه السلطة ليس ارتفاع الأسعار وحده، وإنما اجتماع ثلاثة عناصر: معاناة يومية واسعة، وإحساس بأن أبواب الإصلاح والمحاسبة مغلقة، وظهور شرارة توحد دوائر غضب كانت تعيش منفصلة، عندئذ يمكن أن يتحول ما بدا بالأمس شكوى فردية إلى قضية عامة

وفي الثلاثينيات والأربعينيات عاد الطلاب إلى الشارع بقوة، ثم ظهر تحالف الطلبة والعمال بصورة لافتة في احتجاجات ما بعد الحرب العالمية الثانية. وهذه الموجات تكشف أن الشباب المتعلم كثيراً ما يؤدي في مصر وظيفة الإنذار المبكر، فهو يلتقط أزمة السياسة قبل أن تتحول إلى انفجار اجتماعي شامل، لكنه لا يستطيع وحده تحويل الاحتجاج إلى تحول تاريخي ما لم يتصل بقوى اجتماعية أوسع.

بعد يوليو 1952 تغيرت طبيعة الدولة، لكن الاحتجاج لم يختف. في 1968، وبعد هزيمة يونيو، خرج العمال والطلاب احتجاجاً على أحكام اعتُبرت متساهلة بحق مسؤولين عسكريين، وتحول الغضب من أثر الهزيمة إلى سؤال عن المسؤولية والمحاسبة. ثم جاءت حركة الطلاب في أوائل السبعينيات لتحتج على حالة الجمود قبل حرب أكتوبر. وفي الحالتين كان الاحتجاج يقول شيئاً واضحاً: حتى الدولة التي حاولت أن تبني شرعيتها على الثورة والقومية لا تستطيع أن تمنع المجتمع من مساءلتها إلى الأبد.

أما يناير 1977 فتمثل واحدة من أكثر اللحظات فائدة لفهم الحاضر. فقد أعلنت الحكومة إجراءات تقشف ورفعاً لأسعار سلع أساسية بنسب كبيرة، فانطلقت الاحتجاجات من عمال حلوان ثم امتدت إلى الطلاب وقطاعات اجتماعية أخرى، وانتشرت في القاهرة والإسكندرية والسويس والمنصورة وقنا وأسوان، واضطرت الدولة إلى التراجع عن القرارات خلال يومين. لم يكن انفجار 1977 مجرد ثورة جياع، كما حاول الخطاب الرسمي تصويره، بل كان تعبيراً عن تحول المعاناة الاقتصادية إلى اعتراض سياسي على طريقة توزيع الكلفة والسلطة.

 وهنا تظهر إحدى أهم قواعد التاريخ الاحتجاجي المصري: الجوع وحده لا يصنع الثورة، والقمع وحده لا يصنعها، لكنهما يصبحان شديدي الخطورة حين يشعر الناس بأنهما نتيجة نظام لا يسمعهم ولا يسمح لهم بتغييره. الغلاء يمكن احتماله فترة إذا ظن المواطن أنه عابر، لكن حين يصبح الغلاء جزءاً من إحساس أوسع بأن المستقبل نفسه مغلق، تبدأ الأزمة الاقتصادية في التحول إلى أزمة شرعية.

وهذا بالضبط ما تراكم قبل يناير 2011، فالثورة لم تبدأ يوم 25 يناير من فراغ. سبقتها "كفاية"، وتحركات القضاة، والإضرابات العمالية، واحتجاجات المحلة، ثم حركة 6 أبريل التي نشأت في سياق التضامن مع عمال المحلة عام 2008، في وقت كانت فيه شبكات التواصل تخلق لأول مرة مجالاً جديداً للحشد خارج سيطرة الدولة. وترافقت هذه الحركة الاجتماعية مع بطالة شبابية، وانتخابات برلمانية مطعون في نزاهتها، ومخاوف التوريث، وانتهاكات أمنية واسعة؛ وهي عوامل رصدتها دراسات معاصرة باعتبارها من دوافع انفجار يناير.

ومن الخطأ لذلك اختزال يناير في أنها "ثورة فيسبوك"؛ الشبكات الرقمية ساعدت في التنظيم وتسريع انتقال الرسالة، لكنها لم تصنع وحدها ملايين الغاضبين. يناير نجحت في لحظتها الأولى لأنها جمعت ما كان منفصلاً: الشباب والعمال، الطبقة الوسطى والفقراء، الإسلاميين والمدنيين، القاهرة والمحافظات، الغضب من التعذيب والغضب من الفقر، الرغبة في الحرية والخوف على المستقبل. وحين التقت هذه الدوائر أصبح الشعار السياسي لغة اجتماعية عامة، لا برنامج جماعة بعينها.

لكن يناير كشفت أيضاً الحد الفاصل بين القدرة على إسقاط الحاكم والقدرة على تغيير الدولة. نجح الميدان في فرض تنحي مبارك، لكن القوى التي صنعت الثورة لم تمتلك قيادة مشتركة ولا مشروعاً مؤسسياً موحداً لما بعد التنحي، بينما بقيت مؤسسات الدولة القديمة أكثر تماسكاً وتنظيماً. ومن هنا ظهرت الفجوة التاريخية بين قوة الشارع وقوة المؤسسة: الجماهير قادرة على فتح الباب، لكن من يدخل منه ويدير ما بعد الثورة مسألة أخرى تماماً.

وهذا يعيدنا إلى اللحظة المصرية الراهنة، فالمقارنة لا تعني أن التاريخ يكرر نفسه آلياً، لكنها تساعد على معرفة ما ينبغي مراقبته. اليوم توجد ضغوط معيشية واجتماعية حقيقية، وتآكل واضح في قدرة قطاعات من الطبقة الوسطى والفقيرة على التكيف، بالتوازي مع مجال سياسي شديد الضيق، لكن مصر اليوم لا تشبه تماماً 1977 ولا عشية 2011. ففي 1977 كان هناك قرار اقتصادي مفاجئ ومحدد فجّر الغضب فوراً، أما الآن فالضغط أكثر تراكماً وانتشاراً في تفاصيل الحياة اليومية. وقبل 2011 كانت هناك شبكات احتجاج وحركات سياسية وعمالية تتراكم تدريجياً، بينما أصبح بناء هذه الشبكات اليوم أصعب وأعلى كلفة.

ومع ذلك فإن هذه الفروق لا تعني أن السكون الحالي يعادل الاستقرار، فاللحظات المصرية السابقة تعلمنا أن أخطر ما تواجهه السلطة ليس ارتفاع الأسعار وحده، وإنما اجتماع ثلاثة عناصر: معاناة يومية واسعة، وإحساس بأن أبواب الإصلاح والمحاسبة مغلقة، وظهور شرارة توحد دوائر غضب كانت تعيش منفصلة، عندئذ يمكن أن يتحول ما بدا بالأمس شكوى فردية إلى قضية عامة.

ولذلك فإن الفقراء ليسوا بالضرورة أول من يبدأ الحركة، رغم أنهم أكثر من يدفع حاليا ثمن الأزمة. في العادة تأتي الشرارة من الفئات الأكثر قدرة على التعبير والاتصال: الطلاب، المهنيين، العمال المنظمين، الشباب المتعلم، أو قطاعات من الطبقة الوسطى. لكن الانفجار الحقيقي لا يحدث إلا عندما يتجاوزهم إلى المجتمع الأوسع، وحين يشعر الموظف والعامل وصاحب المتجر والطالب ورب الأسرة أنهم، رغم اختلاف أسبابهم، يواجهون الأزمة نفسها.

وهنا تكمن حساسية الطبقة الوسطى اليوم، فهي لا تعاني فقط من ارتفاع الأسعار، وإنما من الخوف من الهبوط الاجتماعي، ومن تراجع قيمة التعليم والعمل والمدخرات، ومن الشعور بأن مستقبل الأبناء أكثر صعوبة من حاضر الآباء. وحين تتحول أزمة الدخل إلى أزمة أمل، يصبح الغضب أعمق من الاحتجاج على سلعة أو فاتورة.

اجتماع الفشل السياسي، والضغط المعيشي، وانسداد الأفق، والتهديدات المحيطة، يصنع بيئة شديدة القابلية للتحول المفاجئ

إذن متى ينفجر المصريون؟ التاريخ لا يقدم موعداً، لكنه يقدم شروطاً. لم ينفجروا في 1919 بسبب حادث واحد فقط، ولا في 1977 بسبب السعر وحده، ولا في 2011 بسبب دعوة على الإنترنت وحدها؛ الانفجار جاء عندما أصبحت الشرارة قادرة على التعبير عن غضب سبقها بسنوات.

وهذا هو المعنى الأخطر والأكثر دلالة في اللحظة الحالية؛ فنحن أمام واحدة من أكثر اللحظات المصرية حساسية منذ عقود، لا بسبب أزمة منفردة، بل لأن عناصر الخطر اجتمعت دفعة واحدة بصورة نادرة: انكشاف واسع في أداء القيادة وعجزها عن إقناع المجتمع بوجود أفق للخروج، ومعاناة اقتصادية واجتماعية تتسع آثارها يوماً بعد يوم، وانسداد سياسي يكاد يغلق منافذ التعبير والإصلاح، فوق تراكم أزمات إقليمية وحدودية تحاصر مصر من أكثر من اتجاه، من غزة والسودان إلى ليبيا والبحر الأحمر، مع كلفة متزايدة لأي خطأ في إدارتها. وحتى المؤسسات الدولية التي تتحدث عن تحسن بعض المؤشرات الكلية لا تخفي استمرار الضغوط الاجتماعية وارتفاع التضخم ومخاطر الدين والتمويل والتوترات الإقليمية.

ومع ذلك، فليس المطلوب ادعاء أن الثورة وشيكة أو أن الانفجار حتمي، بل إدراك أن اجتماع الفشل السياسي، والضغط المعيشي، وانسداد الأفق، والتهديدات المحيطة، يصنع بيئة شديدة القابلية للتحول المفاجئ. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: متى تتحول المعاناة المتفرقة إلى وعي جماعي، ومتى يكتشف الملايين أن أزمتهم ليست فردية، بل أزمة دولة ومجتمع؟ التاريخ يعلمنا أن اللحظات الكبرى لا تعلن عن نفسها مسبقاً، لكنها كثيراً ما تولد حين تجتمع كل أسباب الغضب في وقت واحد.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)