قد تبدو صفقة بيع
أصل مملوك للدولة خبراً اقتصادياً عادياً: تدخل مليارات الدولارات إلى خزينة الدولة،
ينخفض الضغط على العملة، وتتحسن قدرة الدولة على سداد التزاماتها. لكن المشكلة تبدأ
عندما يصبح بيع
أصول الدولة وسيلة لمعالجة أزمة صنعها الاقتراض وتفاقمت مع تراكم الديون،
بدلاً من أن يكون جزءاً من إصلاح اقتصادي طويل الأجل.
لكن تحويل هذه الاحتياجات
إلى سياسة مستمرة لبيع الشركات والأراضي وحقوق التطوير قد يوفر سيولة اليوم، مقابل
التخلي عن مصادر دخل ونفوذ كان يمكن أن تحتاج إليها غداً.
الاستثمار الحقيقي
يفترض أن يضيف شيئاً جديداً إلى الاقتصاد: مصنعاً، وتكنولوجيا، ووظائف، وصادرات، وقدرة
إنتاجية. أما بيع شركة قائمة أو حصة حكومية أو أرض لمستثمر أجنبي، فهو في الأساس
نقل ملكية مقابل تدفق مالي. أي: المصنع الجديد يخلق قيمة اقتصادية جديدة، أما
بيع المصنع القائم فينقل ملكية قيمة موجودة أصلاً. لهذا، لا ينبغي أن
تقاس الصفقة: "بكم سيدفع المستثمر؟"، بل "ماذا سيضيف إلى الاقتصاد
المصري؟".
من بيع الأصول إلى
تركّز المُلكية
منذ 2022، توسع برنامج
التخارج الحكومي ليشمل حصصاً في شركات تعمل في قطاعات مهمة. استحوذت شركة ADQ الإماراتيةعلى
حصص في البنك التجاري الدولي، وفوري، وأبوقير للأسمدة، وموبكو، والإسكندرية لتداول
الحاويات. وفي العام نفسه، استحوذت الشركة السعودية المصرية للاستثمار، التابعة لصندوق
الاستثمارات العامة السعودي، على حصص حكومية في أبوقير للأسمدة وموبكو والإسكندرية
لتداول الحاويات وإي فاينانس. ثم توسعت الصفقات إلى شركات الحفر والبتروكيماويات والطاقة
والعقارات والسياحة.
أهمية هذه الواقعة لا تكمن في أن مصر ستبيع قناة السويس؛ فالحكومة نفت ذلك بوضوح، أهميتها في أن مجرد وصول النقاش إلى أصل بهذه الحساسية يكشف إلى أي مدى أصبحت إدارة الدين والبحث عن موارد سريعة قضية ضاغطة
من الناحية الاقتصادية،
يمكن الدفاع عن تخارج الدولة من الأنشطة غير الاستراتيجية، وهو جزء من الإصلاح الذي
يدعمه صندوق النقد الدولي. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التخارج من قرار لإعادة
هيكلة الاقتصاد إلى وسيلة متكررة للحصول على العملة الأجنبية. فالدولة التي تبيع
لأنها تريد إعادة توزيع أدوارها الاقتصادية تختلف عن الدولة التي تبيع لأنها تحتاج
إلى الدولار. الأولى تختار وقت البيع وشروطه، أما الثانية فتتفاوض تحت ضغط الحاجة.
ولعل أكثر ما يكشف
حجم الضغط الذي تفرضه أزمة الدين والسيولة هو أن النقاش العام وصل إلى قناة السويس
نفسها. ففي آب/ أغسطس 2026، أثارت مقترحات متداولة فكرة مقايضة بعض أصول الدولة
بالمديونية المحلية، وورد اسم القناة ضمن هذا الجدل. وسارعت الحكومة إلى نفي وجود أي
خطة لمقايضة القناة أو رهنها أو نقل ملكيتها، مؤكدة أنها أصل سيادي ومرفق استراتيجي
مرتبط بالأمن القومي والسيادة المصرية.
لكن أهمية هذه الواقعة
لا تكمن في أن مصر ستبيع قناة السويس؛ فالحكومة نفت ذلك بوضوح، أهميتها في أن
مجرد وصول النقاش إلى أصل بهذه الحساسية يكشف إلى أي مدى أصبحت إدارة الدين والبحث
عن موارد سريعة قضية ضاغطة. فحين يصبح السؤال هو: ما الأصول التي يمكن تحويلها إلى
قيمة مالية لتخفيف عبء الدين؟ فإن النقاش لا يعود متعلقاً ببيع شركة أو أرض فحسب، بل
بحدود ما يمكن للدولة أن تستخدمه كأداة للتمويل.
رأس الحكمة: المال
مقابل حقوق طويلة الأجل
توضح صفقة رأس الحكمة هذه المعادلة. ففي 2024 حصلت "ADQ"
على حقوق تطوير المنطقة في صفقة بقيمة 35 مليار دولار، تضمنت 24 مليار دولار من السيولة
الجديدة و11 مليار دولار من ودائع إماراتية لدى البنك المركزي، مع احتفاظ الحكومة المصرية
بحصة 35 في المئة. لا يمكن إنكار أن الصفقة ساعدت مصر في تجاوز أزمة حادة في العملة
والتمويل. لكن حجمها يطرح سؤالاً أكبر: هل تستخدم مصر رأس المال الأجنبي لبناء اقتصاد
جديد، أم تستخدم أصولها للحصول على رأس المال لسد احتياجات الاقتصاد القائم؟
إذا أصبح الخيار الثاني
متكرراً، فإن الدولة قد تنجح في حل أزمة السيولة مؤقتاً، لكنها تصبح أقل امتلاكاً لمصادر
الإيرادات المستقبلية، وهنا لا تكمن المشكلة في جنسية المستثمر، بل في طبيعة الصفقة.
ما بعد البيع: من
يملك الأصل ومن يملك النفوذ؟
هناك مسألة أخرى غالباً
ما تُهمل: قد تتغير ملكية المستثمر نفسه بعد سنوات، وقد ينتقل الأصل بالتبعية إلى
مالك جديد.
توضح الإسكندرية لتداول
الحاويات كيف يمكن أن تتغير ملكية الأصل بعد الصفقة الأولى. ففي
تشرين الثاني/نوفمبر 2025 اشترت مجموعة موانئ أبو ظبي حصة الشركة السعودية المصرية للاستثمار، البالغة
19.328 في المئة، في الشركة. وبالتالي، لا تكمن المسألة فقط في هوية المستثمر الذي
يدخل الصفقة أولاً، بل في إمكانية انتقال المُلكية لاحقاً إلى مستثمر آخر، ما يجعل
تتبع المالك النهائي للأصل جزءاً أساسياً من تقييم أي صفقة.
ويقدم منجم السكري مثالاً مهماً، وإن
لم يكن بيعاً للأصل المصري: في 2024 استحوذت "AngloGold
Ashanti" على شركة "Centamin"،
التي كانت تملك الشركة الفرعونية لمناجم الذهب، الشريك الأجنبي للهيئة المصرية للثروة
المعدنية في منجم السكري. وأوضحت وزارة البترول أن الاستحواذ لم يتطلب موافقة مصرية
لأنه تم على مستوى الشركة الأم المدرجة في البورصة، بينما ظلت شركة السكري مشتركة بنسبة
50 في المئة للهيئة و50 في المئة للشركة الفرعونية، واستمرت اتفاقية الامتياز في تنظيم
العلاقة.
المغزى ليس أن مصر
فقدت المنجم؛ فهي لم تفقده، المغزى أن المالك النهائي للطرف الأجنبي يمكن أن يتغير
من خلال الاستحواذ على الشركة الأم، دون أن تكون الدولة طرفاً في صفقة الاستحواذ نفسها.
ولهذا فإن بيع الأصول الاستراتيجية لا ينبغي أن ينظر فقط إلى المشتري الأول، بل أيضاً
إلى قواعد تغيير السيطرة وإعادة البيع والمالك المستفيد النهائي.
ومن الجوانب التي
غالباً ما تُغفل عند بيع الأصول، شروط تسوية المنازعات. فقد تنص العقود أو معاهدات
الاستثمار المنطبقة على إحالة بعض النزاعات إلى التحكيم الدولي بدلاً من الاختصاص الحصري
للقضاء المصري. لذلك، لا ينبغي تقييم الصفقة بسعر البيع وحده، بل أيضاً بالشروط القانونية
التي تحكم العلاقة بعده، بما فيها آليات التحكيم ونقل الملكية وتغيير السيطرة.
هذه حماية طبيعية
للمستثمر، وليست مشكلة في حد ذاتها، لكن بالنسبة للأصول الحساسة، يجب أن تعرف الدولة
مسبقاً ما الذي تبيعه، وما الذي تحتفظ به، وما حدود سلطتها إذا تغير المالك أو نشأ
نزاع بعد سنوات.
الصين في مصر: بين
الاستثمار وتراكم النفوذ
تقدم التجربة الصينية
في مصر نموذجاً مختلفاً، ليس لأن الاستثمار الصيني خال من المخاطر، وإنما لأنه يقوم
على بناء قدرة إنتاجية بدلاً من شراء قدرة قائمة.
في المنطقة الاقتصادية
لقناة السويس، أصبحت الشركات الصينية من أكبر المستثمرين. وحتى تشرين الثاني/
نوفمبر 2025، أعلنت الهيئة جذب نحو 11.6 مليار دولار من الاستثمارات خلال ثلاث سنوات
ونصف، جاء نحو نصفها من الصين.
وهنا تظهر فائدة الاستثمار
الحقيقي: مصانع للإطارات، ومكونات الطاقة الشمسية، ومجمعات صناعية، واستثمارات يمكن
أن تضيف إنتاجاً وصادرات وتكنولوجيا ووظائف. هذا هو النوع الذي ينبغي أن تبحث عنه مصر.
السؤال المصري الصحيح ليس: من نختار؟ بل: ما نوع الاستثمار الذي نريده من أي طرف؟ مصر تحتاج إلى مستثمر يبني مصنعاً، وينقل تكنولوجيا، ويخلق وظائف، ويزيد الصادرات، ولا تحتاج إلى أن يصبح بيع الأصول هو الطريق الطبيعي للحصول على الدولار
لكن الحذر مطلوب عندما
يتحول الحضور الأجنبي من مصنع إلى منظومة تشمل الصناعة والموانئ واللوجستيات والتمويل
والتكنولوجيا في الوقت نفسه. الصين لا تعتمد فقط على رأس المال؛ فهي تمتلك منظومة
متكاملة من الشركات والبنوك والمقاولين والبنية التحتية، وبعض هذه الشركات مملوك للدولة.
وهذا لا يعني أن كل شركة صينية أداة مباشرة للحكومة، لكنه يعني أن تراكم الأدوار في
قطاعات استراتيجية قد ينتج نفوذاً أكبر من قيمة كل صفقة منفردة.
سريلانكا ونيبال وميانمار:
النفوذ لا يبدأ بالملكية
تُظهر تجربة سريلانكا كيف يمكن للاقتراض أن يتحول، مع تفاقم
الأزمة، من أداة تمويل إلى مصدر للنفوذ. فقد انتهى مشروع ميناء هامبانتوتا، الذي واجه
صعوبات اقتصادية، إلى منح شركة صينية حصة كبيرة وامتياز تشغيل لمدة 99 عاماً مقابل
نحو 1.1 مليار دولار. لا يصح اختزال القصة في "فخ الديون"، لكن الدرس واضح: العلاقة التي تبدأ بالتمويل يمكن أن تتحول، تحت ضغط الأزمة، إلى ملكية أو امتياز
طويل الأجل.
نيبال تقدم نموذجاً آخر: ليس من الضروري أن يملك
المستثمر الأصل كي يكتسب نفوذاً اقتصادياً؛ فالتمويل، والبنية التحتية، والمقاولون،
والتكنولوجيا يمكن أن تخلق اعتماداً طويل الأجل.
أما ميانمار فتوضح أن الصين تستطيع الانتظار وإعادة
التفاوض. فقد جُمد مشروع سد "Myitsone"
في 2011، لكنه عاد إلى النقاش بعد سنوات مع تغير الظروف السياسية. الدرس ليس أن الصين
لا تتراجع، بل أنها تتعامل مع مشروعاتها على مدى زمني طويل، ويمكنها العودة عندما تتغير
الظروف.
مصر عليها أن تختار
مستثمراً.. لا ممولاً
ليست المشكلة في الاستثمار
الأجنبي، بل في نوع الاستثمار الذي تستقبله مصر. ليس من المنطقي تصوير الإمارات أو
السعودية أو الصين باعتبارها المشكلة، فالخليج يمتلك رأس المال السيادي، والغرب يمتلك
التكنولوجيا والأسواق والتمويل، والصين تمتلك مزيجاً قوياً من التصنيع والبنية التحتية
والتمويل.
السؤال المصري الصحيح
ليس: من نختار؟ بل: ما نوع الاستثمار الذي نريده من أي طرف؟ مصر تحتاج إلى مستثمر
يبني مصنعاً، وينقل تكنولوجيا، ويخلق وظائف، ويزيد الصادرات، ولا تحتاج إلى أن يصبح
بيع الأصول هو الطريق الطبيعي للحصول على الدولار.
لذلك يجب التمييز
بين الأصول الاستراتيجية وغير الاستراتيجية، وفحص المالك المستفيد النهائي، ووضع قواعد
واضحة لتغيير السيطرة وإعادة البيع، والحفاظ على القدرات التنظيمية للدولة، وعدم تحويل
الحاجة المؤقتة إلى العملة الأجنبية إلى تنازل دائم عن أصول منتجة.
أما إذا جاء رأس المال
لشراء أصل قائم فقط لأن الدولة تحتاج إلى الدولار، فيجب أن يكون الحساب مختلفاً. فالاستثمار
الأفضل ليس من يدفع أعلى سعر لشراء ما تملكه مصر بالفعل، بل من يساعدها على إنتاج ما
تحتاجه غداً.
ولهذا، تحتاج مصر
إلى الانتقال من سياسة جذب الاستثمار بأي ثمن إلى اختيار الاستثمار وفق المصلحة
الوطنية. المطلوب ليس إغلاق الباب أمام رأس المال الأجنبي، بل وضع معايير واضحة
لما تحتاجه مصر من هذا الاستثمار وما تضيفه كل صفقة إلى اقتصادها.
ينبغي ألا يكون المعيار
هو حجم الأموال التي تدخل مصر اليوم، بل حجم القيمة التي يضيفها الاستثمار إلى اقتصادها
غداً، لأن بيع الأصول قد يوفر سيولة في المدى القصير، لكنه إذا تحول إلى حل متكرر لمشكلة
الدين والتمويل، فلن تكون مصر قد عالجت أزمة السيولة، بل نقلتها إلى أزمة أعمق: أزمة
ملكية ونفوذ واستقلال اقتصادي.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.