هل لدى إثيوبيا القدرة المالية والفنية على بناء سدود جديدة؟

محمد حافظ
"يتجاوز مفهوم "الحق في التنمية" المعروف في القانون الدولي للأنهار، ويتحول لخطاب "سيادة تشغيلية" كاملة على مورد مائي عابر للحدود"- جيتي
"يتجاوز مفهوم "الحق في التنمية" المعروف في القانون الدولي للأنهار، ويتحول لخطاب "سيادة تشغيلية" كاملة على مورد مائي عابر للحدود"- جيتي
شارك الخبر
من الممكن جدا القول إن التصريح الإثيوبي الأخير ليس مجرد لغة إعلامية حادة، بل محاولة إثيوبية حقيقية لكي ترسّخ معادلة سياسية جديدة، وتحول التحكم التشغيلي في سد النهضة إلى مصدر نفوذ دائم على دولتي المصب. ولكن من منظور هندسي بحت، هذا لا يعني أن إثيوبيا صارت قادرة قانونياً أو فنياً على أن تمتلك النيل أو تتحكم بشكل مطلق في مياهه؛ لأن أي مهندس سدود يمكنه أن يؤكد بأن التدفقات في نهاية الأمر مرهونة بالهيدرولوجيا الطبيعية، وإدارة التخزين، وحالة السدود الإنشائية، والتزامات التعاون بين دول الحوض.

قراءتي الهندسية لتوقيت التصعيد

وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا قال إن تدفقات النيل لمصر والسودان صارت خاضعة حسب إرادة إثيوبيا وحسن نيتها، وأعلن أيضا عن نية إثيوبيا الاستمرار في بناء سدود إضافية على النيل الأزرق، رابطاً الموضوع بتصدير الكهرباء والتنمية.

ومن الناحية الفنية، فإن هذا الخطاب يتجاوز مفهوم "الحق في التنمية" المعروف في القانون الدولي للأنهار، ويتحول لخطاب "سيادة تشغيلية" كاملة على مورد مائي عابر للحدود، وهذا مبدأ مرفوض هندسياً وقانونياً في إدارة الأحواض المشتركة. وكأن إثيوبيا تجري اختبارا لمعرفة الرد المصري والسوداني، من خلال قياس فاعلية رد القاهرة، وهل ستكتفي بتصريحات عامة هلامية كالعادة أم أنها سوف تتحرك قانونياً ودبلوماسياً وبأدوات فنية قابلة للقياس فعلاً.

نجح رئيس وزراء إثيوبيا في أن يربط النيل الأزرق بترتيب موازين القوى في القرن الأفريقي، وهذا ليس بصدفة؛ فليس من الممكن أن نفصل لهجة أديس أبابا عن تنافسها الأوسع على الوصول للبحر الأحمر، في وقت كانت مصر تقوّي علاقاتها البحرية والأمنية مع الصومال وإريتريا كأدوات موازنة استراتيجية

ومع رفع سقف التصريح هذا، والإعلان عن سدود جديدة، فهذا من الممكن جدا أن يتحول لورقة ضغط (هندسية-تفاوضية) لانتزاع قبول ضمني بإدارة سد النهضة من غير اتفاق ملزم لتبادل بيانات التشغيل وقواعد الملء. أيضا، استخدام إثيوبيا اللغة الحكومية الحادة هذه، في ظل النزاعات الأهلية بين قبائل الشعب الإثيوبي، ستبدو وكأنها تحاول أن تحشد الشعب الإثيوبي لتضامن الداخلي خلف رئيس الوزراء، الذي يتلاعب بــ"ملف السدود" والعداء لمصر كورقة رابحة لدعم شعبيته، من خلال بيع أحلام الثراء بعد بناء السدود وتصدير الطاقة الكهرومائية، باعتبارها أقوى أداة في الخطاب التنموي الإثيوبي.

ولذلك، نجح رئيس وزراء إثيوبيا في أن يربط النيل الأزرق بترتيب موازين القوى في القرن الأفريقي، وهذا ليس بصدفة؛ فليس من الممكن أن نفصل لهجة أديس أبابا عن تنافسها الأوسع على الوصول للبحر الأحمر، في وقت كانت مصر تقوّي علاقاتها البحرية والأمنية مع الصومال وإريتريا كأدوات موازنة استراتيجية.

تقييمي الفني للرد المصري

كمهندس وليس سياسيا، أعتقد أن الرد المنسوب لمصدر مصري غير معروف، والذي مضمونه أن مصر لن تقبل أو تسمح لأي طرف بالتحكم في تدفقات المياه وأن عندها أدوات للدفاع عن مصالحها، ليس مجهّلا تماماً من ناحية الرسالة السياسية؛ ومن الممكن يكون هذا التصريح مجهول الهوية هو أمر متعمد حتى يُترك الباب مفتوحا لأية اختيارات ومنها أدوات الردع الاستراتيجي. ولكنه جاء كبيان ضعيف إعلامياً وفنياً ردا على التصريح الإثيوبي الذي كان مباشرا ومحددا بمصطلحات هندسية (سدود، تحكم في التدفق)، بينما الرد المصري عام من مصدر غير مسمى وبدون إعلان مسار عملي أو إطار زمني محدد.

من وجهة نظري الهندسية، كان الأنسب أن الرد يتحول من العموميات لحزمة فنية معلنة، تشمل مطالبة رسمية بتقديم بيانات وتصميمات هندسية وإحداثيات مواقع السدود المقترحة، ودراسات الأثر العابر للحدود (Transboundary Impact Assessment) مع التمسك بمبدأي الإخطار المسبق (Prior Notification) وعدم إحداث ضرر ذي شأن (No Significant Harm)، وهما من الركائز الأساسية في القانون الدولي لإدارة الأنهار المشتركة.

كما أن تزامن هذا التطور السريع في ملف المياه مع مطالب دول المصب بضرورة تنسيق (مصري-سوداني) فني وقانوني دائم، لأن السودان ليس بطرف ثانوي هندسياً؛ بل هو الأكثر تعرضاً لتأثيرات التشغيل المفاجئ بسبب قربه الجغرافي من مواقع السدود مثلما حدث في فيضان السودان السنة الماضية.

البحر الأحمر كورقة مقايضة: قراءة فنية

من المعقول جداً، ومن واقع خبرتي، أن ملف البحر الأحمر يصبح جزءا من البيئة الضاغطة، وهذا عليه أدلة علنية قوية؛ منها تصريحات سدود النيل الجديدة كمقابل مباشر لمطلب إثيوبيا في النفاذ البحري.

وهنا لا بد أن نتذكر أن رئيس وزراء إثيوبيا زار إيطاليا وشركة "ساليني" (المقاول الرئيس لسد النهضة نفسه) للتشاور حول تصميم وتنفيذ السدود الثلاثة الجديدة فوق سد النهضة، وحصل على تمويل جزئي من بنوك إيطالية، وحاليا يحاول أن يكمل التمويل عن طريق "صندوق أبو ظبي"، الذي سيكون هو اللاعب الأخطر في هندسة وتمويل منظومة السدود هذه، بهدف استثمار الأراضي الزراعية المحيطة كاستثمار زراعي مستقبلي. وهذا كله رغم النفي الرسمي المصري لأي مقايضة بين النفاذ البحري ومرونة إثيوبية في ملف سد النهضة.

تقييم هندسي: هل إثيوبيا فعلاً قادرة على بناء السدود؟ وكم سنة يستغرق الأمر؟

من الناحية الفنية البحتة، إثيوبيا لديها إمكانات هيدرولوجية وطبوغرافية ممتازة في حوض النيل الأزرق، وخبرة هندسية تراكمت فعلاً من مشروع سد النهضة. لكن بناء سلسلة سدود كبيرة ليس قرارا هندسيا سريعا ولا رخيص التكلفة بدون تمويل خارجي. سدود التخزين الكبرى تحتاج لدراسات جيولوجية وزلزالية وهيدرولوجية وبيئية معمقة، وتصميمات إنشائية تفصيلية، وتمويل ضخم، وطرق وصول، وخطوط نقل كهربا، ومعالجة قضايا إعادة التوطين للسكان المتأثرين.

ومشكلة التمويل هي القيد الأصعب: فبناء سدود ثلاثة علوية تخزن فيها قرابة 130 مليار متر مكعب، هو أمر يحتاج مليارات الدولارات، وضمانات تمويلية، وقدرة فنية تنفيذية، مع ضمان الاستقرار السياسي والأمني وقت التنفيذ، خصوصاً أن المواقع جميعها تقع قريبة من مناطق النزاع العرقي في إثيوبيا.

ومن الناحية الزمنية الهندسية البحتة: السدود الصغيرة أو المتوسطة للري الزراعي ومحطات الكهرومائية الصغيرة يمكن أن تنفذ في فترة تتراوح بين 3 و7 سنوات بعد اكتمال الدراسات والتمويل. أما سدود التخزين العملاقة أو المشاريع متعددة الأغراض، فهندسياً تحتاج من8 إلى 15 سنة أو أكثر، وهذا أقل تقدير بافتراض عدم وجود عوائق تمويلية أو سياسية.

إعلان النية الهندسية ليس معناه أن المشروع جاهز للتنفيذ؛ ولا توجد حالياً في المعطيات العلنية مواصفات هندسية منشورة ومؤكدة (موقع، سعة، تمويل، برنامج زمني تنفيذي) لأي سد من السدود المعلنة. ولذلك لا بد أن نتعامل مع التهديد الحالي كإشارة سياسية جدية، وليس كحقيقة هندسية مكتملة على الأرض.

الخطر الهندسي الحقيقي على مصر لا يتحدد بعدد السدود في حد ذاته، لكن بإجمالي السعات التخزينية، وقواعد الملء المتزامن، والتشغيل وقت سنين الجفاف الممتد، وغياب تبادل البيانات الهيدرولوجية الفوري.

فمن ناحية التقييم الهندسي، إثيوبيا قادرة على بناء سدود صغيرة على تفريعات جريان النهر مع محطات طاقة صغيرة السعة، وهذا ليس بأمر خطير بنفس درجة سدود الخزانات متعددة سنوات الملء؛ لكن لو كان المستهدف تحقيقه هو بناء سدود كهرومائية ذات خزانات ضخمة وبدون وجود بروتوكول ملزم لدولة المنبع، فهذا حتما سوف يرفع فعلياً مخاطر العجز المائي والتشغيل المفاجئ، بالضبط مثلما حدث في فيضان السودان السنة الماضية.

التوصيات (الهندسية-الاستراتيجية) لمصر

من واقع خبرتي كمهندس وليس سياسيا، فلا زال بيد مصر أوراق مهمة، لكن فاعليتها الهندسية والسياسية تتزايد عندما تستخدم في استراتيجية متكاملة، وليس كرد فعل منفرد على كل تصرح إثيوبي مستفز ومنها التالي:

لا زال بيد مصر أوراق مهمة، لكن فاعليتها الهندسية والسياسية تتزايد عندما تستخدم في استراتيجية متكاملة، وليس كرد فعل منفرد على كل تصرح إثيوبي مستفز

- اتفاق تشغيل ملزم فنياً: ليس الهدف هنا إلغاء التنمية الإثيوبية، ولكن ضرورة وجود قواعد هندسية واضحة للملء والتشغيل، وحماية خاصة وقت الجفاف الممتد، وتبادل بيانات هيدرولوجية يوميا أو أسبوعيا، وآلية إنذار مبكر وتسوية النزاعات الفنية.

- تحالف فني هندسي مع السودان: إنشاء غرفة تشغيل مشتركة لمتابعة الهيدرولوجيا لحظياً، وتبادل البيانات، ونمذجة سيناريوهات تشغيل السدود وتأثيرها الهندسي على السدود السودانية ومن ثم السد العالي.

- مسار قانوني موثّق هندسياً: توثيق أي بناء أو تشغيل من غير إخطار مسبق ودراسة أثره العابر للحدود، وتقديم ملف هندسي وقانوني منضبط للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والشركاء الدوليين.

- ردع إقليمي محسوب: تقوية العلاقات مع الصومال وإريتريا ودول البحر الأحمر كأوراق توازن استراتيجية؛ توظف لدعم التفاوض لا لتحويل أزمة المياه لمواجهة مفتوحة.

- تحصين مائي داخلي هندسي: تقليل الفاقد في شبكات الري (وهذا مجال تقدر عليه مصر داخليا)، مع التوسع (عند الضرورة) في إعادة استخدام مياه الصرف المعالج، والتحول التدريجي للري الحديث، وتحلية المياه للاستخدامات الساحلية والصناعية، وتحسين تركيبة المحاصيل. ولكن يجب أن لا ينظر على كون ذلك بديلا هندسيا عن الحقوق المائية، ولكن ينظر إليه على كونه حصنا مؤقتا لمنع هشاشة النظام المائي المصري في سنين الشح.

- خطاب رسمي دقيق فنياً: ثابت وحازم ومهني؛ فلا قبول بالتحكم الأحادي، ولا رفض لمبدأ التنمية الإثيوبية، لكن إصرار على تنمية مشتركة من غير ضرر جسيم هندسياً ومن غير إدارة منفردة لمورد دولي مشترك.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)