العالم الإسلامي.. بين الصين والغرب

إسحاق جمالي
"أكثر النماذج إثارة للنقاش في هذا المجال هو إقليم شينجيانغ"- جيتي
"أكثر النماذج إثارة للنقاش في هذا المجال هو إقليم شينجيانغ"- جيتي
شارك الخبر
حين نتحدث عن الصين والغرب، فإننا لا نتحدث عن طرفين كبيرين فحسب، ولا عن قوتين اقتصاديتين تتنافسان على الأسواق والممرات البحرية ومصادر الطاقة، وإنما نتحدث عن نموذجين مختلفين للقوة، ونمطين مختلفين في النظر إلى الدولة والمجتمع والإنسان والحضارة.

ولهذا فإن السؤال عن الخطر الذي يمثله كل منهما على العالم الإسلامي لا يمكن أن يُختزل في سؤال ساذج من قبيل: من الصديق ومن العدو؟ فالدول الكبرى لا تتحرك في التاريخ بمنطق الصداقة الشخصية، وإنما بمنطق المصالح والقوة والموقع والفرص. والسؤال الأعمق هو: أيّ النموذجين يمتلك قدرة أكبر على اختراق العالم الإسلامي والتأثير في هويته وقراره ومستقبله؟ وأيّهما يمكن للعالم الإسلامي أن يتعامل معه بوصفه شريكاً أو منافساً دون أن يتحول إلى تابع له؟

وعندما نضع الأمور في ميزانها الواسع، يبدو أن الخطرين ليسا من النوع نفسه. الخطر الصيني أكثر صلابة ووضوحاً في بعض المجالات، ولا سيما حين يتعلق الأمر بالدولة المركزية، وإعادة تشكيل المجال السكاني والثقافي، والضغط على الهويات الدينية، وربط الدول اقتصادياً وتكنولوجياً بمركز قوة واحد.

أما الخطر الغربي فهو أكثر اتساعاً وأشد تسللاً؛ لأنه لا يأتي دائماً في صورة جيش أو قاعدة عسكرية أو قرار سياسي. إنه يستطيع أن يدخل إلى المجتمع من أبواب الاقتصاد والتعليم والإعلام والترفيه والتكنولوجيا ونمط الحياة، حتى يصل أحياناً إلى أعمق نقطة في الإنسان: تصوره عن نفسه وعن أسرته وعن الحرية وعن النجاح وعن معنى الحياة.

الصين تستطيع أن تغيّر بعض شروط البيئة التي يعيش فيها المجتمع، أما الغرب، فيملك في كثير من الأحيان قدرة أكبر على إعادة تعريف البيئة نفسها، بل وإعادة تعريف الإنسان الذي يعيش فيها. وهذه مسألة أخطر بكثير

وهنا تبدأ المقارنة الحقيقية؛ فالصين تستطيع أن تغيّر بعض شروط البيئة التي يعيش فيها المجتمع، أما الغرب، فيملك في كثير من الأحيان قدرة أكبر على إعادة تعريف البيئة نفسها، بل وإعادة تعريف الإنسان الذي يعيش فيها. وهذه مسألة أخطر بكثير.

الإسلام، قبل أن يكون نظاماً سياسياً أو تصوراً اقتصادياً، جاء برؤية للإنسان تقوم على الاعتراف بحقيقة الاختلاف. فالقرآن لا ينظر إلى التنوع البشري باعتباره خطأ ينبغي محوه، ولا يرى أن وجود قوم أو أمة أو ثقافة مختلفة يمثل في ذاته تهديداً يجب القضاء عليه.

يقول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا". فهذه الكلمة القرآنية -لتعارفوا- أوسع من مجرد أن يعرف إنسان اسم إنسان آخر، إنها تعني أن يعيش المختلفون في عالم واحد، وأن يعرف بعضهم بعضاً، وأن تتفاعل الحضارات والثقافات والأمم، وأن يظل لكل جماعة مجالها وشخصيتها وذاكرتها.

الإسلام لا يقول إن وجود الآخر خطأ، ولا يقول إن انتصار ثقافة ما لا يتحقق إلا بإعدام ثقافة أخرى، بل إنه يفتح باب التنافس. يقول الله تعالى: "وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ".

تأملوا التعبير: فاستبقوا الخيرات؛ ليس: استبقوا إلى إلغاء الآخرين، وليس: استبقوا إلى محو ثقافاتهم، وليس: استبقوا إلى تغيير تركيبتهم السكانية، بل استبقوا الخيرات. أي نافسوا في الخير، وفي البناء، وفي العلم، وفي القوة، وفي الأخلاق، وفي العمران.

ومن هنا يمكن أن نفهم أحد الفروق الجوهرية بين التنافس الحضاري والصراع الحضاري. التنافس يقول لك: كن أقوى مني، أما الصراع الوجودي فيقول لك: لن أسمح لك أن تكون موجوداً أصلاً. والفرق بينهما هائل.

إن الإسلام لا يخاف من المنافسة، بل إن الحضارة الإسلامية في مراحل قوتها لم تكن حضارة مغلقة تخشى أن يدخل إليها العلم القادم من خارج حدودها. لقد أخذ المسلمون علوم الأمم السابقة، وترجموا، وناقشوا، واختلفوا، وأضافوا، ثم أعادوا إنتاج المعرفة ضمن رؤيتهم الخاصة. لم يكن المسلم في بغداد أو دمشق أو قرطبة بحاجة إلى أن يقول: كل ما يأتي من الآخر شر؛ كان يستطيع أن يقول: هذا علم نأخذه، وهذه عقيدة لا نتبناها، هذه تقنية نستفيد منها، وهذه قيمة نرفضها، هذا نظام إداري ندرسه، وهذه فلسفة نناقشها.

وهذه القدرة على التمييز هي التي تحمي الحضارة، أما الأمة التي لا تستطيع أن تميز، فإما أن تغلق أبوابها خوفاً من الآخر، وإما أن تفتحها حتى تخرج منها هي نفسها.

ومن هنا تأتي خطورة الصين بطريقة مختلفة؛ الصين ليست مجرد قوة تجارية، إنها دولة ذات مشروع مركزي شديد القوة، استطاعت خلال عقود أن تعيد تشكيل مناطق واسعة اقتصادياً وسكانياً وعمرانياً.

وأكثر النماذج إثارة للنقاش في هذا المجال هو إقليم شينجيانغ. فوفق تقييم مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، كان الأويغور يشكلون أكثر من 75 في المئة من سكان الإقليم في تعداد 1953، بينما كان الصينيون من قومية الهان نحو 7 في المئة. وفي تعداد 2020 أصبح الأويغور نحو 45 في المئة من السكان، والهَان نحو 42 في المئة. ويشير التقرير إلى أن التحول الديموغرافي كان مرتبطاً بدرجة كبيرة بالهجرة الداخلية لأفراد الهان إلى المنطقة.

هذه الأرقام وحدها لا تكفي لإثبات أن كل تغير ديموغرافي كان نتيجة خطة واحدة متعمدة للإحلال السكاني، ولا ينبغي تحويل الإحصاء إلى شعار سياسي؛ لكن حجم التحول نفسه يجعل الديموغرافيا مسألة مركزية في فهم مستقبل المنطقة.

وهنا تظهر القضية التي ينبغي للعالم الإسلامي أن ينتبه إليها؛ فالهوية ليست مجرد بطاقة في جيب الإنسان، الهوية لغة وذاكرة وعائلة ومسجد ومدرسة وعادات وأسماء مدن وقرى وأغانٍ وحكايات وطرائق في اللباس والطعام والزواج والتربية. والديموغرافيا هي البيئة التي تتحرك فيها كل هذه العناصر. ولهذا فإن تغيير التركيبة السكانية لمجتمع ما على نطاق واسع يمكن أن يؤدي، مع الزمن، إلى تغيير المجال الذي تعيش فيه ثقافته. وقد يبقى المسجد قائماً، ولكن يقل عدد الذين يرتادونه، وقد تبقى اللغة موجودة، ولكن تتراجع في الحياة العامة، وقد تبقى الذاكرة، ولكن تتحول من ذاكرة جماعية حية إلى ذكرى تخص أقلية. وهنا يصبح الخطر الديموغرافي أخطر من مجرد زيادة أعداد ونقصان أعداد، إنه يتعلق بالسؤال: من سيبقى قادراً على إنتاج ثقافة المكان؟

لكن الإنصاف يقتضي أن نقول شيئاً آخر؛ ليس كل انتقال سكاني مؤامرة، وليس كل تغير ديموغرافي عملية إحلال، وليس كل هجرة جريمة، فالتاريخ البشري مليء بالهجرات والاختلاط والتزاوج والتجارة والانتقال بين المناطق. المشكلة تبدأ عندما تتحول الديموغرافيا إلى أداة لإضعاف جماعة بسبب هويتها، أو إعادة تشكيل مجالها بصورة تجعلها عاجزة عن الحفاظ على وجودها الثقافي والديني الطبيعي.

وهذا بالضبط ما يجعل مسألة الإيغور حساسة للعالم الإسلامي؛ لأن القضية ليست أن المسلمين يجب أن يرفضوا وجود غير المسلمين أو يرفضوا التنوع، بل العكس تماماً. الإسلام نفسه يقول: "وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا". لكن "التعارف" يفترض وجود أطراف متعددة، لا طرف واحد يبتلع الآخرين.

وهنا نصل إلى الغرب. الخطر الغربي أكثر تعقيداً؛ لأنه لا يعتمد دائماً على تغيير الناس بأيدي الدولة، إنه يستطيع أن يغير رغبات الناس أنفسهم. وهذه نقطة شديدة الأهمية، فالجندي يستطيع أن يسيطر على مدينة، ولكن الثقافة تستطيع أن تجعل سكان المدينة أنفسهم يغيرون الطريقة التي ينظرون بها إلى مدينتهم. والقانون يستطيع أن يفرض سلوكاً، لكن الإعلام يستطيع أن يجعل الإنسان يرغب في السلوك قبل أن يفرض عليه. والسلطة تستطيع أن تمنع كتاباً، لكن السوق يستطيع أن يجعل الناس لا يريدون قراءة كتب أخرى.

وهنا يكمن معنى الخطر المتسلل، إنه لا يدخل دائماً من الباب الأمامي؛ قد يدخل من شاشة الهاتف، من مسلسل، من إعلان، من جامعة، من شركة، من منصة تواصل اجتماعي، من مفهوم جديد للنجاح، من صورة جديدة للأسرة، من تصور جديد للعلاقة بين الفرد والمجتمع، من تعريف جديد للحرية، ومن ثم لا يشعر المجتمع بالتحول في لحظته الأولى. تأتي الفكرة صغيرة، ثم تصبح مألوفة، ثم تصبح طبيعية، ثم يصبح الاعتراض عليها غريباً، ثم يأتي جيل جديد لا يعرف أن ما يراه "طبيعياً" لم يكن طبيعياً في مجتمعه قبل عقود.

وهنا لا يعود السؤال: ماذا فرض الغرب علينا؟ بل يصبح: ماذا أصبحنا نريد نحن، بعد أن تغيرت طريقة تشكيل رغباتنا؟ وهذه واحدة من أعظم قوى الحضارة الحديثة.

ولذلك فإن الغرب، في تقديري، يمثل الخطر الأوسع على العالم الإسلامي؛ ليس لأن الغرب كتلة واحدة، وليس لأن كل إنسان غربي يحمل مشروعاً ضد الإسلام، وليس لأن كل فكرة غربية شر؛ هذا تبسيط لا يخدم الحقيقة، فالغرب يحتوي على علوم عظيمة، وتجارب مؤسسية، وتقاليد فكرية، ومساحات من الحرية والبحث العلمي لا يمكن إنكارها. لكن المشكلة ليست في العلوم، المشكلة في النموذج الكلي حين يُقدَّم باعتباره النموذج الوحيد الممكن للإنسان.

فإذا أخذ المسلم من الغرب العلم، ولم يأخذ معه ما يتعارض مع عقيدته، فقد ربح العلم وحفظ هويته. أما إذا أخذ العلم، ثم أخذ معه تعريف الغرب للإنسان والأسرة والدين والأخلاق، ثم بدأ ينظر إلى تراثه كله بوصفه عائقاً أمام التقدم، فهنا لم يعد يتعامل مع الغرب، بل بدأ يستبدل نفسه بالغرب. وهذه هي النقطة التي تجعل الخطر الثقافي الغربي أكثر عمقاً من مجرد النفوذ السياسي.

وليس معنى ذلك أن الإسلام يطلب من المسلمين أن يعيشوا في عزلة، على العكس، القرآن يضع قاعدة في التعامل مع المختلفين الذين لا يحاربون المسلمين: "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ". لاحظوا: تبرّوهم وتقسطوا إليهم، أي أن الاختلاف لا يلغي العدل، والاختلاف الديني لا يعني بالضرورة العداء، والاختلاف الحضاري لا يعني الحرب.

لكن هذا أيضاً لا يعني الذوبان، فالعدل مع الآخر لا يعني أن يصبح الإنسان هو الآخر، والرحمة لا تعني فقدان الهوية، والتعايش لا يعني أن تتنازل كل جماعة عن شخصيتها.

ومن هنا يمكن فهم الفارق بين الإسلام وبعض المشاريع الحضارية الحديثة. الإسلام لا يقول: لأنك مختلف عني، يجب أن أدمرك، ولا يقول: لأنك مختلف عني، يجب أن أتحول إليك، إنه يفتح طريقاً ثالثاً: أن نختلف، ونتعارف، ونتعاون فيما نتفق فيه، ونتنافس فيما نختلف فيه، ونتصارع فقط حين يتحول الأمر إلى عدوان وظلم. وهذا من أرقى ما يمكن أن يقدمه تصور ديني للعلاقة بين الحضارات.

ولذلك فإن العالم الإسلامي لا ينبغي أن ينظر إلى الصين على أنها "المنقذ من الغرب"، هذه فكرة خطرة؛ الصين ليست جمعية خيرية، ولا تتحرك في العالم بلا مصالح، إنها دولة كبرى تبحث عن الأسواق والطاقة والممرات البحرية والموارد والنفوذ. والشراكة الاقتصادية معها يمكن أن تكون مفيدة، لكن الشراكة لا تعني التبعية.

الصين تستطيع أن تبني لك طريقاً، لكنها لا ينبغي أن تصبح هي الطريق الوحيد الذي تستطيع من خلاله أن تتنفس، تستطيع أن تبيعك التكنولوجيا، لكن لا ينبغي أن يصبح مستقبلك التكنولوجي مرهوناً بها، تستطيع أن تكون شريكاً تجارياً، لكن لا ينبغي أن تتحول تجارتك كلها إلى علاقة اعتماد على سوق واحد. وهنا يكمن الخطر الصيني الاقتصادي: أن تتحول الشراكة إلى ضرورة، والضرورة إلى تبعية، والتبعية إلى قدرة سياسية على التأثير في القرار.

وفي المقابل، لا ينبغي للعالم الإسلامي أن يتعامل مع الغرب باعتباره عدواً يجب قطع كل صلة به، فهذا أيضاً خطأ؛ الغرب يمتلك الجامعات، ومراكز البحث، والشركات، والأسواق، والتكنولوجيا، والخبرات الطبية والهندسية والإدارية. والحضارة التي تخاف من العلم لأنها جاءتها من خصم محتمل ليست حضارة قوية. القوة الحقيقية هي أن تقول: خذ ما ينفعك، ودع ما يفسدك.

وهذا هو ما فعله المسلمون في عصور قوتهم. لم تكن بغداد ضعيفة لأنها ترجمت كتب اليونان، بل أصبحت أقوى لأنها استطاعت أن تستوعب ما حولها ثم تعيد إنتاجه. ولم تكن الحضارة الإسلامية قوية لأنها أغلقت أبوابها، وإنما لأنها كانت تمتلك من الثقة بنفسها ما يسمح لها بالدخول إلى العالم دون أن تفقد نفسها.

وهنا ربما نستطيع أن نحدد المسألة كلها في عبارة واحدة: الصين قد تريد أن تكون شريكك الاقتصادي مع احتفاظها بنظامها المركزي ونفوذها الاستراتيجي؛ أما الغرب فيملك قدرة أكبر على أن يجعل نموذجه الثقافي والاجتماعي معياراً عاماً، حتى داخل المجتمعات التي لم تطلب منه أن يكون مرجعاً لها.

ولهذا فهما خطران مختلفان؛ الخطر الصيني يمكن أن يكون صلباً، والخطر الغربي يمكن أن يكون ناعماً. والخطر الصلب تراه عندما يصل، أما الخطر الناعم فقد لا تعرف أنه وصل إلا بعد أن يصبح جزءاً منك.

ومن هنا تأتي المفارقة؛ العالم الإسلامي يخشى الصين بسبب ما يمكن أن تفعله الدولة بالمجتمع، ويخشى الغرب بسبب ما يمكن أن تفعله الثقافة بالمجتمع. الصين تستطيع أن تغير شروط الحياة من أعلى، والغرب يستطيع أن يغير طريقة التفكير في الحياة من الداخل. والأول يحتاج إلى مقاومة سياسية، أما الثاني فيحتاج إلى مناعة حضارية.

وهذه المناعة لا تُبنى بمنع الإنترنت، ولا بإغلاق الجامعات، ولا بكراهية الغرب، ولا بترديد الشعارات؛ المناعة الحضارية لا تعني أن تمنع أبناءك من رؤية العالم، بل أن تجعل أبناءك يرون العالم كله ولا يفقدون القدرة على معرفة أنفسهم؛ أن يعرف الشاب المسلم لماذا يؤمن، ولماذا يصلي، ولماذا يحترم أسرته، ولماذا للزواج والأسرة مكانتهما، ولماذا للحياء معنى، ولماذا للحرية حدوداً، ولماذا لا يعني التقدم التخلي عن الدين، وأن يعرف في الوقت نفسه كيف يقرأ العلم الحديث، وكيف يناقش الفلسفة، وكيف يستخدم التكنولوجيا، وكيف ينافس في الاقتصاد، وكيف ينتج المعرفة؛ لأن الإنسان الذي لا يعرف العالم سيخاف منه، والإنسان الذي لا يعرف نفسه سيذوب فيه. أما الإنسان الذي يعرف نفسه ويعرف العالم، فإنه يستطيع أن يتعامل معه دون أن يصبح نسخة منه.

ومن هنا أيضاً ينبغي أن نعيد النظر في معنى القوة؛ القوة ليست فقط طائرات وصواريخ، وليست فقط الناتج المحلي، وليست فقط عدد السكان، القوة أن تستطيع أن تنتج ما تحتاج إليه، وأن تعرف ما تريد، وأن تملك جامعاتك، وتكنولوجيتك، وإعلامك، وغذاءك، وطاقتك، وأسواقك، ومعاهدك البحثية، وأن تستطيع أن تقول للصين: نريد التجارة، ولكن لا نريد التبعية، وأن تقول للغرب: نريد العلم والتعاون، ولكن لا نريد إعادة تشكيل هويتنا، وأن تستطيع في الوقت نفسه أن تقول لنفسك: نحن لا نحتاج إلى أن نكره الآخرين حتى نحب أنفسنا.

وهنا تظهر قيمة الآية مرة أخرى: "وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا". فالتعارف ليس ذوباناً، والتعارف ليس استسلاماً، والتعارف ليس أن يصبح الجميع نسخة واحدة؛ التعارف يعني أن تعرف الآخر وهو يعرفك، وأن تتفاعل معه دون أن تمحو شخصيتك. وهذا يختلف جذرياً عن المشروع الذي لا يرى استقرار هويته إلا في إلغاء هوية الآخر.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم حساسية المسألة الديموغرافية، فالإسلام ليس ضد وجود قوميات متعددة، ولا ضد الهجرة في ذاتها، ولا ضد التعدد البشري، بل الإسلام نفسه يعترف بالشعوب والقبائل. لكن أن تصبح القوة السياسية قادرة على إعادة تشكيل التركيبة السكانية لمجتمع ما بحيث تتآكل الأغلبية التاريخية لجماعة بعينها، ثم تتراجع لغتها وثقافتها ودينها وحضورها العام، فهذه ليست مجرد مسألة تنوع سكاني، تصبح هنا مسألة بقاء حضاري.

والفارق بين التنوع الطبيعي والتغيير المفروض هو أن الأول يسمح للجميع بالبقاء، أما الثاني فقد يجعل بقاء طرف مشروطاً بتراجعه.

وهنا أيضاً يجب أن نكون دقيقين في الحديث عن الغرب، فليس كل انتشار للثقافة الغربية "إبادة ثقافية"، وليس كل تغير اجتماعي مؤامرة. الحضارات تتفاعل بطبيعتها، والأفكار تنتقل، والناس يختارون، والثقافات تتغير. لكن الخطر يبدأ حين تصبح هناك منظومة عالمية غير متكافئة تجعل نموذجاً واحداً يمتلك غالبية أدوات الإنتاج الثقافي والإعلامي والتكنولوجي، ثم يصبح هذا النموذج حاضراً في حياة مئات الملايين بصورة تفوق قدرة الثقافات الأخرى على إنتاج بدائلها. عندها لا تكون المنافسة متكافئة تماماً، فالمنافسة تحتاج إلى طرف قادر على المنافسة. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للعالم الإسلامي ليس أن يشاهد الغرب، وإنما أن يعجز عن إنتاج نفسه.

وهنا أصل إلى الحسم؛ إذا طلبنا إجابة صريحة لا تحتمل المراوغة: أيّهما أخطر على العالم الإسلامي؟ فالجواب عند جمع الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية والتاريخية هو: الخطر الغربي أخطر في المحصلة العامة والأوسع؛ لأن الغرب لا يمتلك فقط أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري، بل يمتلك فوق ذلك قدرة استثنائية على التغلغل الثقافي وصناعة النموذج وإعادة تعريف المفاهيم والقيم وأنماط الحياة.

أما الصين، فهي أخطر في مجالات محددة، وعلى رأسها المركزية السياسية، والتضييق على الهويات الدينية، وإمكان استخدام القوة الاقتصادية والتكنولوجية، وما يثيره التحول الديموغرافي في بعض المناطق من مخاوف تتعلق ببقاء الهوية المحلية.

إذن ليست المعادلة: الغرب شر والصين خير؛ هذه معادلة ساذجة، وليست: الصين والغرب سواء، فهذه أيضاً تتجاهل اختلاف الأدوات والتجارب؛ بل المعادلة الأدق هي: الغرب أخطر من حيث اتساع أدوات التأثير وتسلل النموذج الثقافي والسياسي إلى داخل المجتمع، بينما الصين أخطر حين تتحول الشراكة الاقتصادية إلى تبعية، وحين يتحول نموذج الدولة المركزية إلى أداة لإعادة تشكيل المجتمع وهويته.

الإسلام لا يقول للمسلمين: اعزلوا أنفسكم عن العالم، ولا يقول لهم: ذوبوا في العالم، بل يقول لهم، في أبلغ صورة: اعرفوا العالم، واعرفوا أنفسكم، ثم ادخلوا إليه وأنتم قادرون على أن تعطوا كما تأخذون، وأن تنافسوا كما يتنافس الآخرون، وأن تتعاونوا دون أن تذوبوا، وأن تختلفوا دون أن تظلموا

والعالم الإسلامي، إذا أراد أن يخرج من هذه الثنائية، فعليه أن يتوقف عن سؤال: مع من نقف؟ وأن يبدأ بالسؤال: كيف نقف نحن؟ فليس المطلوب أن تكون تابعاً لواشنطن حتى تكون ضد بكين، ولا تابعاً لبكين حتى تتخلص من واشنطن. هذه ليست استقلالية، إنها مجرد نقل للتبعية من باب إلى باب.

الاستقلال الحقيقي أن تستطيع أن تتعامل مع الجانبين، وأن تستورد من الصين ما تحتاجه، وأن تستفيد من الجامعات الغربية، وأن تتعامل مع الأسواق العالمية، وأن تبني علاقات مع روسيا والهند وتركيا وأفريقيا وآسيا، وأن تتعاون مع الجميع، لكن دون أن تعطي أحداً مفتاح عقلك.

إن الإسلام لا يخاف من العالم، ولا يخاف من التعدد، ولا يخاف من المنافسة، بل يخشى الظلم والعدوان والفساد. والقرآن يقول: "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ".

فالعلاقة مع المختلف يمكن أن تكون براً وقسطاً، ولكن الإسلام في الوقت نفسه لا يطلب من المسلم أن يتخلى عن هويته حتى يثبت أنه متسامح. يمكنك أن تحترم الآخر دون أن تصبح هو، ويمكنك أن تتعامل معه دون أن تقلده، ويمكنك أن تتعلم منه دون أن تفقد نفسك، ويمكنك أن تنافسه دون أن تتمنى إبادته.

وهذه هي الفكرة التي يجب أن يستعيدها العالم الإسلامي: لسنا بحاجة إلى صراع الحضارات، وإنما بحاجة إلى تنافس الحضارات. فليتفوق من يتفوق في العلم، وليتقدم من يتقدم في الاقتصاد، وليبدع من يبدع في الفن، ولينتج من ينتج في التكنولوجيا، وليحمل كل مجتمع قيمه إلى العالم، ثم يترك للإنسان أن يرى ويقارن ويختار. أما أن يصبح انتصار حضارة مشروطاً باختفاء حضارة أخرى، فذلك ليس انتصاراً حضارياً، بل صورة أخرى من صور القوة العمياء.

وفي النهاية، ربما تكون المعركة الحقيقية التي يواجهها العالم الإسلامي ليست مع الصين ولا مع الغرب، بل مع ضعفه هو. فالأمة التي لا تنتج العلم ستستورد العلم، والتي لا تنتج التكنولوجيا ستستورد التكنولوجيا، والتي لا تنتج الإعلام ستستهلك إعلام الآخرين، والتي لا تنتج النموذج الحضاري ستعيش داخل نماذج الآخرين. وعندما يحدث ذلك، يصبح السؤال: هل الغرب أخطر أم الصين؟ سؤالاً ثانوياً، لأن الخطر الأول يكون قد وقع بالفعل: أن تصبح الأمة مستهلكة لتاريخ يصنعه الآخرون.

أما الأمة التي تمتلك علمها واقتصادها وإعلامها وتكنولوجيتها وثقتها بنفسها، فإنها تستطيع أن تتعامل مع الغرب والصين من موقع مختلف: لا موقع الخائف، ولا موقع التابع، ولا موقع العدو الدائم، بل موقع الشريك المنافس. وهذا هو الفرق بين أمة تخشى أن يغيرها العالم، وأمة تدخل العالم وهي قادرة على أن تؤثر فيه.

فالإسلام لا يقول للمسلمين: اعزلوا أنفسكم عن العالم، ولا يقول لهم: ذوبوا في العالم، بل يقول لهم، في أبلغ صورة: اعرفوا العالم، واعرفوا أنفسكم، ثم ادخلوا إليه وأنتم قادرون على أن تعطوا كما تأخذون، وأن تنافسوا كما يتنافس الآخرون، وأن تتعاونوا دون أن تذوبوا، وأن تختلفوا دون أن تظلموا.

وحين تصل الأمة إلى هذه المرحلة، لن يكون السؤال: هل الصين أخطر أم الغرب؟ لأنّها ستكون قد امتلكت من القوة ما يجعل كليهما مضطراً إلى التعامل معها باعتبارها حضارة قائمة بذاتها، لا ساحة نفوذ لأحد.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)