رسالتي إلى شباب مصر خلف الأسوار

محمد جمال حشمت
"كم من محنة ظن أصحابها أنها لن تنتهي ثم انتهت"- جيتي
"كم من محنة ظن أصحابها أنها لن تنتهي ثم انتهت"- جيتي
شارك الخبر
لقد مررنا بهذه الظروف القاسية شعرنا فيها بقهر وظلم لكن هذا لم ينل من إرادتنا يوما ما، بل كنا نقهر من تسلط علينا بعزة النفس والوعي الذي أكرمنا الله به؛ لذا أوجه كلمتي هذه لكل شباب مصر خلف أسوار الظلم والبغي بدون وجه حق.

إلى كل شاب حُرم من حريته بسبب رأي عبّر عنه، أو موقف تمسّك به، أو اختلاف لم يكن ينبغي أن تكون عقوبته السجن.. إلى من طال عليه الليل خلف الأبواب المغلقة، واشتاق إلى أمه وأبيه وزوجته وأبنائه وأصدقائه، وإلى شارع كان يمشي فيه حرا، وسماء كان ينظر إليها بلا قضبان.. إليكم جميعا، مهما اختلفت أفكاركم وتوجهاتكم وانتماءاتكم:

قد نختلف في الرأي، وقد تتباعد بيننا الاجتهادات، لكن الاختلاف لا يسلب إنسانا كرامته، ولا يجعل الظلم مقبولا، ولا يحوّل صاحب الرأي إلى عدو لوطنه.

ومصر أوسع من أن يختصرها تيار، وأكبر من أن يحتكر حبها فريق. يجمعكم اليوم -رغم اختلافكم- أن لكل واحد منكم حلما لهذا الوطن، وأنكم تتمنون أن تروا مصر أكثر عدلا وحرية وكرامة واستقرارا.

يا شبابنا خلف الأسوار..
العدل الذي نحلم به لا يكون عدلا إذا كان انتقاما، والدولة التي نريدها لأبنائنا ينبغي أن تتسع يوما لمن نختلف معهم كما نريدها أن تتسع لنا

نعلم أن أصعب ما في السجن ليس الجدار وحده، وإنما مرور الأيام، وغموض الغد، والشعور بأن العالم في الخارج يتحرك بينما تبدو حياتكم متوقفة. لكن لا تسمحوا للسجن أن يسجن أرواحكم.

قد يُغلق الباب على الجسد، ولكن يبقى العقل قادرا على التفكير، والقلب قادرا على الأمل، والإنسان قادرا على أن يصنع من المحنة مدرسة للمستقبل.

لا تجعلوا اليأس ينتصر عليكم. اقرؤوا إن استطعتم، وتعلموا ما استطعتم، واكتبوا أفكاركم وتجاربكم، وراجعوا مواقفكم بشجاعة، وتعلموا من بعضكم رغم اختلافاتكم.

وليسأل كل واحد منكم نفسه: ماذا سأفعل لو خرجت غدا؟ وما العلم أو المهارة أو التجربة التي أستطيع أن أخرج بها من هذه السنوات القاسية؟ فالمستقبل يحتاج إلى عقول نضجت بالتجربة، لا إلى نفوس حطمتها المرارة.

ولا تسمحوا للظلم أن يزرع الكراهية في قلوبكم. ارفضوا الظلم بكل وضوح، وتمسكوا بحقكم في الكرامة والحرية والعدالة، لكن لا تجعلوا القسوة التي تعرّضتم لها تحولكم إلى نسخة أخرى ممن ظلمكم. فالعدل الذي نحلم به لا يكون عدلا إذا كان انتقاما، والدولة التي نريدها لأبنائنا ينبغي أن تتسع يوما لمن نختلف معهم كما نريدها أن تتسع لنا.

نريد وطنا لا يخاف فيه صاحب رأي من رأيه، ولا يحتاج فيه الحاكم إلى سجن المختلف معه، ولا تتحول فيه الخصومة السياسية أو الفكرية إلى خصومة مع الإنسان نفسه.

وإلى من أثقلته الأيام نقول:

لا تقيسوا المستقبل بطول هذه الليلة. كم من محنة ظن أصحابها أنها لن تنتهي ثم انتهت، وكم من باب ظنه الإنسان مغلقا إلى الأبد ثم فتحه الله من حيث لم يحتسب.

قال تعالى: "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً". وقال سبحانه:"وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ".

فاجعلوا الصبر قوة، والأمل عبادة، والوقت إعدادا، والمحنة خبرة، والدعاء سلاح القلب حين تعجز اليد عن تغيير الواقع.

ولا تسمحوا لأحد أن يقنعكم أن أعماركم ضاعت. ما بقي من العمر يستطيع أن يصنع الكثير، ورُب يوم بعد الحرية يعوض سنوات، ورب تجربة مؤلمة تصنع إنسانا أكثر حكمة ورحمة وإدراكا لقيمة العدل.

يا شباب مصر بمختلف أفكاركم..

تعلموا داخل المحنة شيئا ربما عجزنا جميعا عن تعلمه خارجها:أن نتعايش ونحن مختلفون.. إسلامي وعلماني، ليبرالي ويساري، محافظ ومستقل، ومن لا ينتمي إلى أي تيار.. تستطيعون أن تختلفوا في تصوركم لمستقبل مصر، لكن يجب ألا تختلفوا أبدا على حق الإنسان في الكرامة والعدل والمحاكمة المنصفة، وعلى أن الاختلاف السياسي والفكري لا ينبغي أن يهدم إنسانية المختلفين. لعل من رحم هذه المعاناة يولد جيل يفهم أن الوطن لا يبنى بإقصاء بعض أبنائه، وأن مصر تتسع للجميع.

وأما ما تتعرضون له من تعسف أو إذلال أو حرمان، فلا تجعلوه يهزم داخلكم معنى الإنسان. الظلم مرفوض أيا كان فاعله وأيا كان ضحيته، ونحن حين نرفض ما يقع عليكم، فإننا لا نطلب امتيازا لفصيل، وإنما ندافع عن قاعدة ينبغي أن تحمي الجميع: كرامة الإنسان ليست منحة من سلطة، وحقه في العدالة لا يسقط لأنه معارض أو مختلف.

اجعلوا السؤال الأكبر: كيف نخرج من هذه المحنة أفضل مما دخلناها؟ استعدوا لليوم التالي. استعدوا بالعلم، وبالوعي، وبالخبرة، وبمراجعة الأخطاء، وبفهم الآخر، وبالإيمان بأن مصر المستقبل لا تحتاج إلى استبدال غالب بمغلوب، وإنما تحتاج إلى دولة قانون وعدالة

احفظوا أجسادكم ما استطعتم، واحموا عقولكم من الانهيار، واسندوا ضعيفكم، وواسوا حزينكم، وتصالحوا مع اختلافاتكم، ولا تجعلوا السجن ساحة جديدة لصراعات الخارج.

واجعلوا السؤال الأكبر: كيف نخرج من هذه المحنة أفضل مما دخلناها؟ استعدوا لليوم التالي. استعدوا بالعلم، وبالوعي، وبالخبرة، وبمراجعة الأخطاء، وبفهم الآخر، وبالإيمان بأن مصر المستقبل لا تحتاج إلى استبدال غالب بمغلوب، وإنما تحتاج إلى دولة قانون وعدالة تحفظ حق المواطن، سواء اتفق مع السلطة أو عارضها.

وإلى الأمهات والآباء والزوجات والأبناء الذين ينتظرون خلف أبواب أخرى لا تقل قسوة عن أبواب السجون: أنتم شركاء في هذه المحنة، وصبركم وتماسككم ورسائلكم ودعاؤكم جسور تصل إلى من تحبون حين تعجز الأيدي عن الوصول إليهم.

اللهم يا فارج الهم، ويا كاشف الغم، كن لهم في وحدتهم، وآنس وحشتهم، واربط على قلوبهم وقلوب أمهاتهم وآبائهم وأزواجهم وأبنائهم. اللهم ارزقهم صبرا لا ينفد، وأملا لا ينكسر، ونفسا لا يهزمها اليأس.

اللهم احفظ كرامتهم وأبدانهم وعقولهم، واشف مريضهم، وقوّ ضعيفهم، وفرّج كربهم، وردّهم إلى أهلهم سالمين.

اللهم اجعل مصر وطنا آمنا عادلا لجميع أبنائها، واحفظها من الظلم والكراهية والاقتتال، واجمع أبناءها على الحق والعدل والرحمة، ولا تجعل اختلافهم سببا في ظلم بعضهم بعضا.

يا شبابنا خلف الأسوار..

اثبتوا، ولكن لا تتجمدوا.. اصبروا، ولكن لا تيأسوا.. تمسكوا بحقوقكم، ولكن لا تسمحوا للكراهية أن تمتلك قلوبكم. واستعدوا للحرية قبل أن تأتي الحرية، فقد يستطيع السجن أن يأخذ من الإنسان أياما من عمره، لكنه لا ينبغي أن يأخذ منه مستقبله.

وسيظل الرجاء في الله أكبر من الجدران، والأمل أوسع من الزنازين، ومصر أبقى من كل خلاف.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)