قام الجيش
الإسرائيلي، فجر يوم 18 آب/ أغسطس الجاري، بقصف مدرج مطار أبو الظهور العسكري في
محافظة إدلب السورية. وادَّعت إسرائيل بأنها حصلت على معلومات استخباراتية تشير
إلى زيارة وفد تركي للمطار، واستعداد
تركيا لتوسيع وجودها العسكري في
سوريا، فيما أكدت وزارة الدفاع التركية
عدم وجود أي بعثة عسكرية تركية في القاعدة الجوية سواء قبل الهجوم الإسرائيلي
عليها أو خلال تنفيذه، كما أكد السفير الأمريكي لدى أنقرة والمبعوث الخاص إلى
سوريا والعراق، توماس باراك، أن المعلومات الاستخباراتية التي استندت إليها
إسرائيل في شن غارة على مطار أبو الظهور العسكري لم تكن صحيحة.
الجانب
الإسرائيلي يقول إن ضرب المطار العسكري الذي يبعد فقط حوالي 60 كيلومترا عن الحدود
التركية، رسالة إلى أنقرة مفادها أن إسرائيل لن تسمح بوجود تواجد عسكري تركي في
سوريا، كما يعتبر المسؤولون الإسرائيليون ذلك "خطا أحمر"، ويرون إقامة
أي قاعدة تركية في الأراضي السورية تهديدا لأمن الكيان الصهيوني. ومن المؤكد أن
هذا الهجوم الذي استهدف قرب الحدود التركية رسالة إلى أنقرة، كما تقول حكومة
نتنياهو، وبالتالي هناك أسئلة عديدة تطرح نفسها، مثل: كيف قرأت أنقرة هذه الرسالة؟
وكيف سترد عليها؟ ومتى؟
من المؤكد أن هذا الهجوم الذي استهدف قرب الحدود التركية رسالة إلى أنقرة، كما تقول حكومة نتنياهو، وبالتالي هناك أسئلة عديدة تطرح نفسها، مثل: كيف قرأت أنقرة هذه الرسالة؟ وكيف سترد عليها؟ ومتى؟
أنقرة ترى أن
الهجوم الإسرائيلي على مطار أبو الظهور العسكري له أبعاد مختلفة، أولها ما يتعلق
بحسابات نتنياهو الانتخابية، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي يسعى من خلال
التصعيد
والاستعراض إلى رفع شعبيته قبل انتخابات الكنيست المقرر إجراؤها في 27 تشرين الأول/
أكتوبر المقبل. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن حزب الليكود الذي يقودوه نتنياهو سيخسر
12 مقعدا في الانتخابات ليتراجع عدد مقاعده في الكنيست من 32 إلى 20. ويحاول
نتنياهو أن يستخدم ورقة معاداة تركيا في حملته الانتخابية.
البعد الثاني
للهجوم يتعلق بمخاوف إسرائيل من تصاعد قوة تركيا ونفوذها في المنطقة، في ظل سقوط
النظام الأسدي في سوريا، وتحسن العلاقات التركية الأمريكية، وترميم أنقرة علاقاتها
مع الرياض والقاهرة. كما أن القفزة الكبيرة التي حققتها تركيا في مجال الصناعات
الدفاعية تثير قلق إسرائيل التي تعتبر تعزيز أي دولة في المنطقة قدراتها العسكرية
تهديدا لها. ومن المؤكد أن استعادة سوريا عافيتها وإعادة بناء جيشها الوطني
بالتنسيق والتعاون مع تركيا تشكل كابوسا تقض مضاجع تل أبيب، علما بأن إسرائيل لا
تثق في الرئيس السوري أحمد الشرع وحكومته، ولن تثق في أي حكومة سورية تعبر عن
إرادة الشعب السوري.
قراءة الهجوم
الإسرائيلي كأزمة مؤقتة متعلقة بحكومة نتنياهو قراءة خاطئة، بل الصراع بين تركيا
وإسرائيل سيمتد إلى ما بعد نتنياهو. وأي حكومة إسرائيلية ستأتي بعد الانتخابات،
سواء كانت برئاسة نتنياهو أو غيره، سترى تركيا وتصاعد نفوذها خطرا على إسرائيل.
وقد تختلف أساليب حكومة إسرائيلية في التعامل مع ذاك الخطر عن أخرى، إلا أن
محاولات الحد من نفوذ تركيا في المنطقة والحيلولة دون بناء سوريا جيشا وطنيا قويا،
ستبقى سياسة دولة الاحتلال الثابتة، بغض النظر عن الأحزاب التي تشكل الائتلاف
الحكومي الإسرائيلي.
تركيا ترى جميع
أبعاد التوتر مع إسرائيل، وتستعد لكافة الاحتمالات، لكن لا نية لدى أنقرة أن تمنح
نتنياهو فرصة لاستغلال معاداة تركيا لصالحها في الانتخابات. وبالتالي، حتى
انتخابات الكنيست لن يكون هناك أي رد تركي يؤدي إلى التصعيد الذي يبحث عنه رئيس
الوزراء الإسرائيلي. وتشير تقارير إعلامية إلى وجود جهود أذربيجانية لتخفيف التوتر
بين أنقرة وتل أبيب. ويمكن أن يضاف إلى جهود التهدئة في
تركيا ستواصل تعزيز قدراتها العسكرية ونفوذها في المنطقة، كأقوى رد على الاستفزاز الإسرائيلي، كما أنها لن تسمح لإسرائيل برسم حدود لعلاقاتها مع سوريا، ولا بتحول تهديدات قادة الاحتلال الصهيوني إلى أمر واقع يفرض عليها
المرحلة الراهنة، الاجتماع
الذي عقد في الأردن بوساطة أمريكية وجمع الوفد السوري الرفيع برئاسة وزير الخارجية
أسعد الشيباني ومسؤولين إسرائيليين؛ بهدف خفض التصعيد بعد القصف الإسرائيلي لمطار
أبو الظهور العسكري.
رد تركيا على
إسرائيل سيكون من خلال الاستمرار في تعزيز قدراتها العسكرية، وإنجاز المشاريع
الوطنية في مجال الصناعات الدفاعية، ودعم سوريا في إعادة بناء جيشها الوطني
وتسليحه، وحماية أمنها واستقرارها ووحدة ترابها. وهو ما أكدته وزارة الدفاع
التركية، قائلة إن أنقرة ستواصل دعم سيادة سوريا ووحدة أراضيها،
والعمل على تحقيق بنية مستقرة وآمنة فيها. كما شدد الوفد السوري الذي التقى الوفد
الإسرائيلي في الأردن، على أن سوريا دولة ذات سيادة، ولها كامل الحق في إعادة بناء
جيشها الوطني وتطويره وتحديد تحالفاتها وشراكاتها، بما يتوافق مع مصالحها الوطنية.
تركيا استشعرت
مبكرا بمجيء مثل هذه الأيام، وأطلقت مبادرة "تركيا بلا إرهاب" لسحب ورقة
حزب العمال الكردستاني من يد إسرائيل، ونجحت في ذلك إلى حد كبير. كما حالت دون
استغلال الجماعات الكردية في الحرب على إيران، وأفشلت خطة إسرائيل الهادفة إلى
تقسيم سوريا وإبقائها دولة ضعيفة تستنزف قوتها صراعات داخلية.
ومن المؤكد أن
تركيا ستواصل تعزيز قدراتها العسكرية ونفوذها في المنطقة، كأقوى رد على الاستفزاز
الإسرائيلي، كما أنها لن تسمح لإسرائيل برسم حدود لعلاقاتها مع سوريا، ولا بتحول
تهديدات قادة الاحتلال الصهيوني إلى أمر واقع يفرض عليها.
x.com/ismail_yasa
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.