قامت قوات الأمن التركية، الخميس الماضي، بإلقاء القبض على زعيم جماعة
"سليمانجيلار"، عليهان كوريش، بالإضافة إلى عدد من رجالها الكبار، بتهمة
تشكيل تنظيم إجرامي من أجل كسب المال وغسل الأموال. وجاء هذا
الاعتقال بناء على
طلب النيابة العامة المبني على تقرير هيئة التحقيق في الجرائم المالية (ماساك)
الذي يشير إلى حركة مالية مشبوهة تصل إلى عشرات المليارات عبر شخصيات وشركات
مرتبطة بالتنظيم، كما يكشف التقرير الذي يتألف من 168 صفحة أن التنظيم المذكور قام
بتهريب 100 مليار ليرة تركية إلى الخارج بطرق ووسائل مختلفة. وقررت المحكمة بقاء
32 من المشتبه بهم في السجن بمن فيهم كوريش، وإطلاق سراح 6 آخرين مع وضعهم تحت
المراقبة القضائية.
سليمانجيلار أو "
السليمانيون" جماعة
صوفية منتمية إلى فرع
المجددية للطريقة النقشبندية، أسسها الشيخ سليمان حلمي توناهان المتوفى في 1959
بإسطنبول. وانشغل توناهان بتعليم تلاوة القرآن الكريم وتحفيظه بشكل سري، وتعرض للاعتقال
والسجن والتعذيب في سبيل خدمة كتاب الله، قبل أن يلغي الحزب الديمقراطي برئاسة
عدنان مندريس حظر مدارس القرآن الكريم. واشتهرت الجماعة بفتح مدارس أهلية لتعليم
تلاوة القرآن الكريم وتحفيظه. وتعادي الجماعة مدارس رئاسة الشؤون الدينية وثانويات
الأئمة والخطباء، وتراها منافسة لأنشطتها.
مؤشرات تشير إلى تقارب بين جماعة غولن وجماعة سليمانجيلار بعد تولي كوريش زعامة الجماعة، ومحاولات لإقامة جماعة سليمانجيلار مكان جماعة غولن وتمكينها من السيطرة على أجهزة الدولة
زعامة الجماعة انتقلت بعد وفاة توناهان إلى زوج ابنته، كمال كاتشار. وانتخب
هذا الأخير نائبا لثلاث مرات؛ مرة عن حزب الملة برئاسة عثمان بولوك باشي، ومرتين
عن حزب العدالة برئاسة سليمان دميرل. وبعد وفاته عام 2000، تولى زعامة الجماعة
عارف أحمد دنيز أولغون، حفيد توناهان من ابنته الأخرى. وانتخب دنيز أولغون في
انتخابات 1995 نائبا عن حزب الرفاه برئاسة نجم الدين أربكان، وبعد إغلاق حزب
الرفاه من قبل المحكمة الدستورية ظل مستقلا، وتولى حقيبة المواصلات في الحكومة
التي أسسها مسعود يلماز. توفي دنيز أولغون في أيلول/سبتمبر 2016، ليتولى زعامة
الجماعة ابن أخته المهندس المعماري عليهان كوريش.
هناك من يرون أن وفاة الوزير السابق بشكل مفاجئ حولها علامات استفهام كثيرة،
ويدَّعون بأن عليهان كوريش اغتصب زعامة الجماعة. ومن هؤلاء، ابن شقيق عارف أحمد
دنيز أولغون، النائب السابق عن حزب العدالة والتنمية فاتح سليمان دنيز أولغون،
الذي يقول إن الجماعة اتجهت إلى أنشطة غير قانونية بعد تولي ابن خالته، عليهان
كوريش، زعامتها. كما أن هناك مؤشرات تشير إلى تقارب بين جماعة غولن وجماعة
سليمانجيلار بعد تولي كوريش زعامة الجماعة، ومحاولات لإقامة جماعة سليمانجيلار
مكان جماعة غولن وتمكينها من السيطرة على أجهزة الدولة، بعد أن افتضح أمر جماعة
غولن جراء محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها الضباط الموالون لها في صيف 2016.
جماعة سليمانجيلار قامت ببناء مركز "إسلامي" ضخم في مدينة
"كولونيا" الألمانية يقع على مساحة 17 ألف متر مربع، وتقدر تكلفة
المشروع بحوالي 70 مليون يورو. وقال وزير الداخلية التركي مصطفى تشيفتشي، إن
الجماعة تستعد لنقل مقرها الرئيسي إلى ذاك المركز. وتم إنجاز المشروع بدعم الحكومة
والسلطات المحلية الألمانية، وهو ما يثير علامات استفهام حول ارتباط الجماعة
بالمخابرات الألمانية وأجندات برلين. وفي افتتاح المركز، الاثنين الماضي، لوَّح
عشرات من أتباع الجماعة بأيديهم نحو السماء لإرسال تحياتهم إلى زعيمهم المعتقل.
الحقيقة أن الحكومة التركية لا تتدخل في شؤون الجماعات الدينية ما لم تتجاوز تلك الجماعات الخطوط الحمراء لتتوهم بأنها أكبر من الدولة التركية أو دولة داخل دولة، وما لم تقم بأنشطة غير قانونية، سواء كانت تلك الأنشطة مالية أو فعاليات سرية لصالح أجهزة استخبارات أجنبية وأجندات دول أخرى تمس الأمن القومي
الجماعة لديها انحرافات عقدية، وحكى رئيس الشؤون الدينية التركية الأسبق،
مهمت غورماز، في أحد البرامج التلفزيونية ما دار بينه وبين عليهان كوريش حول ما
يعتقد به أفراد جماعته في حقه، وقال إنه سأل كوريش هل هو يملك صلاحيات نبيَّين؟
ولما أجاب الأخير بالنفي، قال له: "ولكن هناك من يدعي في مجلسك بأنك مُنِحتَ صلاحيات
النبي صلى الله عليه وسلم وصلاحيات عيسى عليه السلام، وأنت تسكت عليه". ومع
ذلك، تؤكد الحكومة أن هذه القضية لا تستهدف الجماعة ولا آراءها أو أنشطتها
الدينية، بل تستهدف فقط الأنشطة المالية غير القانونية التي قام بها عدد من رجالها.
جميع الجماعات الدينية في
تركيا لديها شركات وأنشطة مالية عديدة، إضافة إلى
التبرعات الضخمة التي تجمعها من أتباعها، وجميعها على علاقة بالساحة السياسية
والأحزاب المختلفة بشكل أو آخر لتوسيع نفوذها، وهناك مناصب رفيعة يتربع عليها رجال
ينتمون لهذه الجماعة أو تلك. ويعيش زعماء الجماعات الدينية وكبار شخصياتها في
رفاهية قل نظيرها، ويتحكمون في ملايين الدولارات. ويدعو المعارضون العلمانيون إلى
مراقبة جميع الجماعات الدينية بما فيها المؤيدة للحكومة، إلى جانب الجماعات
الدينية المعارضة للحكومة.
الحقيقة أن الحكومة التركية لا تتدخل في شؤون الجماعات الدينية ما لم
تتجاوز تلك الجماعات الخطوط الحمراء لتتوهم بأنها أكبر من الدولة التركية أو دولة
داخل دولة، وما لم تقم بأنشطة غير قانونية، سواء كانت تلك الأنشطة مالية أو
فعاليات سرية لصالح أجهزة استخبارات أجنبية وأجندات دول أخرى تمس الأمن القومي.
ومن المؤكد أن الأنشطة الدينية لا تمنح أحدا حصانة تمنع محاكمته حين يرتكب جريمة.
وهو ما لفت إليه وزير العدل التركي أكين غورليك، مشددا على أن جميع الجماعات التي
تتستر وراء الأنشطة الدينية لارتكاب مخالفات قانونية ستتم محاسبتها.
x.com/ismail_yasa
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.