نشرت صحيفة "الغارديان" قالًا للكاتبة نسرين مالك، تناولت فيه الفوز التاريخي لعبد الرحمن السيد في
الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ في ولاية
ميشيغان، معتبرة أن الانتصار لا يكتسب أهميته من كونه مسلما وابن مهاجرين فحسب، أو من مخالفته تقريبا كل مبدأ من مبادئ سياسات الحزب الديمقراطي المؤسساتية، بل لأنه محا الابتسامة الساخرة المتعجرفة التي كانت ترتسم على وجوه حراس البوابة الوسطيين تجاه انتصارات التقدميين.
وبعد التقليل من أهمية فوز
زهران ممداني باعتباره مجرد انتصار في انتخابات رئاسة بلدية نيويورك، بحجة أن ما يحدث خارج الممرات الحضرية والليبرالية لا يدعو للقلق، جاء فوز السيد بترشيح الحزب الديمقراطي في ولاية متأرجحة، وهي أيضا على قائمة الولايات التي ستجري فيها الانتخابات التمهيدية الرئاسية.
وأوضحت الكاتبة في
مقالها الذي ترجمته "عربي21"، أن الانتصار يحمل دلالات تتجاوز الولايات المتحدة، إذ يمنح أملا للمراقبين في الخارج الذين يتطلعون إلى ظهور يسار ثوري حقاً، قادر على الصمود أمام خصوم أقوياء وممولين جيداً والانتصار عليهم، فقد أنفق خصوم السيد عليه أكثر من تسعة أضعاف ما أنفقه هو، فيما كانت تلك أغلى انتخابات تمهيدية ديمقراطية لعضوية الكونغرس على الإطلاق، بحسب ما ورد.
كما مولت قائمة من الأشرار الكرتونيين، مثل شيفرون وفيليب موريس، منافسته هالي ستيفنز بأكثر من 60 مليون دولار، وجاء نحو نصف هذا التمويل من لجنة عمل سياسي فائقة مدعومة من لجنة الشؤون العامة الأمريكية
الإسرائيلية "إيباك".
ويكتسب فوز السيد، وفق التقرير، أهمية رمزية كبيرة، لأنه يعكس سياسة تكسر قيود سلطة الشركات وجماعات المصالح الخاصة التي تتعارض أجنداتها مع إرادة الناخبين.
كما يشير إلى أمرين؛ أولهما أن الناخب بدأ يدرك أن ديمقراطيته مخطوفة، وثانيهما أن سمات كانت كفيلة في الماضي بإقصاء المرشح، مثل قلة الخبرة وغياب تأييد المؤسسة، باتت تمنح المرشح صفة "نظيف السجل"، أي شخصاً غير ملوث باللعبة القذرة التي تُبقي على الرعاية الصحية الباهظة، والقسوة تجاه المهاجرين، وشفط أموال دافعي الضرائب إلى خارج البلاد.
اظهار أخبار متعلقة
وفي ما يتعلق بدولة
الاحتلال، فقد احتلت القضية مساحة كبيرة في حملة كل من السيد ومنافسته، لكن كلاً منهما تناولها من زاوية مختلفة، فقد تمسك منتقدو السيد بنقاط حديث متكررة حول "حق إسرائيل في الوجود"، وهي مسألة ترى الصحيفة أنها لا علاقة لها بالناخب العادي.
أما السيد، فقدم دولة الاحتلال ببساطة باعتبارها مكاناً حصل على قدر أكبر مما ينبغي من أموال الأمريكيين، قائلا إن "السؤال ثانوي تماماً مقارنة بمسألة ما إذا كان لها الحق في أموال ضرائبنا"، وهو طرح واضح وذو صلة مباشرة بالناخبين.
ومع ذلك، لا يعني فوز السيد حتى الآن أن نجاحاً مماثلاً يمكن ضمان تكراره، ليس فقط خارج الانتخابات التمهيدية وضد الجمهوريين، وإنما على نطاق واسع بين المرشحين التقدميين. فالمؤسسة الديمقراطية كانت عاجزة في مواجهة دونالد ترامب، ويمكن للمرشحين الجدد ذوي الخطاب الناري أن يبدوا وكأن لديهم إجابات لم يمتلكها حزبهم حتى الآن.
وتبقى أمام هؤلاء المرشحين تحديات هائلة، في مقدمتها ما سيواجهونه من الحزب الجمهوري، الذي يمكن أن يتهم مرشحين "مليئين بالهراء"، مثل السيد، بأنهم شيوعيون راديكاليون، كما قال ترامب، وأنهم سيجلبون "الموت والبؤس والفقر" و"حياة من الجحيم"، بحسب ما قال.
وإلى جانب ذلك، يستطيع الجناح الوسطي في الحزب الديمقراطي حشد إمكاناته ضدهم.
وفي هذا الإطار، جمعت مجموعة وسطية بارزة تُدعى "ثِرد واي" بالفعل ملايين الدولارات لتشويه سمعة الاشتراكيين الديمقراطيين، من خلال الاستثمار في وسائل التواصل الاجتماعي وحشد الناشطين ضد مرشحين مثل السيد. وقال زعيم المجموعة: "نحن نستعد للحرب القادمة".
ويتمثل قلقهم في أن يمتد الزخم وراء الاشتراكيين الديمقراطيين إلى حد الوصول إلى الترشيح الرئاسي، ومن ثم إنتاج مرشح سيسحقه الجمهوريون، رغم أن ذلك، بالطبع، لم يحدث من قبل لمرشح ديمقراطي رئاسي وسطي خاض الانتخابات ضد ترامب.
اظهار أخبار متعلقة
وقد يكون تصوير المرشحين التقدميين على أنهم متطرفون فعالا إلى حد بعيد في بلد يعتقد فيه الناس أن ترامب أكثر اعتدالاً من كامالا هاريس أو هيلاري كلينتون.
وعلى المستوى الوطني، يستطيع اليسار تحمل قدر أقل بكثير في المخيال السياسي مقارنة باليمين، لأن الوعد بالتغيير نفسه، الذي يمنح المرشحين التقدميين أفضلية في بعض المنافسات، يسهل تأطيره باعتباره سباقا نحو المجهول.
ويصبح هذا التهديد أكثر صدى عندما لا يمتلك المرشحون التقدميون عمقاً واتساعاً في سجل حزبي طويل يدعمهم، أو الألفة التي تأتي مع الحضور المتكرر على الساحة السياسية.
اظهار أخبار متعلقة
ولفتت الصحيفة إلى أن الأمر لا يجب أن يكون على هذا النحو، إذ يقدم سياسيون مثل ممداني والسيد نموذجا لشيء فريد حقا، فهم يمثلون أمريكا جديدة، تندمج فيها سياسات الغرباء وخصائصهم الثقافية والأيديولوجية بقوة مع خصائص بلدانهم التي تبنوها، وفي مواجهة تلك الخصائص أيضا، وقد اختار هؤلاء السياسيون ألا يذوبوا في اندماج كامل وذليل من أجل الصعود، كما أنهم لم ينسحبوا من المنافسات على بلد أعلنوا أن لهم فيه نصيباً.