نشرت صحيفة "
فايننشال تايمز" البريطانية الاثنين، تقريرا تناولت فيه العلاقة بين
الإمارات والولايات المتحدة.
وشرح التقرير كيف نجحت الإمارات خلال نحو عقدين في الانتقال من دولة كانت تواجه شكوكاً أمنية وسياسية في واشنطن، إلى واحدة من أهم حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
وربط التقرير نقطة التحول بأزمة محاولة شركة موانئ دبي العالمية الاستحواذ على إدارة ستة موانئ أمريكية عام 2006، والتي أثارت اعتراضاً واسعاً في الكونغرس بسبب المخاوف الأمنية المرتبطة بالإمارات.
وبعد الأزمة، قرر رئيس الدولة الشيخ
محمد بن زايد إعادة صياغة صورة بلاده في واشنطن، عبر مزيج من الدبلوماسية والعلاقات العامة والاستثمارات.
وبرز التقرير الدور المحوري للسفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة، الذي تولى منذ عام 2008 مهمة تقديم صورة مختلفة عن الإمارات للنخب السياسية الأمريكية، مستفيداً من شبكة واسعة من العلاقات مع أعضاء الكونغرس ومراكز الأبحاث والإعلام والجامعات.
كما أنفقت أبوظبي أكثر من 270 مليون دولار في واشنطن خلال العقد الماضي على أنشطة الضغط والعلاقات السياسية، إلى جانب تمويل مراكز أبحاث وتنظيم فعاليات واستضافة شخصيات سياسية.
وكان التطور الأبرز في مسار التقارب الإماراتي-الأمريكي توقيع اتفاقات أبراهام عام 2020 وتطبيع العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يرى التقرير أنه منح أبوظبي مدخلاً قوياً إلى دوائر النفوذ في إدارة ترامب.
بالتوازي، انتقلت العلاقة من التعاون الأمني والعسكري إلى شراكة اقتصادية وتكنولوجية عميقة، خصوصاً في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات ومراكز البيانات، عبر صناديق إماراتية مثل مبادلة وMGX واستثمارات وشراكات مع شركات تكنولوجية أمريكية كبرى.
لكن التقرير يسلط الضوء أيضاً على الوجه الآخر للعلاقة، خصوصاً الجدل الأمريكي حول الاستثمارات الإماراتية في أعمال مرتبطة بعائلة الرئيس دونالد ترامب، وحصول الإمارات لاحقاً على إمكانية الوصول إلى رقائق أمريكية متقدمة.
وفي ظل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، يقول التقرير إن الإمارات لم تتمكن رغم نفوذها من منع اندلاع الحرب على حدودها، بل تعرضت لهجمات إيرانية، وهو ما دفعها، وفق التقرير، إلى تعميق ارتباطها بواشنطن والاحتلال الإسرائيلي بدلاً من التراجع.
وتاليا الترجمة الكاملة للتقرير:
كيف كسبت الإمارات ودّ واشنطن؟
قبل عشرين عاماً، كانت الإمارات العربية المتحدة في قلب عاصفة سياسية في واشنطن.
فقد أثارت محاولة الدولة الخليجية الغنية بالنفط شراء ستة موانئ بحرية أمريكية رئيسية، عبر شركة الخدمات اللوجستية «موانئ دبي العالمية» المملوكة لدبي، غضباً واسعاً بين المشرعين الأمريكيين.
وكان اثنان من منفذي هجمات 11 سبتمبر/أيلول قد جاءا من الإمارات قبل خمس سنوات فقط. وحذر أعضاء في الكونغرس من أن السماح للإمارات بإدارة موانئ استراتيجية يشكل تهديداً خطيراً للأمن الأمريكي، متهمين الدولة بأنها مركز لتمويل تنظيم القاعدة و«مشكلة مستمرة في مجال مكافحة الإرهاب».
اظهار أخبار متعلقة
ولم يكن لكون الإمارات الدولة العربية الوحيدة التي أرسلت قوات لدعم الولايات المتحدة في الحرب بأفغانستان، أو لكون إدارة الرئيس جورج بوش قد أيدت صفقة الموانئ، أن يغير الكثير. فقد أجبرت الضجة السياسية شركة «موانئ دبي العالمية» على الانسحاب من الصفقة.
لكن الأزمة شكلت أيضاً نقطة تحول في مسار الإمارات وعلاقتها بالولايات المتحدة. ففي أبوظبي، دعا الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الذي كان آنذاك ولي العهد القوي والمعروف بالأحرف الأولى من اسمه «MBZ»، مستشاريه إلى اجتماع طارئ.
وقال محمد بن زايد لمستشاريه إن «الأزمة» كشفت أن معظم الأمريكيين لديهم فهم أساسي خاطئ للإمارات، وإن الوقت حان لتصحيح ذلك.
وقد فعلوا ذلك بالفعل.
بعد عقدين، أصبح محمد بن زايد رئيساً للإمارات، فيما باتت الدولة الخليجية تُنظر إليها من جانب السياسيين والقادة العسكريين الأمريكيين باعتبارها واحدة من أكثر حلفاء واشنطن كفاءة في الشرق الأوسط، حتى إنها حصلت على لقب إعجاب هو «سبارتا الصغيرة».
وفي 28 تموز/ يوليو، أعلن الجيش الأمريكي أنه يعمل مع الإمارات على تسريع تطوير «الذكاء الاصطناعي العسكري».
وخارج المجال العسكري، عملت أبوظبي بنشاط على توظيف 1.7 تريليون دولار تديرها صناديق ثروتها السيادية وشركات مدعومة من الدولة للاستثمار بكثافة في الولايات المتحدة، وكذلك في أعمال عائلة الرئيس دونالد ترامب.
ولم يعد الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون يشعر بالقلق نفسه من الاستثمارات الإماراتية في المجالات الحساسة للأمن القومي الأمريكي.
فقد منح ترامب الإماراتيين مؤخراً إمكانية الوصول إلى بعض أكثر رقائق الحاسوب الأمريكية تقدماً، وذلك بعد أشهر فقط من استثمار أحد أفراد الأسرة الحاكمة الإماراتية 500 مليون دولار في شركة العملات المشفرة التابعة لعائلة ترامب.
أما محمد بن زايد، الذي قرر إجراء إعادة ضبط استراتيجية للعلاقة، فقال عنه ترامب في حزيران/ يونيو: «سموه محارب»، مضيفاً أن الإمارات «دولة رائعة».
إن كيفية نجاح الإمارات، وهي ملكية مطلقة، في كسب ود واشنطن باتت تُنظر إليها من جانب الأصدقاء والخصوم على حد سواء باعتبارها نموذجاً مثالياً لكيفية إدارة حملة علاقات عامة حكومية في العاصمة الأمريكية.
لكن الطريق لم يكن سهلاً دائماً.
فقد أثارت الولايات المتحدة غضب الإمارات بسبب موقفها الضمني المؤيد لانتفاضات الربيع العربي عام 2011، والتي هددت الوضع القائم في الشرق الأوسط، وكذلك بسبب قرارها توقيع الاتفاق النووي مع إيران عام 2015.
ومؤخراً، اختبرت حرب ترامب مع إيران حدود نفوذ محمد بن زايد، بعدما أصبحت الإمارات الهدف الرئيسي للرد الإيراني. وأثارت دفعات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية تساؤلات بشأن صورة الإمارات كدولة مستقرة، وكذلك بشأن قابلية طموحها للتحول إلى مركز عالمي للتكنولوجيا للاستمرار.
ويدرك الإماراتيون، بحسب باربرا ليف، التي كانت سفيرة الولايات المتحدة لدى أبوظبي بين عامي 2014 و2018 ثم أصبحت أكبر دبلوماسي أمريكي لشؤون الشرق الأوسط، أنهم «يمتلكون النفوذ والوصول والتأثير».
لكنها تقول: «عندما يتعلق الأمر بالأمر فعلياً، لم يكن لهم رأي في حرب بدأت على عتبتهم، وتلقوا الجزء الأكبر من الهجمات».
ومع ذلك، عزز هذا، بحسب التقرير، الاعتقاد في أبوظبي بضرورة تعميق العلاقة.
فقد راهنت الإمارات استراتيجياً على شراكتها مع الولايات المتحدة وعلى علاقات أوثق مع الاحتلال الإسرائيلي. ويقول مسؤولون إنها لا تعتزم الاستمرار في هذا المسار فحسب، بل تريد أيضاً تعزيز العلاقة.
وعندما استضاف ترامب حفلة عيد ميلاده الثمانين على عشب البيت الأبيض هذا الصيف، كان هناك سفيران فقط حضرا عرض «القتال النهائي»: السفير البريطاني السير كريستيان تيرنر والسفير الإماراتي يوسف العتيبة.
اظهار أخبار متعلقة
وكان العتيبة، المستشار السابق لمحمد بن زايد، والذي تلقى تعليمه في جامعة جورجتاون في واشنطن، قد أُرسل إلى العاصمة الأمريكية عام 2008 ليقدم للأمريكيين صورة مختلفة عن الإمارات التي كانوا يعتقدون أنهم يعرفونها.
وبمساعدة جيش صغير من جماعات الضغط رفيعة المستوى، نجح في ذلك.
وكان المال إحدى الأدوات الرئيسية.
فقد أنفقت الإمارات أكثر من 270 مليون دولار في واشنطن خلال السنوات العشر الماضية وحدها، وفقاً لمنظمة «أوبن سيكريتس» التي تتتبع الأموال في السياسة الأمريكية.
ومع جارتيها الخليجيتين السعودية، التي أنفقت 422 مليون دولار، وقطر، التي أنفقت 269 مليون دولار، جاءت الإمارات بين أكبر عشرة منفقين في العالم.
كما ضخت الإمارات أموالاً في عدد من أبرز مراكز الأبحاث في واشنطن، من بينها المجلس الأطلسي ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية و«راند»، واستضافت عشرات المؤتمرات والفعاليات الدولية، بل وأطلقت، حتى قبل وصول العتيبة، مجلساً ثنائياً للأعمال بين الولايات المتحدة والإمارات.
لكن مسؤولين يقولون إن العتيبة نفسه كان العامل الأكثر تأثيراً، بفضل قدرته على التحرك داخل السياسة الأمريكية.
ويقول مسؤول سابق رفيع المستوى في وزارة الخارجية الأمريكية إن «العتيبة كان بلا كلل في استضافة الشخصيات والتودد إليها، ونجح في صناعة مؤيدين للإمارات داخل الحزبين» الأمريكيين.
ويضيف المسؤول: «من المثير للدهشة عدد المسؤولين السابقين وموظفي الكونغرس الذين وضعوا أسماءهم على مقالات رأي تشيد بالعلاقة التي يُفترض أنها متبادلة المنفعة بين الولايات المتحدة والإمارات».
لم يقم محمد بن زايد سوى بزيارة رسمية واحدة إلى واشنطن، عام 2024، للقاء الرئيس آنذاك جو بايدن.
لكن مسؤولين يقولون إن العتيبة قاد عملية إعادة تشكيل استراتيجية لصورة الإمارات في الولايات المتحدة بدرجة من التطور تحاول دول خليجية أخرى، بينها السعودية، محاكاتها.
وفي الوقت الذي أدت فيه جريمة قتل صحفي بارز عام 2018 على يد عملاء سعوديين إلى تراجع مكانة الرياض الدبلوماسية لعدة سنوات، كان العتيبة يعمل على تقديم الإمارات باعتبارها نموذجاً نسبياً للحداثة والفرص؛ موطناً لدبي المعتدلة والصديقة للأعمال، وواحة تبدو ليبرالية في منطقة إسلامية محافظة.
وشجع العتيبة صانعي السياسات الأمريكيين على زيارة الإمارات، وقاد جهود السفارة للتواصل مع الكونغرس ومراكز الأبحاث والجامعات والمدارس ووسائل الإعلام، واستضاف حفلات للنخب في واشنطن.
وخلال حملة ترامب الانتخابية الأولى، أقام العتيبة أيضاً علاقة وثيقة مع جاريد كوشنر، صهر الرئيس الذي أصبح لاحقاً أحد أكثر مستشاريه نفوذاً في شؤون الشرق الأوسط.
لكن أكبر نجاح للإمارات والعتيبة حتى الآن كان قرار الدولة عام 2020 أن تصبح الطرف الرئيسي الموقع على اتفاقات أبراهام التي رعتها إدارة ترامب، وتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، في خطوة أبهرت المؤسسة السياسية الأمريكية وأحدثت تحولاً كبيراً في النظرة الأمريكية إلى الإمارات.
ويقول المسؤول السابق في وزارة الخارجية: «كان بإمكانهم قراءة المؤشرات ومعرفة ما يهم الولايات المتحدة، وكانوا يعلمون أن إسرائيل تمثل وسيلة للدخول إلى دائرة ترامب».
ويضيف أن «العلاقات الأقرب مع إسرائيل كانت بمثابة باب خلفي ضخم لتجاوز الانتقادات التي كانوا يواجهونها».
وبالنسبة لمحمد بن زايد، فإن تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة يحقق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية، وفقاً لأشخاص مقربين من الأسرة الحاكمة: تنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد على عائدات النفط، والتحول إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي، ورسم مسار لا يجعل الإمارات تحت ظل القوة الإقليمية السعودية.
وتقول ليف، السفيرة السابقة لدى الإمارات، إن الإماراتيين «نظروا منذ فترة طويلة إلى إسرائيل وسنغافورة باعتبارهما نموذجين: دول صغيرة، ذات أعداد سكانية صغيرة، لكنها تمتلك تأثيراً عالمياً سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً وعسكرياً وغير ذلك».
وبعد عشرين عاماً من فشل الإمارات في الاستحواذ على موانئ أمريكية رئيسية، تمكنت تدريجياً من الاستحواذ على حصص في صناعة أكثر قيمة بكثير.
ويقول مسؤول كبير سابق في إدارة بايدن عمل عن قرب مع الإمارات: «من المخيف حجم ارتباط صناعة الذكاء الاصطناعي لدينا بالأموال الإماراتية».
فقد أطلقت أدوات استثمارية مدعومة من الدولة، مثل صندوق الثروة السيادي في أبوظبي «مبادلة» و«MGX»، الذي يرأسه مستشار الأمن القومي الإماراتي وشقيق الرئيس الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، شراكات واسعة مع شركات تكنولوجيا مثل «أوبن إيه آي» و«إكس إيه آي».
كما حصلت هذه الأدوات الاستثمارية على حصة مسيطرة في شركة تصنيع الرقائق «غلوبال فاوندريز»، واستثمارات أقلية كبيرة في شركة تصنيع الرقائق «سيريبراس سيستمز» وشركة تطوير مراكز البيانات «Aligned Data Centers».
وفي أيلول/ سبتمبر الماضي، أبرمت «MGX» اتفاقاً مع الحكومة الأمريكية للحصول على حصة تبلغ 15 بالمئة في «تيك توك الولايات المتحدة».
ويقول مسؤول إماراتي إن هذه الاستثمارات ساعدت في تحويل العلاقة الأمريكية-الإماراتية من علاقة كان معيارها في مرحلة ما بعد هجمات 11 سبتمبر التعاون في مواجهة «الأشرار معاً»، إلى علاقة تقوم على التعاون الاقتصادي.
ويضيف: «في عالم ما بعد إيران، ستكون العلاقة الاثنين معاً»، واصفاً إياها بأنها علاقة «هجينة».
ويقول المسؤول إن الأمر في صناعة الدفاع الأمريكية لا يتعلق فقط بـ«ما نشتريه، بل بما نبنيه. ومراكز البيانات التي نبنيها... نحن نستثمر مع مايكروسوفت وإنفيديا وبلاك روك وأوبن إيه آي».
ويقارن طارق العتيبة، الأخ غير الشقيق للسفير الإماراتي والمسؤول الإماراتي السابق، استراتيجية الإمارات الاستثمارية باستراتيجية «سيارة صغيرة تقفز إلى سباق توجد فيه الكثير من السيارات الأكبر التي تتقدم عليها».
ويقول: «في الأيام الأولى كان الأمر ببساطة: سنلقي بالكثير من الأموال على الأشياء التي تبدو جيدة».
لكن مع اكتساب الإماراتيين فهماً أكبر لوادي السيليكون، أصبحوا «مستثمرين أكثر تطوراً، ويعرفون أين توجد الصفقات المناسبة وأين توجد التكنولوجيا الواعدة»، وفقاً له.
وقال جاكوب هيلبرغ، المسؤول الأعلى في إدارة ترامب عن الدبلوماسية الاقتصادية، هذا العام إن الاستثمارات الإماراتية في شركات الرقائق الأمريكية جعلت الإمارات ممولاً رئيسياً لصناعة التكنولوجيا.
وقال لأعضاء الكونغرس: «لقد استثمروا في غلوبال فاوندريز. وأعادوا سيريبراس تقريباً من حافة الموت، وسيريبراس اليوم جوهرة تاج التكنولوجيا الأمريكية».
لكن أبوظبي حققت إنجازاً جديداً عندما قررت وزارة التجارة الأمريكية السماح ببيع الرقائق المتقدمة للإمارات وإلغاء القيود المرتبطة بتصديرها.
اظهار أخبار متعلقة
ووصف السفير العتيبة صفقة الرقائق بأنها «محطة مهمة» بنيت على «تواصل مستمر».
لكن الديمقراطيين رأوا فيها شيئاً مختلفاً.
ووصفَتها عضوة الكونغرس عن ولاية أريزونا ياسمين أنصاري بأنها «ربما واحدة من أكبر وأوضح مخططات الفساد في تاريخ الولايات المتحدة».
وجاء الغضب على خلفية شراء «MGX»، التابعة للشيخ طحنون، حصة تبلغ 49 بالمئة في شركة العملات المشفرة التابعة لعائلة ترامب «World Liberty Financial»، وذلك قبل وقت قصير من تنصيب ترامب العام الماضي.
وفي وقت لاحق، اشترت «MGX» ما قيمته مليارا دولار من العملة المستقرة التابعة لشركة «World Liberty» للاستثمار في منصة تداول العملات المشفرة «بينانس».
ويقول السيناتور الديمقراطي كريس فان هولن، الذي كرر مساءلة مسؤولي الإدارة بشأن الصفقة، إن ذلك كان «اتفاقاً منح عملياً شركة World Liberty مبلغ ملياري دولار نقداً».
كما اشترى صندوق مقره الإمارات ويحمل اسم «Aqua 1 Foundation» ما قيمته 100 مليون دولار من الرموز الرقمية التي أصدرتها «World Liberty».
ويقول الإماراتيون إن هذه الاستثمارات كانت قرارات تجارية خاصة، ولا علاقة لها بالطموحات السياسية الإماراتية أو بصفقة الرقائق الأمريكية-الإماراتية التي جاءت لاحقاً.
وقال متحدث باسم «World Liberty» إن عملتها المستقرة لم تكن سوى وسيلة دفع لاستثمار «MGX»، وإن وصفها بأنها «منحة نقدية» سيكون «غير صحيح على الإطلاق».
وحذر مسؤولون أمريكيون للأمن القومي وأعضاء في الكونغرس لسنوات من أن السماح للإمارات بالوصول إلى الرقائق المتقدمة سيجعل التكنولوجيا الأمريكية الأكثر حساسية عرضة لخطر وصولها إلى أكبر منافس عالمي للولايات المتحدة، وهو الصين، التي تربطها بالإمارات علاقات تجارية وتكنولوجية وثيقة.
وتقول إدارة ترامب والإمارات إنهما اتخذتا إجراءات لحماية التكنولوجيا.
لكن بعض المسؤولين السابقين وأعضاء الكونغرس لا يزالون متشككين.
ويقول المسؤول السابق في وزارة الخارجية: «لقد صاغت الإمارات علاقة مع الولايات المتحدة تصب بشكل كبير في مصلحة الإمارات، لكنها تضر كثيراً بالسياسة الخارجية الأمريكية والمصالح الوطنية الأمريكية».
ويضيف: «إذا تعمقت في الأمر فعلياً، فإن كل الحديث عن فوائد العلاقة بين الولايات المتحدة والإمارات بالنسبة لأمريكا ليس سوى شيء غامض، وبخار لا يمكن الإمساك به».
كما أفادت الدبلوماسية والاستثمارات الإماراتية في جوانب أكثر دقة.
فقد تجنبت الإمارات منذ فترة طويلة عواقب السلوك الذي ينظر إليه السياسيون الأمريكيون بقدر أقل من التسامح عندما يصدر عن دول أخرى؛ مثل إجراء تدريبات عسكرية مشتركة مع الصين، على سبيل المثال، أو اتهامها بتزويد قوات الدعم السريع في السودان، وهي ميليشيا متهمة بارتكاب جرائم حرب، بأسلحة تقول عضوة الكونغرس الديمقراطية سارة جاكوبس إنها «تمكّن حرفياً من ارتكاب إبادة جماعية».
وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد قال العام الماضي إن الإمارات «تدعم علناً كياناً يرتكب إبادة جماعية» في السودان، وهي تهمة تنفيها الإمارات.
لكن المشرعين الأمريكيين صوتوا باستمرار ضد محاولات في الكونغرس لمنع صفقات بيع الأسلحة إلى الإمارات، مستندين إلى كونها حليفاً استراتيجياً.
كما نجت الإمارات من توبيخ جدي بسبب دورها كمركز لتمويل إيراني غير مشروع.
اظهار أخبار متعلقة
وكان هذا الدور مهماً إلى درجة أن الرئيس الإيراني كان يعتمد عليه في بقاء نظامه قبل اندلاع الحرب، حتى إن ترامب قال هذا العام إن الإمارات كانت «مثل مصرف لإيران».
وأظهر تحليل أجرته «فايننشال تايمز» للعقوبات الأمريكية المرتبطة بإيران أن الإمارات كانت ثاني أكثر دولة يرد اسمها في هذه العقوبات بعد الصين.
ورغم الموقف التقليدي المتشدد لأبوظبي تجاه طهران، فإن 22 بالمئة من أصل 1573 كياناً وشخصاً خاضعين للعقوبات ولهم صلات بدولة خارج إيران، يحملون جنسية إماراتية أو لديهم عناوين أو تسجيلات لشركات في الإمارات.
ويقول فان هولن: «الإمارات تتمتع بنفوذ كبير هنا في واشنطن، بل بنفوذ أكبر مما ينبغي. ولذلك أفلتت من أمور لم يكن بإمكان دول أخرى الإفلات منها».
ورغم كل نفوذها، لم تتمكن الإمارات من منع الولايات المتحدة وإسرائيل من شن الحرب على إيران هذا العام.
لكن منذ اندلاع الحرب، اتخذت الدولة الخليجية قراراً مؤثراً بتعميق علاقاتها مع واشنطن وإسرائيل، بل شنت عشرات الغارات الجوية الخاصة بها على إيران.
ويقول مسؤولون إماراتيون إن التدفق الموثوق للأسلحة والدعم الأمريكي خلال الحرب، باستثناء اختناقات سلاسل الإمداد، يمثل دليلاً على تنامي قيمة الإمارات في هذه العلاقة.
ويقول مسؤول إماراتي: «أعتقد أن أداءنا في الحرب، وتعاوننا وتنسيقنا مع الولايات المتحدة، قد رفع مكانتنا فعلاً أو ميزنا عن غيرنا. لقد أظهر أننا أكفاء ونعرف ما نفعله».
كما اقتربت الإمارات أكثر من إسرائيل، وفي أيار/ مايو انسحبت من منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك»، في خطوة زادت من رضا ترامب عنها، إذ لطالما كان الرئيس الأمريكي يكره تأثير «أوبك» في أسعار النفط.
ويضيف المسؤول أن السعودية لم تعد «الغوريلا التي تزن 800 رطل» في الغرفة كما كانت عندما زار ترامب الخليج العام الماضي.
لكن بعض الخبراء يتوقعون أن التركيز على الروابط مع الولايات المتحدة وإسرائيل، على حساب التحالفات الإقليمية العربية، قد يرتد سلباً على الإمارات.
ويقول أندرو ليبر، خبير شؤون الشرق الأوسط في جامعة تولين، إن الإمارات «تخاطر بالتخلي عن استقلاليتها الاستراتيجية لصالح هاتين الدولتين».
كما يعتقد بعض الديمقراطيين أن «يوم الحساب» بالنسبة للإمارات قادم، في حال استعاد الحزب السيطرة على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/ نوفمبر، وهو ما قد يمهد الطريق أمام تحقيقات في الكونغرس.
وتقول جاكوبس، العضوة الديمقراطية في الكونغرس، إن الولايات المتحدة يجب أن «تظهر أنها تعامل شركاءها وحلفاءها بالمعايير نفسها التي تعامل بها الجميع».
وتضيف أن الإمارات «شريك مهم للولايات المتحدة في المنطقة»، لكنها تقول: «ما زلنا بحاجة إلى أن نكون صادقين بشأن كيفية تقويض أفعالها لأولويات الولايات المتحدة بشكل مباشر، وتسببها في أضرار».