قال الباحث والكاتب الكندي جوزيف بوشارد إن الشرخ الناجم عن الانقسام يتعاظم في أرجاء أمريكا اللاتينية، في وقت تُظهر فيه استطلاعات الرأي المتتالية تحول الرأي العام في المنطقة ضد دولة
الاحتلال، التي يعتبر كبار الباحثين ومنظمات
حقوق الإنسان أن هجومها المستمر منذ ثلاث سنوات على
غزة إبادة جماعية.
وأوضح الكاتب في مقال نشرته صحيفة "ميدل إيست آي" أن موجة الحكومات اليمينية الجديدة في السلفادور والأرجنتين وتشيلي والإكوادور وبيرو وبوليفيا وهندوراس وكوستاريكا وكولومبيا دفعت الاتجاه في المسار المعاكس، عبر تعميق الروابط الأمنية والدبلوماسية والتكنولوجية للمنطقة مع دولة الاحتلال، في وقت تحرم فيه الفلسطينيين من أبسط حقوقهم في تقرير المصير.
ويبرز المثال الأوضح على هذا التحول في كولومبيا، حيث خسر غوستافو بيترو، المقاتل السابق في صفوف الفصائل المسلحة والرئيس اليساري المنتهية ولايته، منصبه الشهر الماضي لصالح أبيلاردو دي لا إسبرييلا، وهو محام دافع عن الجماعات شبه العسكرية وله صلات بالديكتاتوريات العسكرية والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وكان بيترو قد ألقى كلمة في تجمع مؤيد لفلسطين في نيويورك العام الماضي، قبل أن تلغي واشنطن تأشيرته.
واتهم بيترو شركة الاستخبارات الإلكترونية
الإسرائيلية "بلاك كور" بنشر نصف مليون حساب وهمي لإغراق الناخبين الكولومبيين بمعلومات مضللة قبل جولة الإعادة في يونيو/حزيران، التي فاز فيها دي لا إسبرييلا بفارق أقل من نقطة مئوية واحدة.
ولم ينتظر رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حسم النزاع قبل الاحتفال بالنتيجة عبر الإنترنت، إذ هنأ الرئيس المنتخب وأعلن أن "أصدقاء إسرائيل يواصلون الفوز"، في منطقة يقطنها نحو 700 ألف فلسطيني و500 ألف يهودي.
ومن جانبه، أشار دي لا إسبرييلا بالفعل إلى أنه سيعلق خطط إنشاء سفارة كولومبيا لدى فلسطين، كما تعهد باستعادة العلاقات مع دولة الاحتلال، بما في ذلك نقل البعثة الدبلوماسية الكولومبية إلى القدس.
ومن شأن ذلك أن يحرم بوغوتا من دورها كأحد الأصوات الأكثر قوة وتأثيراً في دعم دعوى الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.
ولا تبدو كولومبيا حالة منفردة في هذا المسار، إذ أصبحت أحدث قطعة دومينو تسقط. فقد أعادت بوليفيا، التي كانت أول دولة في أمريكا اللاتينية تقطع علاقاتها مع دولة الاحتلال بعد هجمات 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، العلاقات الدبلوماسية الكاملة في كانون الأول/ ديسمبر في عهد الرئيس الجديد رودريغو باز، المنتمي إلى يمين الوسط. وكان نتنياهو قد أبرم هذا التقارب شخصياً عبر الهاتف بعد فترة وجيزة من انتخاب باز.
دمية واشنطن في كاراكاس
وفي فنزويلا، استضافت الحكومة التي تصف نفسها بالاشتراكية، تحت ضغط أمريكي مستمر وعملها فعليا كنظام استعماري مدعوم من الولايات المتحدة، وفوداً من
الكونغرس الأمريكي، مع إبقاء القنوات الإنسانية والدبلوماسية الإسرائيلية مفتوحة.
اظهار أخبار متعلقة
كما أعلنت مؤخرا خططا للانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، فيما أصبحت كاراكاس دمية فعلية لمصالح واشنطن في المنطقة، وهي تميل أكثر فأكثر نحو اليمين.
أما كوبا، التي دمرتها عقود من الخنق الأمريكي وتتبنى الآن إصلاحات اقتصادية تروج لها الولايات المتحدة وتقابلها بمزيد من العقوبات، فقد لا تكون بعيدة عن هذا المسار.
ويرتبط هذا التحول بإرث أقدم من أحداث غزة، إذ كان الموساد يعمل في السابق من هافانا، حيث ساعد وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في تعقب اليساريين والعملاء السوفييت في أنحاء المنطقة خلال الحرب الباردة، بما يشكل جزءاً من تاريخ تورط دولة الاحتلال في أمريكا اللاتينية.
وتستند هذه التطورات أيضا إلى علاقة أمنية وثيقة يُغيَّب عنها الناخبون في أميركا اللاتينية تماماً ودون أي حق في التعبير عن رأيهم، فقد استُخدم برنامج "بيغاسوس"، وهو برنامج تجسس إسرائيلي متطفل يُباع للحكومات في أنحاء المنطقة، مراراً لاستهداف الصحفيين والشخصيات المعارضة، بدلاً من الإرهابيين والمجرمين.
وفي البرازيل، تستخدم الشرطة، التي تُعد من بين أكثر قوات الشرطة فتكاً في المنطقة، عددا هائلا من الأسلحة الإسرائيلية في الأحياء الفقيرة، بينما يؤدي عنف الشرطة في أنحاء البلاد إلى مقتل الآلاف سنوياً. وخلال السنوات الأخيرة، عمل عملاء المخابرات الإسرائيلية جنباً إلى جنب مع السلطات البرازيلية للتحقيق في وجود مزعوم لحزب الله في البلاد.
ولم يقتصر التوتر على التعاون الأمني، بل امتد أيضاً إلى السياح الإسرائيليين في المنطقة، الذين أصبحوا بؤرة توتر بحد ذاتهم. فقد ألقى المسؤولون الأرجنتينيون باللوم عليهم في حرائق الغابات التي اندلعت في باتاغونيا، كما احتجزتهم الشرطة البرازيلية عقب أعمال عنف ضد متظاهرين مؤيدين لفلسطين، في حين جرى استقطابهم في معارض سياحية في ساو باولو روّجت للأراضي الفلسطينية المحتلة على أنها وجهات إسرائيلية.
اختبار حاسم قادم
ومن المنتظر أن يمثل الاستحقاق الانتخابي في البرازيل اختبارا واضحا لهذا الاتجاه، مع الانتخابات المقررة في تشرين الأول/ أكتوبر، حيث أطلق فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس المدان السابق، حملته ضد الرئيس الحالي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، بفيديو تأييد من نتنياهو ودعم ناري من الزعيم الأرجنتيني خافيير ميلي، الذي وصف نفسه بأنه "مهووس بإسرائيل" ويخطط لنقل سفارة الأرجنتين إلى القدس.
وفي خضم السباق، يتنافس كل مرشح يميني على أن يكون الأكثر تأييداً لدولة الاحتلال والأكثر عداءً لـ"الإرهابيين" مقارنة بمنافسيه.
وفي المقابل، يظل لولا، الرئيس الحالي، أحد آخر رؤساء الدول الكبار في أميركا اللاتينية المستعدين لوصف حملة دولة الاحتلال في غزة بأنها إبادة جماعية، بل إنه قارنها بالمحرقة، الأمر الذي أثار غضباً علنياً في بعض الأوساط.
وتواجه البرازيل والمكسيك، التي تحكمها حالياً الرئيسة اليسارية ذات الأصول اليهودية كلوديا شاينباوم، ضغوطاً متزايدة من واشنطن بسبب موقفهما، بما في ذلك حرب اقتصادية وتهديدات بشن ضربات وفرض عقوبات وتصنيف المنظمات الإرهابية، مما يفتح الباب أمام إمكانية تنفيذ عمليات توغل.
ومن المفارقات أن نجيب أبو كيلة، الديكتاتور المفضل لدى حركة "ماغا" في السلفادور، هو نفسه من أصل فلسطيني، لكنه مع ذلك بنى دولته الأمنية القمعية جزئياً على الأسلحة ومعدات المراقبة الإسرائيلية، التي تعمل الآن على تسريع وتيرة القمع في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية.
ولا يختلف الوضع كثيراً في هندوراس، حيث إن الرئيس الجديد نصري عصفورة، الذي تم دفعه إلى السلطة بتدخل من ترامب، هو أيضاً حليف عميق لدولة الاحتلال، رغم أنه من أصل فلسطيني، وقد زار دولة الاحتلال والتقى بنتنياهو.
اظهار أخبار متعلقة
وكشفت تسجيلات صوتية مسربة أُطلق عليها اسم "هندوراس غيت" عن محادثة بين الرئيس السابق خوان أورلاندو هيرنانديز وعصفورة وميلي، يناقشون خلالها خططاً لاستخدام هندوراس كقاعدة انطلاق لاستهداف الحكومات اليسارية في أنحاء المنطقة. وهي مؤامرة يُزعم أنها تضمنت مساعدة من نتنياهو في تأمين عفو من ترامب لهيرنانديز بعد إدانته بتهمة تهريب المخدرات.
دولة الاحتلال توسع نفوذها رغم تراجع التأييد الشعبي
وساعدت هذه الحكومات اليمينية الجديدة، التي تتسم في الغالب بطابع شعبوي، على توسيع نطاق نفوذ دولة الاحتلال من خلال شركات المراقبة وصفقات الأسلحة وحملات التضليل، على الرغم من تزايد حذر سكان المنطقة تجاه دولة الاحتلال.
وأصبحت هذه القضية جبهة أخرى للانقسامات بين النخبة والمواطنين في المنطقة، وقد تساعد الانتخابات البرازيلية المقبلة في سد هذا الصدع أو تعميقه.