عاد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية
المغربي عبد الإله
بنكيران إلى واجهة النقاش السياسي في البلاد، بعد
الجدل الذي
أثاره استخدامه كلمة "قندوح" خلال كلمة ألقاها بمدينة الصويرة، قبل أن
يعلن لاحقًا سحبها والاعتذار عنها، في خطوة أعادت تسليط الضوء على أسلوبه الخطابي
القائم على استخدام العبارات الشعبية والاستعارات الرمزية في مواجهة خصومه
السياسيين.
وقال بنكيران في بيان وقّعه باسمه بتاريخ 9
تموز/يوليو 2026: "أنا الموقع أسفله عبد الإله ابن كيران، وإذ أتمسك بكل ما
قلته في كلمتي بمدينة الصويرة إلا كلمة قندوح فإنني أسحبها وأعتذر عنها"، في
إشارة إلى تمسكه بمضامين خطابه السياسي مع التراجع عن اللفظ الذي أثار انتقادات
واسعة.
ورغم الاعتذار، فإن الواقعة أعادت إلى
الواجهة أحد أبرز ملامح شخصية بنكيران السياسية؛ أي اعتماده على
قاموس لغوي خاص
تحول خلال السنوات الماضية إلى جزء من المشهد السياسي المغربي، حيث لم تعد بعض
تعبيراته مجرد كلمات عابرة، بل أصبحت مفاهيم رمزية مرتبطة بطريقة إدارته للصراع
السياسي والتواصل مع قواعده الانتخابية.
من "العفاريت والتماسيح" إلى
"قندوح"
يُعد بنكيران من أكثر السياسيين المغاربة
استخدامًا للغة الشعبية في الخطاب العام، إذ نجح خلال فترة رئاسته للحكومة بين
عامي 2011 و2017 في نقل عدد من التعابير من التداول اليومي إلى المجال السياسي،
وفي مقدمتها عبارة "العفاريت والتماسيح".
واستخدم بنكيران هذا التعبير خلال ولايته
الحكومية للإشارة إلى ما اعتبره قوى خفية أو شبكات مصالح تعرقل عمل الحكومة وتقاوم
الإصلاحات، من دون أن يسمي جهات محددة. وتحولت العبارة سريعًا إلى واحدة من أشهر
الاستعارات السياسية في المغرب، بين من رأى فيها توصيفًا لصراع حقيقي داخل الدولة
والمجتمع، ومن اعتبرها خطابًا عامًا يحمّل الآخرين مسؤولية تعثر السياسات الحكومية.
وبعد سنوات، عاد بنكيران إلى أسلوبه نفسه من
خلال مصطلح "قندوح"، الذي وإن لم يكتسب بعد الحمولة الرمزية التي
اكتسبتها "العفاريت والتماسيح"، فإنه أثار نقاشًا واسعًا بسبب طبيعته
الهجومية في سياق سياسي يستعد فيه المغرب لانتخابات تشريعية جديدة.
ماذا يعني "قندوح"؟
لا ينتمي مصطلح "قندوح" إلى
المعجم السياسي المغربي، بل هو لفظ من التداول الشعبي الذي تختلف دلالاته بحسب
السياق والمنطقة. ويُستخدم غالبًا لوصف شخص يُنظر إليه بصورة سلبية باعتباره
متطفلًا أو انتهازيًا أو مستفيدًا من وضع معين، وقد يحمل معنى قريبًا من شخص يسعى
إلى الظهور أو الاستفادة دون امتلاك وزن حقيقي.
ولهذا فإن قوة المصطلح سياسيًا لا تأتي من
معناه المعجمي الدقيق، بل من السياق الذي وُظف فيه، ومن شخصية قائله؛ إذ إن
بنكيران يمتلك قدرة خاصة على تحويل الكلمات الشعبية إلى أدوات للتعبئة السياسية
وصناعة صورة الخصم.
لكن استخدام هذا النوع من العبارات يظل
محفوفًا بالمخاطر، خصوصًا عندما ينتقل من نقد السياسات والأفكار إلى توصيف الأشخاص
أو التشكيك في النيات، وهو ما يفسر لجوء بنكيران إلى سحب الكلمة والاعتذار عنها،
مع الإبقاء على مضمون خطابه الأساسي.
خطاب شعبوي أم تواصل سياسي مختلف؟
يثير أسلوب بنكيران جدلًا مستمرًا في الساحة
السياسية المغربية. فأنصاره يرون أن لغته القريبة من الناس تمثل خروجًا عن الخطاب
السياسي التقليدي، وتمنحه قدرة على مخاطبة المواطنين بعيدًا عن المصطلحات النخبوية
الجامدة.
ويعتبر مؤيدوه أن السياسي الناجح يحتاج إلى
لغة مفهومة تصل إلى الجمهور، وأن استخدام الأمثال والتعابير الشعبية جزء من تقاليد
سياسية موجودة في مختلف المجتمعات، حيث يلجأ القادة إلى الرموز والصور لتبسيط
القضايا المعقدة.
في المقابل، يرى منتقدو هذا الأسلوب أنه
يختزل الصراع السياسي في شخصنة الخلافات، ويستبدل النقاش حول البرامج والسياسات
بمواجهة حول الأوصاف والنعوت، بما قد يعزز الاستقطاب بدل بناء نقاش عمومي قائم على
الأفكار.
عودة بنكيران إلى واجهة المشهد الانتخابي
وتأتي واقعة "قندوح" في مرحلة
يحاول فيها حزب العدالة والتنمية استعادة حضوره بعد النتائج الصعبة التي حققها في
الانتخابات التشريعية عام 2021، حين فقد أغلب مقاعده البرلمانية وتراجع من موقع
الحزب الأول الذي قاد الحكومة لولايتين إلى موقع المعارضة.
ويمثل بنكيران، الذي عاد إلى قيادة الحزب في
مؤتمر استثنائي عام 2021، أحد أبرز أوراق العدالة والتنمية في محاولة إعادة بناء
صورته السياسية، مستفيدًا من حضوره الإعلامي وشخصيته الجدلية وقدرته على التواصل
المباشر مع الجمهور.
ومنذ عودته إلى قيادة الحزب، حرص بنكيران
على استعادة خطاب المواجهة السياسية، منتقدًا خصومه ومؤكدًا أن الحزب لا يزال
قادرًا على لعب دور في الحياة السياسية المغربية. وفي هذا السياق، فإن عودة قاموسه
الرمزي ليست مجرد مسألة لغوية، بل جزء من استراتيجية لاستعادة موقع سياسي فقده
الحزب خلال السنوات الأخيرة.
بين الكاريزما والجدل
تكشف تجربة بنكيران أن اللغة السياسية يمكن
أن تكون أداة نفوذ بقدر ما تكون أداة تعبير. فقد نجح في بناء علاقة خاصة مع قطاع
واسع من المغاربة عبر خطاب يجمع بين النقد السياسي والسخرية والتعبيرات الشعبية،
ما جعله أحد أكثر السياسيين حضورًا في الذاكرة السياسية المغربية الحديثة.
لكن هذا الأسلوب يضعه أيضًا أمام تحد دائم:
كيف يحافظ على قوة الخطاب الشعبي دون أن يتحول إلى لغة إقصائية أو هجومية قد تضعف
الرسالة السياسية التي يريد إيصالها.
وبين الاعتذار عن "قندوح"
والاحتفاظ بإرث "العفاريت والتماسيح"، يبدو أن بنكيران لا يتخلى عن
القاموس الذي صنع جزءًا من حضوره السياسي، بل يعيد استخدامه في معركة انتخابية
جديدة، حيث تصبح الكلمة نفسها أداة للصراع، ورسالة موجهة إلى الخصوم والناخبين في
آن واحد.
اظهار أخبار متعلقة