نشرت صحيفة "
وول ستريت جورنال" مقالاً للصحافيين صالح البطاطي وبينوا فوكون، قالا فيه إن انضمام حشودٍ غفيرة من المشيعين الاثنين إلى موكب جنازة علي
خامنئي كان الأحدث الأبرز ضمن محطات أسبوع حافل بالفعاليات التي جمعت بين تأبين المرشد الأعلى السابق، وبين ممارسة سياسية مُخطط لها بعناية لتوجيه
رسائل إلى حلفاء البلاد وأعدائها.
وأفادت السلطات
الإيرانية بأن 11 مليون شخص استخدموا وسائل النقل العام لحضور مراسم التأبين التي بدأت يوم السبت تكريماً لخامنئي، الذي قُتل -إلى جانب عدد من أفراد عائلته- في الموجة الأولى من الغارات الجوية الإسرائيلية والأمريكية على طهران قبل أكثر من أربعة أشهر.
وقد رشق المشاركون صورة للرئيس ترامب بالحجارة، بينما رفع آخرون لافتة كبيرة كُتب عليها "سنقتل ترامب" باللغتين الفارسية والإنجليزية، وذلك وفقاً لمقاطع فيديو انتشرت على نطاق واسع في وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية.
اظهار أخبار متعلقة
استهل القادة الجدد في إيران هذه الفعاليات المستمرة لعدة أيام بطابع صدامي؛ إذ استُقبلت الوفود الأجنبية -لدى وصولها يوم الجمعة لتقديم واجب العزاء في الزعيم الراحل الذي سُجّي جثمانه في "مصلى طهران الكبير" (أكبر مجمع للصلاة في البلاد)- بآيات قرآنية بدت وكأنها اختيرت بعناية لتوجيه رسائل محددة.
أما حزب الله اللبناني، والذي انخرط في الحرب عبر مهاجمة دولة الاحتلال بالصواريخ والقذائف المضادة للدبابات، فقد استُقبل وفده بآية تصوّر الانتكاسات العسكرية على أنها جزء من دورة إلهية يختار الله فيها الشهداء ويميز المؤمنين الصادقين.
وتلقى وفد من حماس آية تشيد بالمؤمنين "الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه"؛ حيث ساعد الدعم الإيراني للحركة على تعزيز قوتها قبل شن هجومها في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 على مستوطنات غلاف غزة.
في المقابل، تلقى الوفد القادم من المملكة العربية السعودية -التي تستضيف قواعد أمريكية وشنت ضربات على أهداف إيرانية في أوقات متفرقة خلال الحرب- رسالة مختلفة، حيث اختارت إيران اقتباساً يشير إلى "غزوة بدر"، التي خسر فيها جيش المشركين، فيما اعتُبر تدخلاً إلهياً، وجاء في الآية: "قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ".
كما وبّخت طهران الوفد التركي بسبب موقف الحياد الذي اتخذته أنقرة خلال الحرب؛ وجاء في الآية التي استشهدوا بها: "لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ".
وتقول سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة "تشاتام هاوس" البحثية في لندن: "لقد استخدم القادة الإيرانيون القرآن كوسيلة لإرسال إشارات استراتيجية؛ إذ تُلِيَت آيات تحث على الصمود والصبر لتُسمع حلفاءهم في محور المقاومة، ولتكون بمثابة تحذيرات ضمنية للمنافسين الإقليميين مثل السعودية وتركيا".
وفي يوم الاثنين، بث التلفزيون الإيراني مشاهد لحشود غفيرة من المشيعين يسيرون ببطء بمحاذاة الشاحنة السوداء التي تحمل نعش خامنئي -الملفوف بالعلم- ونعوش عدد من أقاربه الذين قُتِلوا، ورفعت الحشود الأعلام الوطنية الإيرانية ورايات حمراء تطالب بالثأر لمقتل المرشد الأعلى؛ حيث كُتِب على إحدى اللافتات: "لن نغفر ولن ننسى".
ويقول سينا طوسي، الباحث المختص بالشأن الإيراني في "مركز السياسة الدولية" (وهو مؤسسة بحثية في واشنطن): "تهدف هذه المسيرات إلى إضفاء شرعية متجددة على الرؤية الفكرية لخامنئي، وإظهار أن قاعدة جماهيرية عريضة في إيران لا تزال تحشد دعمها وتلتف حول هذه الرؤية، التي مفادها أن "إيران لن تتراجع"".
وهذا الموقف المتسم بالتحدي يطبع أيضاً نهج الجمهورية الإسلامية في المفاوضات مع الولايات المتحدة؛ فخلال المحادثات الأخيرة الرامية لتنفيذ اتفاق يضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز، تمسكت إيران بشدة بموقفها القائل بأنها تملك السيطرة الكاملة على هذا الممر المائي الاستراتيجي، حتى وإن كان ذلك ينطوي على مخاطرة بتهديد فرص الإفراج المبكر عن مليارات الدولارات المجمدة حالياً في الخارج.
كما بدا واضحاً حجم الضغوط التي تواجهها طهران، إذ اتخذ قادتها احتياطات أمنية تحسباً لأي هجوم، وذلك رغم استمرار محادثات السلام، وظهر كل من وزير الخارجية عباس عراقجي وأحمد وحيدي -قائد الحرس الثوري الإسلامي- بين الحشود وهم يستقلون دراجات نارية صغيرة (سكوتر) ومحاطون بفرق حماية أمنية، وذلك وفقاً لصور نشرتها وسائل الإعلام الرسمية.
اظهار أخبار متعلقة
ولم يكن من المتوقع حضور مجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى القتيل وخليفته، رغم تداول صور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الاثنين قيل إنها تظهره في مراسم التأبين، إلا أن طوسي أشار إلى عدم وجود لقطات موثقة تؤكد حضوره للجنازة. يُذكر أن خامنئي الابن كان قد عُيّن لخلافة والده في شهر آذار/مارس، لكنه لم يظهر علناً قط، مما أثار تساؤلات حول مدى سيطرته ونفوذه.
أما دول الخليج -التي كانت قد تعرضت لآلاف الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية خلال الحرب- فقد أوفدت ممثلين من مستويات أدنى لحضور الحدث.
حيث أرسلت قطر رئيس برلمانها، بينما أرسلت السعودية نائب وزير خارجيتها؛ في حين لم ترسل كل من الإمارات والكويت -اللتين كانتا هدفاً رئيسياً لإيران- أي ممثل عنهما.
وقبل عامين، حين لقي الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي حتفه في تحطم مروحية، أرسلت قطر أميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، بينما أرسلت كل من السعودية والإمارات والكويت وزراء خارجيتها.