لا تزال قصة إهداء المنتخب الإيطالي
كأس العالم التي توج بها في مونديال إسبانيا 1982 إلى الشعب
الفلسطيني حاضرة بقوة في الذاكرة الجمعية الفلسطينية، حيث تُروى على نطاق واسع باعتبارها واحدة من أبرز مبادرات التضامن الرياضي مع القضية الفلسطينية.
وتتحدث الرواية المتداولة عن قيام الاتحاد الإيطالي لكرة القدم بإرسال الكأس الذهبية إلى منظمة التحرير الفلسطينية للاحتفاظ بها لمدة أسبوع كامل عقب تتويج
إيطاليا باللقب العالمي. غير أن مراجعة السجلات التاريخية والوثائق الرسمية تكشف صورة أكثر تعقيداً من الرواية الشعبية الشائعة.
كأس العالم واجتياح لبنان
تزامن مونديال إسبانيا عام 1982 مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان وحصار بيروت، في وقت كانت فيه صور الحرب والضحايا تهيمن على وسائل الإعلام الدولية. وفي المقابل، واصل المنتخب الإيطالي بقيادة المدرب إنزو بيرزوت مسيرته الناجحة نحو اللقب، قبل أن يهزم ألمانيا الغربية 3-1 في المباراة النهائية.
وفي ظل هذا التزامن بين الحدثين، نشأت قصة التضامن الإيطالي مع الفلسطينيين، والتي تحولت مع مرور الوقت إلى جزء من الذاكرة السياسية والرياضية الفلسطينية.
اظهار أخبار متعلقة
وتشير الروايات المتداولة إلى أن رئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم آنذاك، فيديريكو سورديلو، قرر إعارة كأس العالم إلى منظمة التحرير الفلسطينية لمدة أسبوع، في خطوة قيل إنها أثارت اعتراضات إسرائيلية ودولية.
إلا أن مراجعة أرشيف الاتحاد الإيطالي لكرة القدم والصحافة الإيطالية المعاصرة للحدث في ذلك الوقت، لا تظهر أي قرار رسمي أو وثائق تؤكد نقل الكأس أو إعارتها لمنظمة التحرير الفلسطينية. كما لا تتوافر شهادات من لاعبي المنتخب الإيطالي تؤكد وقوع مثل هذه الخطوة، إلا أن بيان لاحق رسمي أكد الحدث.
ساندرو بيرتيني
تعود جذور القصة الموثقة إلى مبادرة قادها الرئيس الإيطالي الأسبق ساندرو بيرتيني، المعروف بمواقفه المؤيدة للحقوق الفلسطينية، بحسب مجلة "
فوليري لا لونا" الإيطالية.
وفي عام 2012، أصدر
الاتحاد الإيطالي لكرة القدم بياناً بمناسبة الذكرى الثلاثين لمجزرة صبرا وشاتيلا، أوضح فيه أن بيرتيني قام، بالتنسيق مع الاتحاد، بتخصيص رمزي لفوز إيطاليا بكأس العالم لضحايا المجزرة وللشعب الفلسطيني.
وبحسب الرواية الموثقة، اصطحب بيرتيني الكأس خلال زيارة إلى بيروت بعد المجزرة، في خطوة رمزية هدفت إلى إظهار التضامن مع اللاجئين الفلسطينيين والناجين من الأحداث الدامية.
وتظهر بعض الإشكالات الزمنية في الروايات الشفوية المتداولة، إذ كانت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية قد غادرت بيروت قبل وقوع مجزرة صبرا وشاتيلا في أيلول/ سبتمبر 1982.
لكن السجلات الدبلوماسية تؤكد أن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات زار روما في 15 أيلول/ سبتمبر 1982 والتقى بيرتيني وعدداً من المسؤولين الإيطاليين، وهو ما يعتبره باحثون محطة أساسية في بلورة الموقف الإيطالي الداعم للفلسطينيين خلال تلك المرحلة.
وذكر تقرير المجلة الإيطالية أن الرواية الشعبية بشأن إعارة كأس العالم للفلسطينيين لمدة أسبوع لا تستند إلى وثائق رسمية معروفة، بينما تؤكد المصادر التاريخية وجود مبادرة تضامن حقيقية قادها الرئيس الإيطالي ساندرو بيرتيني بالتنسيق مع الاتحاد الإيطالي لكرة القدم، تمثلت في إهداء رمزي للمجد الرياضي الإيطالي إلى ضحايا صبرا وشاتيلا والشعب الفلسطيني.
ورغم الجدل حول حقيقة القصة أو محاولات التشكيك بها إسرائيليا، فإن وثيقة وبيان رسمي صادر عن الاتحاد الإيطالي لكرة القدم عام 2012 يؤكد أن الرئيس الإيطالي ساندرو بيرتيني حمل كأس العالم 1982 إلى بيروت وأهداها لضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا بالتنسيق مع الاتحاد الإيطالي، بحسب موقع "
الاتحاد الإيطالي للرياضة للجميع".
تواصل التضامن
لم يتوقف التضامن الإيطالي الرسمي عند حدود الثمانينيات، بل تواصل في منافسات كرة القدم المعاصرة، وتحديداً خلال تصفيات
كأس العالم 2026 التي شهدت مواجهات مشحونة سياسياً وجماهيرياً بين المنتخبين الإيطالي والإسرائيلي في أواخر عام 2025.
اظهار أخبار متعلقة
وفي لقاء الذهاب الذي جرى في الثامن من أيلول/ سبتمبر 2025 في مدينة دبرتسن المجرية وسط أجواء متوترة بسبب تصاعد حرب الإبادة الإسرائيلية ضد قطاع غزة، بادر العشرات من مشجعي المنتخب الإيطالي الذين ارتدوا ملابس سوداء إلى إدارة ظهورهم للملعب تعبيراً عن الاحتجاج أثناء عزف النشيد الوطني الإسرائيلي، ورفعوا لافتات حمراء تحمل إشارات "توقفوا" رفضاً لاستمرار العمليات العسكرية.
وتصاعد هذا الزخم الجماهيري بشكل هائل في مباراة الإياب التي استضافتها مدينة أوديني الإيطالية في الرابع عشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2025، حيث شهدت المدينة مسيرة احتجاجية ضخمة شارك فيها أكثر من 5000 متظاهر مؤيد لفلسطين، يتقدمهم علم فلسطيني بطول 18 متراً وتماثيل رمزية تطالب برفع "البطاقة الحمراء" في وجه "إسرائيل" وإقصائها من مسابقات الفيفا والاتحاد الأوروبي (اليويفا)، على غرار الإجراءات المتخذة ضد روسيا عام 2022.
ورافقت المباراة تدابير أمنية مشددة واشتباكات طفيفة مع قوات الشرطة التي استخدمت الغاز المسيل للدموع.
وعبر لاعبون إيطاليون والمدرب حينها جينارو غاتوزو عن تأثرهم الإنساني العميق بالمشاهد المأساوية القادمة من غزة، مشيرين إلى أن قرارات مقاطعة المباريات الدولية تتجاوز سلطتهم كرياضيين يمتثلون للتعليمات الرسمية، ولكنهم كآباء ورجال يشعرون بفداحة هذه المأساة التاريخية المستمرة.