أعاد المقترح العُماني بشأن إنشاء آلية إقليمية مشتركة لإدارة مضيق
هرمز، وفق نموذج مستوحى من
مضيق ملقا، تسليط الضوء على أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم، والذي يُنظر إليه بوصفه نموذجاً ناجحاً للتوفيق بين حرية الملاحة، وسيادة الدول المشاطئة، دون فرض رسوم إلزامية على السفن.
وكشف مصدر خليجي لوكالة "رويترز"، الثلاثاء، أن سلطنة عُمان قدمت لإيران مقترحاً يقضي بإدارة مضيق هرمز وفق آلية شبيهة بمضيق ملقا، تقوم على مساهمات مالية طوعية من الدول والشركات المستفيدة من الممر الملاحي، مقابل تمويل خدمات الملاحة وحماية البيئة وعمليات البحث والإنقاذ، بما يضمن عدم فرض
إيران سيطرة منفردة على المضيق.
ويأتي المقترح في وقت تتواصل فيه الجهود الدبلوماسية لإعادة الاستقرار إلى مضيق هرمز، بعد أشهر من التوترات العسكرية التي هددت أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
أحد أهم الممرات البحرية في العالم
يقع مضيق ملقا بين شبه جزيرة ماليزيا وجزيرة سومطرة الإندونيسية، وتطل عليه ثلاث دول هي ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة، ويربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي، ما يجعله البوابة الرئيسية للتجارة بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.
ويمر عبر المضيق ما يقارب ثلث التجارة العالمية، ونحو ربع السلع المتداولة بحراً، إلى جانب أكثر من 23 مليون برميل من النفط يومياً، معظمها متجه إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية، فيما تعبره أكثر من 90 ألف سفينة سنوياً، ليُصنف باعتباره أكثر المضائق البحرية ازدحاماً على مستوى العالم.
كما يمثل المضيق شرياناً حيوياً لسلاسل الإمداد العالمية، إذ تعتمد عليه حركة نقل النفط والغاز الطبيعي والسلع الصناعية والإلكترونيات والمواد الخام بين الاقتصادات الآسيوية والأسواق الأوروبية.
اظهار أخبار متعلقة
كيف يُدار المضيق؟
ورغم هذه الأهمية الاستراتيجية، لا تخضع إدارة مضيق ملقا لدولة واحدة، وإنما تقوم على تعاون ثلاثي بين ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة، في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، التي تكفل لجميع السفن "حق المرور العابر" دون تعطيل أو فرض رسوم إلزامية مقابل العبور.
وتحتفظ كل دولة بسيادتها على الجزء الواقع ضمن مياهها الإقليمية، لكنها لا تملك حق منع السفن من المرور أو فرض ضرائب على استخدام المضيق، وهو ما جعل ملقا نموذجاً للتوازن بين السيادة الوطنية وحرية الملاحة الدولية.
ويستند هذا النموذج إلى ما يعرف بـ"آلية التعاون"، التي أُطلقت عام 2007 لتعزيز سلامة الملاحة وحماية البيئة البحرية، وتضم منتدى للتعاون بين الدول والمستخدمين، ولجنة لتنسيق المشاريع، وصندوقاً مخصصاً لتمويل المساعدات الملاحية.
لا رسوم عبور.. بل مساهمات طوعية
وتُعد آلية التمويل أبرز ما استلهمته سلطنة عُمان في مقترحها الخاص بمضيق هرمز.
فبدلاً من فرض رسوم على السفن العابرة، يعتمد مضيق ملقا على "صندوق مساعدات الملاحة"، الذي يقوم على مساهمات طوعية تقدمها الدول المستفيدة من المضيق، مثل اليابان والصين وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة، إضافة إلى شركات الشحن والمؤسسات العاملة في قطاع النقل البحري.
وتُستخدم هذه الأموال في تمويل صيانة المنارات والعوامات وأنظمة الملاحة، وحماية البيئة البحرية، وإزالة الحطام، وتنفيذ عمليات البحث والإنقاذ، دون أن تتحول إلى رسوم إلزامية على السفن العابرة.
وبحلول تموز/ يوليو 2023، تجاوزت قيمة الأموال التي جمعها الصندوق 23 مليون دولار، ساهمت "مؤسسة نيبون" اليابانية وحدها بنحو ثلثها.
منظومة تقنية متطورة
ولا يعتمد نجاح مضيق ملقا على التعاون السياسي فقط، بل يستند أيضاً إلى شبكة متطورة لإدارة حركة السفن.
ويطبق المضيق نظام فصل حركة المرور، الذي يخصص مسارات منفصلة للسفن القادمة والمغادرة، بما يقلل مخاطر التصادم داخل الممرات الضيقة التي لا يتجاوز عرضها في بعض المناطق 2.8 كيلومتر.
كما يُلزم نظام "STRAITREP" السفن التي تزيد حمولتها على 300 طن بالإبلاغ عن هويتها وموقعها عند دخول مناطق المسؤولية البحرية، فيما تراقب مراكز خدمات حركة السفن (VTS) الملاحة على مدار الساعة باستخدام الرادارات، ونظام التعرف الآلي للسفن (AIS)، والكاميرات الحرارية وأنظمة المراقبة الحديثة.
وساهمت اليابان، عبر الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا)، في تمويل وتطوير أجزاء من هذه المنظومة التقنية، ولا سيما على الجانب الإندونيسي من المضيق.
لماذا اختارت عُمان نموذج ملقا؟
يوفر هذا المقترح صيغة وسطية بين مطالب إيران بالحفاظ على دورها في إدارة مضيق هرمز، ومطالب المجتمع الدولي بضمان حرية الملاحة وعدم فرض رسوم عبور.
فبدلاً من الحديث عن "رسوم" تثير اعتراضات قانونية وسياسية واسعة، يقوم النموذج على مساهمات طوعية مقابل خدمات ملاحية فعلية، مع إشراك الدول المستفيدة من المضيق في تحمل جزء من تكاليف تشغيله وتأمينه.
كما يهدف إلى تحويل إدارة المضيق من ملف يطغى عليه الصراع السياسي إلى إطار تعاوني تشارك فيه الدول المشاطئة والدول المستخدمة للممر الملاحي.
اظهار أخبار متعلقة
هل يصلح النموذج لهرمز؟
ورغم التشابه الجغرافي بين المضيقين، فإن تطبيق نموذج ملقا في هرمز يواجه تحديات أكثر تعقيداً.
فمضيق هرمز يخضع لإشراف إيران وسلطنة عُمان، إلا أن طهران لم تصادق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، رغم توقيعها عليها عام 1982، وتتمسك بتفسير مختلف لقواعد المرور البحري، معتبرة أنها تطبق مبدأ "العبور البريء" الذي يمنحها هامشاً أوسع لاتخاذ إجراءات أمنية بحق السفن المارة في مياهها الإقليمية.
في المقابل، يقوم نموذج ملقا على الالتزام الكامل بحق "المرور العابر" المنصوص عليه في اتفاقية الأمم المتحدة، وهو ما يجعل حرية الملاحة فيه أكثر استقراراً وأقل عرضة للخلافات القانونية.