حرائق تضرب فرنسا وإسبانيا.. وأوروبا تستعد لموجة حر جديد

في ظل التحذير الأممي من أن "إنذار المناخ يدوّي من كل اتجاه"، تبدو الحرائق الحالية بمثابة إنذار أوروبي جديد بأن أزمة المناخ لم تعد قضية مستقبلية.. غيتي
في ظل التحذير الأممي من أن "إنذار المناخ يدوّي من كل اتجاه"، تبدو الحرائق الحالية بمثابة إنذار أوروبي جديد بأن أزمة المناخ لم تعد قضية مستقبلية.. غيتي
شارك الخبر
تخوض فرنسا وإسبانيا سباقا مع الزمن للسيطرة على حرائق غابات واسعة أجبرت مئات الآلاف على مغادرة مناطقهم، فيما تستعد أجزاء واسعة من أوروبا الغربية لموجة حر جديدة تهدد بتعقيد جهود الإطفاء وإعادة إشعال بؤر النيران، في مشهد يعيد إلى الواجهة التداعيات المتصاعدة لأزمة المناخ في القارة.

وبينما تمكنت فرق الإطفاء في بعض المناطق من تحقيق تقدم نسبي، لا تزال حرائق أخرى خارج السيطرة، وسط تحذيرات من أن ارتفاع درجات الحرارة والرياح والجفاف قد يعيد إشعال النيران ويزيد من صعوبة احتوائها. وتأتي هذه التطورات بعد صيف شهد موجات حر متكررة وظروفا مناخية قاسية ساعدت على جفاف الغطاء النباتي وتحويل مساحات واسعة من الغابات إلى وقود سريع الاشتعال.

وفي فرنسا، تتركز المخاوف خصوصا في منطقة جيروند جنوب غربي البلاد، بالقرب من بوردو، حيث التهمت النيران عشرات آلاف الهكتارات وأجبرت السلطات على عمليات إجلاء واسعة. وتشير أحدث المعطيات إلى أن أكثر من 220 ألف شخص أُجبروا على مغادرة مناطق مختلفة في فرنسا، فيما دمرت الحرائق نحو 240 منزلا وأتت على ما يقارب 116 ألف هكتار من الأراضي، في واحدة من أسوأ موجات حرائق الغابات التي تشهدها البلاد في السنوات الأخيرة.

وتسعى فرق الإطفاء إلى استغلال أي تحسن مؤقت في الأحوال الجوية قبل وصول موجة الحر الجديدة، التي يُتوقع أن تدفع درجات الحرارة إلى مستويات مرتفعة مجددا اعتبارا من منتصف الأسبوع. وحذرت السلطات الفرنسية من أن الظروف ستظل شديدة الخطورة، خصوصا مع احتمال عودة الرياح التي يمكن أن تدفع ألسنة اللهب إلى مناطق جديدة.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن بلاده تواجه وضعا بالغ الخطورة، فيما حذر مسؤولون من أن موسم الحرائق الحالي تجاوز في شدته مستويات قياسية سابقة. ويزيد من صعوبة المهمة اتساع رقعة الحرائق وقرب بعضها من مناطق مأهولة وسياحية، في وقت اضطرت فيه السلطات إلى إجلاء سكان وسياح من مناطق ساحلية ومخيمات سياحية في جنوب غربي البلاد.

إجلاء واسع وتعبئة أوروبية


ولم تقتصر تداعيات الحرائق على السكان المحليين، إذ طالت أعدادا كبيرة من السياح والمصطافين الذين وجدوا أنفسهم أمام عمليات إجلاء مفاجئة واضطرابات في حركة النقل، بينما غطى الدخان مناطق واسعة وأثار مخاوف صحية بشأن تدهور جودة الهواء.

وفي منطقة لاكانو قرب بوردو، جرى إجلاء آلاف الأشخاص من المخيمات السياحية، فيما عملت فرق الطوارئ على توفير أماكن استقبال مؤقتة للنازحين. كما سجلت مناطق أخرى اشتعالات جديدة أو عودة للنيران، ما دفع السلطات إلى الإبقاء على حالة التأهب رغم التحسن النسبي في بعض الجبهات.

وفي مواجهة اتساع نطاق الأزمة، فعّلت الدول الأوروبية آليات التضامن المشترك، إذ نشرت المفوضية الأوروبية طائرات ومروحيات وفرق إطفاء لمساعدة فرنسا وإسبانيا. وشملت المساعدات الموجهة إلى فرنسا سبع طائرات وأربع مروحيات قادمة من دول أوروبية عدة، فيما حشدت إسبانيا ست طائرات إطفاء، إضافة إلى 134 عنصرا و41 مركبة من البرتغال. كما يوفر نظام «كوبرنيكوس» الأوروبي للسلطات خرائط طوارئ سريعة لدعم عمليات الاستجابة على الأرض.

وتكشف هذه التعبئة حجم الأزمة التي باتت تتجاوز قدرات الدول منفردة، في ظل تزامن الحرائق مع ارتفاع درجات الحرارة واتساع رقعة الجفاف وتكرار موجات الطقس المتطرف.

إسبانيا.. حرائق ضخمة قرب مدريد وأفيلا


وفي إسبانيا، واجهت السلطات بدورها حرائق واسعة في مناطق عدة، بينها محيط العاصمة مدريد ومقاطعات أفيلا وطليطلة وقشتالة وليون، إضافة إلى مناطق أخرى شرقي البلاد.

وأجبرت الحرائق عشرات الآلاف على مغادرة منازلهم، فيما شهدت بعض المناطق تحسنا نسبيا سمح بإعادة السكان إلى عدد من البلدات بعد تراجع حدة النيران. وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إن السلطات بدأت ترى «ضوءا في نهاية النفق»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة الاستعداد لتفاقم الأزمة المناخية والتعامل معها باعتبارها واقعا متزايد الخطورة.

وكانت السلطات الإسبانية قد وصفت حريق أفيلا بأنه من أكبر حرائق الغابات في تاريخ البلاد الحديث، بعدما التهم عشرات آلاف الهكتارات. كما استمرت المخاوف من حرائق أخرى لا تزال نشطة أو قابلة للتجدد مع ارتفاع درجات الحرارة مجددا.

وتشير أحدث التقارير إلى أن نحو 77 ألف هكتار تضررت من الحرائق في إسبانيا خلال هذه الموجة، بينما تجاوزت المساحات المحترقة في البلاد منذ بداية العام 170 ألف هكتار وفقا لمعطيات سابقة، في مؤشر على موسم استثنائي من حيث اتساع رقعة النيران.

وفي الوقت نفسه، تعمل السلطات على مراقبة جودة الهواء في المناطق المتضررة، في ظل انتشار الدخان الناجم عن الحرائق، فيما تتواصل عمليات إجلاء السكان وتوفير المأوى والخدمات الأساسية.

الصليب الأحمر يتدخل لإغاثة آلاف النازحين


ومع استمرار عمليات الإجلاء، كثفت جمعيات الإغاثة جهودها لتوفير المساعدة للمتضررين.

وأعلن الصليب الأحمر الإسباني إنشاء 78 مركز إيواء طارئا استقبلت أكثر من 4400 شخص في المناطق المتضررة من الحرائق، خصوصا حول مدريد وأفيلا وطليطلة وكاستيون، بمشاركة مئات الموظفين والمتطوعين الذين يقدمون الغذاء والمياه والرعاية الصحية والدعم النفسي.

وفي فرنسا، يشارك نحو 300 متطوع من الصليب الأحمر في عمليات الإجلاء وإنشاء أماكن الإيواء الطارئ في منطقتي جيروند ولاند، إلى جانب مساعدة الأشخاص الذين تضررت منازلهم أو دُمرت بسبب الحرائق.

وترى منظمات الإغاثة أن ما يحدث يعكس نمطا بات يتكرر بصورة متزايدة في أوروبا، حيث تتداخل موجات الحر والجفاف والحرائق، لتضع المجتمعات المحلية أمام أزمات متتالية تتطلب استثمارات طويلة الأمد في الوقاية والتكيف المناخي، وليس فقط الاستجابة الطارئة بعد اندلاع الكارثة.

الأمم المتحدة: إنذار المناخ يدوّي من كل اتجاه


وفي خضم هذه الأزمة، أطلق مسؤول المناخ في الأمم المتحدة سايمون ستيل تحذيرا شديد اللهجة، معتبرا أن كلفة أزمة المناخ باتت تقترب من مستويات الطوارئ الوطنية.

وقال ستيل في تصريحات نقلتها صحيفة "الغارديان" البريطانية اليوم: إن "إنذار المناخ يدوّي من كل اتجاه"، محذرا من أن الكوارث المرتبطة بالمناخ أصبحت تصل إلى مستويات مقلقة، في وقت تتصاعد فيه كلفة الاعتماد على الفحم والنفط والغاز.

وأشار إلى أن الحرائق القياسية التي تضرب فرنسا وإسبانيا وأجزاء أخرى من أوروبا، وتجبر أعدادا كبيرة من السكان على النزوح وتفرض خسائر اقتصادية واسعة، تأتي بعد موجات حر قاسية أدت إلى جفاف مساحات واسعة من الأراضي.

وحذر المسؤول الأممي من أن درجات الحرارة في شمال أفريقيا تقترب من 49 درجة مئوية، في وقت تواجه فيه مناطق أخرى من العالم عواصف مدمرة وارتفاعات قياسية في درجات الحرارة، معتبرا أن هذه الكوارث باتت جزءا من الواقع اليومي لمليارات البشر في عالم يزداد احترارا.

وأكد أن الأدلة العلمية بشأن أسباب الظاهرة باتت واضحة، وأن ارتفاع حرارة الكوكب يجعل موجات الحر الطويلة والفيضانات العنيفة والعواصف الشديدة أكثر تواترا وقوة وكلفة. ودعا إلى تسريع التخلي عن الفحم والنفط والغاز، والتوسع في الطاقة المتجددة، وحماية السكان الأكثر تعرضا لآثار التغير المناخي.

من أزمة حرائق إلى أزمة مناخ


ولا ينظر خبراء المناخ إلى حرائق فرنسا وإسبانيا باعتبارها أحداثا منفصلة، بل باعتبارها جزءا من منظومة مناخية أوسع تشهد فيها أوروبا ارتفاعا متسارعا في درجات الحرارة وتكرارا لموجات الحر والجفاف.

وتشير تحليلات مناخية إلى أن اجتماع شتاء رطب على نحو غير معتاد مع انخفاض كبير في معدلات الأمطار منذ الربيع، ثم توالي موجات الحر القياسية خلال الصيف، ساهم في جعل الغطاء النباتي أكثر جفافا وقابلية للاشتعال، وهو ما يفسر جزئيا سرعة انتشار الحرائق وصعوبة السيطرة عليها.

وتعد أوروبا أسرع القارات ارتفاعا في درجات الحرارة، وهو ما يجعل مواسم الحرائق أطول وأكثر شدة، ويضع الحكومات أمام تحديات متزايدة تتعلق بإدارة الغابات والتخطيط العمراني وحماية المناطق السكنية وتحسين أنظمة الإنذار والإجلاء.

وفي هذا السياق، لا تبدو عمليات الإطفاء وحدها كافية لمواجهة الظاهرة، إذ باتت الحاجة ملحة إلى سياسات طويلة الأمد تشمل إدارة الغطاء النباتي، وتعزيز البنية التحتية للحماية المدنية، وتطوير قدرات التنبؤ بالحرائق، والاستثمار في التكيف مع المناخ المتغير.

سباق مع موجة حر جديدة


وتكمن خطورة المرحلة المقبلة في أن الحرائق لم تنته بعد، بينما تقترب موجة حر جديدة قد تؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة مجددا وتفاقم الجفاف، بما يرفع احتمالات اندلاع حرائق جديدة أو اشتداد النيران القائمة.

وتحاول فرنسا وإسبانيا، في هذه الأثناء، استثمار الساعات الأكثر اعتدالا نسبيا للسيطرة على أكبر قدر ممكن من البؤر قبل اشتداد الحرارة. لكن السلطات تدرك أن أي تحسن ميداني قد يبقى مؤقتا، وأن عودة الرياح وارتفاع درجات الحرارة يمكن أن يقلبا المعادلة بسرعة.

ويضع هذا الوضع الحكومات الأوروبية أمام اختبار مزدوج: السيطرة على الكارثة الآنية، والاستعداد في الوقت نفسه لواقع مناخي جديد يبدو أن موجات الحر والحرائق فيه لم تعد أحداثا استثنائية.

فما يحدث في فرنسا وإسبانيا لا يقتصر على موسم حرائق عابر، بل يعكس تحولا أعمق في طبيعة المخاطر المناخية التي تواجه القارة. وبينما تسابق فرق الإطفاء الزمن لاحتواء النيران قبل وصول موجة الحر الجديدة، تتسع الدعوات إلى الانتقال من منطق إدارة الكوارث بعد وقوعها إلى بناء قدرة مستدامة على التكيف معها والحد من آثارها.

وفي ظل التحذير الأممي من أن "إنذار المناخ يدوّي من كل اتجاه"، تبدو الحرائق الحالية بمثابة إنذار أوروبي جديد بأن أزمة المناخ لم تعد قضية مستقبلية، بل واقعا حاضرا يفرض كلفته البشرية والاقتصادية والاجتماعية على نحو متزايد.

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)

خبر عاجل