الجزائر ومصر تتفاعلان مع تطورات تونس وعودة التصعيد حول قيس سعيّد

بعد سنوات من اعتبار تونس النموذج الديمقراطي الأبرز الذي خرج من رحم ثورات الربيع العربي، تبدو البلاد اليوم أمام واقع مختلف، أعادها إلى دائرة التجاذبات الإقليمية.. عربي21
بعد سنوات من اعتبار تونس النموذج الديمقراطي الأبرز الذي خرج من رحم ثورات الربيع العربي، تبدو البلاد اليوم أمام واقع مختلف، أعادها إلى دائرة التجاذبات الإقليمية.. عربي21
شارك الخبر
بعد خمس سنوات على الإجراءات التي اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيّد في 25 يوليو/تموز 2021، والتي أعادت رسم المشهد السياسي في البلاد ودفعت نحو تركيز واسع للصلاحيات في مؤسسة الرئاسة، تعود تونس إلى واجهة الاهتمام الإقليمي، وسط تصاعد الجدل الداخلي حول مستقبل المسار السياسي، وتزايد الانتقادات الحقوقية والسياسية، في وقت تتكثف فيه رسائل الدعم القادمة من عواصم عربية، أبرزها الجزائر والقاهرة.

ويأتي هذا التفاعل الإقليمي في لحظة سياسية حساسة، تتزامن مع الذكرى التاسعة والستين لإعلان الجمهورية التونسية، ومع تصاعد النقاش بشأن حصيلة السنوات الخمس الماضية، في ظل استمرار توقيف معارضين وشخصيات سياسية وحقوقية، وتراجع مساحة العمل الحزبي، مقابل تثبيت نموذج حكم يقوم على مركزية القرار الرئاسي.

وفي أحدث مظاهر التفاعل العربي مع تونس، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الثلاثاء، اتصالا هاتفيا بقيس سعيّد، في مناسبة الذكرى التاسعة والستين لعيد الجمهورية، حمل رسائل سياسية تتجاوز التهنئة بالمناسبة الوطنية، إلى التأكيد على استمرار التنسيق بين القاهرة وتونس، في وقت تشهد فيه البلاد تطورات داخلية وإقليمية متسارعة.

وبحسب بيان الرئاسة المصرية، هنأ السيسي سعيّد والشعب التونسي بهذه المناسبة، مؤكدا "متانة العلاقات الأخوية" بين البلدين، ومشيرا إلى التاريخ المشترك والروابط التي تجمع الشعبين، فيما يصادف العام الجاري الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر وتونس.

كما أعرب الرئيس المصري عن تضامن بلاده مع تونس في مواجهة الحرائق التي طالت مناطق من البلاد، مؤكدا استعداد القاهرة لتقديم الدعم اللازم، ومشددا على حرص مصر على تعزيز التعاون الثنائي وتنفيذ مخرجات اللجنة العليا المشتركة وآليات التعاون القائمة بين البلدين.

من جانبه، أعرب قيس سعيّد عن تقديره للموقف المصري، مستعرضا الجهود التي تبذلها السلطات التونسية لمكافحة الحرائق وحماية ممتلكات المواطنين ومقدرات الدولة.

ولم يقتصر الاتصال على العلاقات الثنائية، إذ بحث الرئيسان، وفق البيان المصري، التطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، حيث حذر السيسي من خطورة تجدد التوتر في المنطقة ومن التداعيات المحتملة للانزلاق نحو تصعيد شامل، مشيرا إلى الجهود المصرية الرامية إلى تقريب مواقف الأطراف المعنية.

وأكد الجانبان ضرورة تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية وخفض التصعيد واحتواء التوترات، بما يمنع اتساع نطاق الأزمات ويحافظ على الأمن والاستقرار الإقليميين، كما شددا على أهمية استمرار التنسيق والتشاور بين البلدين بشأن القضايا الإقليمية.



الجزائر.. دعم متواصل لقيس سعيّد


لكن التفاعل الجزائري مع تونس يبدو أكثر وضوحا وحدّة، بحكم الجوار الجغرافي والروابط الأمنية والسياسية والاقتصادية العميقة بين البلدين.

ومنذ الإجراءات التي اتخذها سعيّد في يوليو/تموز 2021، حافظت الجزائر على موقف داعم للسلطة التونسية، مؤكدة في مناسبات مختلفة أن استقرار تونس يمثل مصلحة استراتيجية بالنسبة إليها، وأن أمن البلدين مترابط بحكم الجوار والحدود المشتركة.

ويختلف هذا الموقف عن مواقف أطراف دولية وغربية انتقدت مسار الرئيس التونسي، خصوصا في ما يتعلق بتراجع التعددية السياسية والحريات العامة واستقلال القضاء. أما الجزائر، فقد اختارت التركيز على ضرورة حماية الدولة التونسية ومنع انزلاقها إلى الفوضى أو عدم الاستقرار، مع تجنب توجيه انتقادات علنية إلى خيارات قيس سعيّد السياسية.

ويبدو أن هذا الموقف يستند إلى حسابات أمنية وجيوسياسية مباشرة؛ فالحدود الجزائرية التونسية تمتد على مسافة طويلة، وأي تدهور أمني واسع في تونس يمكن أن تكون له تداعيات مباشرة على الجزائر، كما أن البلدين يتشاركان ملفات مرتبطة بالإرهاب والهجرة والتهريب والطاقة والأمن الحدودي.

ومن هذا المنظور، تنظر الجزائر إلى استقرار تونس باعتباره جزءا من أمنها القومي، وهو ما يفسر الحضور القوي للملف التونسي في الخطاب السياسي الجزائري.

تبون: "ما يمس تونس يمس الجزائر"


وفي أحدث تصريح يعكس طبيعة المقاربة الجزائرية، أطلق الرئيس عبد المجيد تبون رسالة شديدة اللهجة بشأن أي تهديد قد يستهدف تونس، متعهدا بالوقوف إلى جانبها في مواجهة الإرهاب أو أي محاولة لزعزعة استقرارها.

وقال تبون، في تصريح نقلته وسائل إعلام، إن "ما يمس تونس يمس الجزائر"، مضيفا بشأن أي جهة قد تحاول جلب الإرهاب إلى حدود تونس أو تهديدها أن الجزائر "نهدم له خيمته"، في تعبير شديد اللهجة يعكس حساسية الجزائر تجاه أي تهديد أمني قد يطال جارتها الشرقية.

وتأتي تصريحات تبون في توقيت تشهد فيه تونس نقاشا داخليا متزايدا بشأن الوضع السياسي، فيما تواجه السلطة انتقادات من المعارضة ومنظمات حقوقية، في حين تؤكد الرئاسة التونسية أن إجراءاتها تستهدف حماية الدولة ومكافحة الفساد والتصدي لمن تعتبرهم متورطين في جرائم أو مخططات تهدد أمن البلاد.

ويعكس موقف تبون، في أحد أبعاده، أن الجزائر لا تنظر إلى التطورات التونسية باعتبارها شأنا داخليا صرفا، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالاستقرار الأمني. كما يكشف عن استعداد واضح للدفاع عن تونس في مواجهة أي تهديد تعتبره الجزائر ذا طبيعة أمنية أو إرهابية.

لكن التصريح أثار في الوقت نفسه نقاشا في تونس حول حدود التدخل في الشأن الداخلي، إذ رأى منتقدون أن الحديث عن حماية تونس من الخارج يمكن أن يُفهم باعتباره تجاوزا لمبدأ السيادة، في حين يعتبر مؤيدو الموقف الجزائري أن الأمر يتعلق بالتعاون الأمني بين دولتين جارتين وأن الجزائر معنية مباشرة بأي تهديد قد ينطلق من الأراضي التونسية أو يستهدفها.



حملة إعلامية جزائرية ضد المنصف المرزوقي


وفي موازاة الموقف الرسمي الجزائري الداعم لقيس سعيّد، برز في الأيام الأخيرة تفاعل إعلامي جزائري مع تصريحات الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي، الذي واصل انتقاد مسار السلطة في تونس منذ إجراءات 25 يوليو/تموز 2021.

وشنت وسائل إعلام جزائرية حملة انتقادات ضد المرزوقي على خلفية مواقفه وتصريحاته الأخيرة، وذهبت بعض التغطيات إلى ربطه بما وصفته بأجندات خارجية تستهدف تونس، متحدثة عن تقاطع مزعوم بين مواقفه وأدوار لفرنسا والمغرب والإمارات.

ومن بين هذه التغطيات، ربطت صحيفة جزائرية تصريحات المرزوقي بما سمته محورا يضم المغرب والإمارات وفرنسا، معتبرة أن خطابه في الخارج يتقاطع، من وجهة نظرها، مع حملات سياسية وإعلامية تستهدف السلطات التونسية. وهذه الاتهامات تظل، في إطارها الصحفي والسياسي، مواقف وادعاءات صادرة عن وسائل إعلام وجهات سياسية، وليست حقائق مثبتة قضائيا أو مستقلة.

ويأتي هذا الهجوم الإعلامي في سياق حساس من العلاقات الجزائرية التونسية، وفي ظل تصاعد التوتر بين السلطة التونسية وخصومها السياسيين، حيث بات المرزوقي أحد أبرز الأصوات المعارضة لمسار قيس سعيّد، ولا سيما بعد تجميد عمل البرلمان وحله لاحقا، ثم إقرار دستور جديد وإعادة بناء المؤسسات السياسية على أساس يمنح الرئاسة صلاحيات واسعة.

وتزامن التصعيد الإعلامي الجزائري مع جدل تونسي فرنسي على خلفية ظهور المرزوقي في وسائل إعلام فرنسية، وهو ما أفضى، بحسب تقارير إعلامية، إلى استدعاء السفيرة الفرنسية في تونس، في مؤشر على حساسية السلطة التونسية تجاه الانتقادات الصادرة من الخارج. كما أعادت هذه التطورات إلى الواجهة الخلافات الإقليمية بشأن مستقبل تونس وطبيعة علاقاتها الخارجية.

وبذلك، تبدو الحملة الإعلامية على المرزوقي جزءا من سياق أوسع، تتقاطع فيه الحسابات الداخلية التونسية مع التنافس الإقليمي، خصوصا في ظل اتهامات متبادلة بشأن محاولات التأثير الخارجي في مسار البلاد.

من المرزوقي إلى قيس سعيّد.. الجزائر تختار الاستقرار


ويكشف التزامن بين التصريحات الحادة للرئيس تبون بشأن أمن تونس والحملة الإعلامية ضد المرزوقي عن طبيعة المقاربة الجزائرية تجاه المشهد التونسي، التي تبدو قائمة على دعم مؤسسات الدولة والسلطة القائمة، ورفض أي مسار قد يؤدي إلى اضطراب أمني أو سياسي واسع.

فالجزائر، التي عرفت تجربة احتجاجية واسعة انتهت بتنحي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في 2019، تبدو شديدة الحساسية تجاه احتمالات الانفلات السياسي والأمني في محيطها، خصوصا في ظل الاضطرابات المستمرة في ليبيا ومنطقة الساحل.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم دعمها لقيس سعيّد باعتباره دعما للاستقرار قبل أن يكون دعما لشخص الرئيس، وفق الرؤية الرسمية الجزائرية. غير أن منتقدي هذا الموقف يرون أن دعم السلطة القائمة دون مساءلة مسارها السياسي قد يتحول عمليا إلى دعم غير مشروط للنظام، خصوصا في ظل الانتقادات الحقوقية المتزايدة.

وهنا تبرز مفارقة أساسية: فالجزائر تتحدث عن حماية تونس من الإرهاب والفوضى والتدخل الخارجي، بينما يرى معارضو سعيّد أن الخطر الأكبر على المسار الديمقراطي يأتي من تركيز السلطة وتراجع التعددية السياسية.

القاهرة.. تضامن سياسي دون انخراط مباشر


أما مصر، فتبدو مقاربتها مختلفة في الشكل، وإن كانت تلتقي مع الجزائر في دعم السلطة التونسية والتأكيد على أهمية الاستقرار.

فالاتصال الأخير بين السيسي وسعيّد جاء في إطار رسمي يركز على العلاقات الثنائية والتعاون المشترك، لكنه حمل أيضا دلالات سياسية، خصوصا أنه تزامن مع الذكرى التاسعة والستين لإعلان الجمهورية التونسية، وفي وقت تتزايد فيه الانتقادات لمسار قيس سعيّد.

ولم تتضمن الرسالة المصرية، وفق البيان الرسمي، أي إشارة إلى الخلافات السياسية الداخلية في تونس أو إلى ملف الحريات وحقوق الإنسان، بل ركزت على التضامن مع الدولة التونسية وتعزيز التعاون بين البلدين.

وهذا الموقف ينسجم مع السياسة المصرية التي تميل إلى التعامل مع السلطات القائمة في الدول العربية من منظور الحفاظ على استقرار الدولة ومؤسساتها، وتجنب التدخل العلني في الشؤون السياسية الداخلية.

وبذلك، فإن القاهرة، مثل الجزائر، لا تبدو معنية بالدخول في سجال علني حول شرعية المسار السياسي الذي يقوده سعيّد، بقدر اهتمامها بالحفاظ على علاقات مستقرة مع تونس وتعزيز التنسيق في الملفات الإقليمية.

خمس سنوات على 25 يوليو.. تونس أمام حصيلة مثيرة للجدل


وتأتي هذه المواقف الإقليمية بينما تدخل تونس الذكرى الخامسة للإجراءات التي اتخذها سعيّد في 25 يوليو/تموز 2021، عندما أعلن تجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه وإقالة رئيس الحكومة، قبل أن يحل البرلمان لاحقا ويمضي في إعادة تشكيل النظام السياسي.

ومع مرور السنوات، أصبحت تونس أمام واقع سياسي مختلف تماما عن المرحلة التي أعقبت ثورة 2011.

فقد تراجع دور الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، وتقلصت مساحة المعارضة، بينما أصبحت مؤسسة الرئاسة صاحبة الدور المركزي في إدارة البلاد وصياغة السياسات العامة.

ويقول أنصار سعيّد إن ما حدث كان تصحيحا لمسار سياسي فاشل، وإن النظام الذي تأسس بعد الثورة أدى إلى صراعات حزبية وتعطيل مؤسسات الدولة وفشل في معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

كما يؤكد مؤيدو الرئيس أن الناخبين التونسيين منحوه تفويضا عبر الانتخابات، وأنه يعمل على بناء نظام سياسي جديد يقوم على السيادة الشعبية ومحاربة الفساد وإعادة الاعتبار للدولة.

في المقابل، تعتبر المعارضة أن إجراءات 25 يوليو/تموز شكلت انقلابا على المسار الديمقراطي، وأن البلاد انتقلت من نظام تعددي إلى حكم شديد المركزية، مع تضييق متزايد على المعارضين.

وتشير منظمات حقوقية إلى تراجع الحريات العامة، وإلى توقيف شخصيات سياسية وصحفيين ونشطاء ومحامين، في قضايا تتعلق، من بين أمور أخرى، بما تسميه السلطات «التآمر على أمن الدولة» أو قضايا ذات صلة بالإرهاب والفساد.

وترد السلطات بأن القضاء مستقل، وأن الملفات المعروضة أمام المحاكم تتعلق بجرائم وأفعال يعاقب عليها القانون، وأن لا أحد فوق المساءلة.

أزمة الاقتصاد.. الاختبار الأصعب


وبعيدا عن التجاذبات السياسية، تظل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التحدي الأكبر أمام السلطة التونسية.

فالبلاد تواجه صعوبات مرتبطة بالنمو والاستثمار والبطالة والمالية العمومية والديون، في وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية وارتفعت الضغوط الاجتماعية.

وتضاعفت هذه التحديات مع ملف الهجرة غير النظامية، حيث أصبحت تونس نقطة رئيسية على طريق عبور المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء نحو أوروبا، وهو ملف وضع البلاد في قلب نقاش أوروبي ـ مغاربي متواصل.

وتحتاج تونس، في ظل هذه الظروف، إلى دعم اقتصادي واستثمارات وتمويلات خارجية، وهو ما يجعل علاقاتها مع الجزائر ومصر وغيرها من الدول العربية ذات أهمية متزايدة.

وتشكل الجزائر، على وجه الخصوص، شريكا اقتصاديا وأمنيا حيويا بالنسبة إلى تونس، في حين تسعى القاهرة إلى تعزيز التعاون مع تونس في مجالات متعددة.

لكن الأزمة الاقتصادية تظل اختبارا حقيقيا لشرعية المسار السياسي الجديد؛ إذ إن قدرة السلطة على تحقيق نتائج ملموسة في حياة المواطنين ستكون عاملا أساسيا في تقييم السنوات المقبلة.

دعم إقليمي وسط انتقادات دولية


ويبدو أن تونس تعيش اليوم حالة من التناقض بين دعم إقليمي واضح وانتقادات دولية متواصلة.

فالجزائر ومصر تؤكدان دعم الدولة التونسية والتعاون مع سلطتها القائمة، بينما تبدي دول غربية ومنظمات حقوقية قلقا متزايدا بشأن وضع الحريات والديمقراطية.

ويضع هذا التناقض تونس في قلب نقاش إقليمي أوسع حول مفهوم الاستقرار، وما إذا كان يتحقق عبر تقوية السلطة المركزية أم من خلال بناء مؤسسات ديمقراطية قادرة على استيعاب الاختلافات السياسية والاجتماعية.

وفي الحالة التونسية، يبدو أن الجزائر والقاهرة تميلان إلى المقاربة الأولى، أي أولوية الاستقرار والحفاظ على مؤسسات الدولة، بينما يركز خصوم سعيّد على المقاربة الثانية، معتبرين أن الاستقرار المستدام لا يمكن أن يتحقق دون تعددية سياسية وحريات عامة ومؤسسات مستقلة.

هل تعود تونس إلى واجهة التجاذب العربي؟


بعد سنوات من اعتبار تونس النموذج الديمقراطي الأبرز الذي خرج من رحم ثورات الربيع العربي، تبدو البلاد اليوم أمام واقع مختلف، أعادها إلى دائرة التجاذبات الإقليمية.

فالموقف الجزائري الداعم لقيس سعيّد، والتفاعل المصري معه، والحملة الإعلامية الجزائرية على المنصف المرزوقي، والجدل التونسي الفرنسي، كلها مؤشرات على أن الأزمة التونسية لم تعد محصورة في حدودها الداخلية.

وتتداخل في المشهد حسابات الأمن الإقليمي، ومخاوف الإرهاب، والتنافس بين القوى المغاربية، والعلاقات مع أوروبا، فضلا عن الخلافات حول طبيعة النظام السياسي الذي يتشكل في تونس.

وفي هذا السياق، تبدو الجزائر الأكثر وضوحا في إعلان دعمها للرئيس التونسي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالأمن والاستقرار، فيما تتحرك مصر عبر قنوات دبلوماسية أكثر هدوءا، تركز على العلاقات الثنائية والتنسيق السياسي.

لكن السؤال الذي يظل مطروحا هو ما إذا كان هذا الدعم الإقليمي سيساعد تونس على تجاوز أزمتها السياسية والاقتصادية، أم أنه سيؤدي إلى تكريس واقع سياسي جديد يضع الاستقرار فوق التعددية والحريات.

وبعد خمس سنوات من 25 يوليو/تموز، لا تزال تونس تبحث عن إجابة لهذا السؤال. فبينما تؤكد السلطة أن إجراءاتها مثلت تصحيحا لمسار سياسي فاشل، ترى المعارضة أن البلاد ابتعدت عن المسار الديمقراطي الذي انطلق بعد الثورة.

وفي ظل هذا الانقسام، تبدو الجزائر ومصر أقرب إلى دعم خيار الاستقرار والتعامل مع السلطة القائمة، بينما تستمر الانتقادات الداخلية والدولية لمسار قيس سعيّد.

وهكذا، فإن تونس تدخل عامها السادس بعد 25 يوليو/تموز وهي أمام معادلة معقدة: سلطة رئاسية أكثر قوة، معارضة أضعف، أزمة اقتصادية مستمرة، ودعم إقليمي واضح، مقابل جدل متصاعد حول الحريات والديمقراطية ومستقبل النظام السياسي. وبينما تراهن الجزائر على حماية "استقرار الجار" وتتحرك مصر لتعزيز التنسيق معه، يبقى الاختبار الحقيقي في الداخل التونسي: هل يستطيع قيس سعيّد تحويل هذا الدعم الإقليمي إلى استقرار سياسي واقتصادي مستدام، أم أن استمرار التضييق السياسي والأزمة الاقتصادية سيعيد إشعال الجدل حول المسار الذي بدأ في صيف 2021؟

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)