جددت حركة النهضة
التونسية انتقادها الحاد
للمسار السياسي القائم في البلاد منذ 25 تموز/ يوليو 2021، معتبرة أن تونس تعيش
"انتكاسة ديمقراطية" شاملة، ومحمّلة الرئيس التونسي قيس سعيّد مسؤولية
ما وصفته بتفكيك المؤسسات الدستورية وتركيز السلطات بيده، وسط تحذيرات من مخاطر
تهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي للبلاد.
جاء ذلك في بيان مطول أصدرته الحركة السبت
بمناسبة الذكرى الخامسة والأربعين لتأسيسها، استعرضت فيه مسيرتها منذ الإعلان
الرسمي عن وجودها في 6 حزيران/ يونيو 1981، وقدمت تقييماً للأوضاع الراهنة في
تونس، ورؤيتها لمستقبل البلاد.
45 عاماً من "الثبات والتضحية"
استهلت الحركة بيانها بالتأكيد على أن إعلان
تأسيسها عام 1981 لم يكن مجرد حدث سياسي، بل كان ـ وفق تعبيرها ـ بداية لمشروع
حضاري يهدف إلى التوفيق بين الهوية العربية الإسلامية وقيم الحداثة والديمقراطية
والحرية.
وقالت الحركة إنها اختارت منذ نشأتها
"طريق النضال السلمي المدني" في مواجهة نظام الاستبداد، مؤكدة أن آلافاً
من أعضائها تعرضوا للسجن والتعذيب والنفي خلال العقود الماضية، وأن مئات منهم
فقدوا حياتهم خلال سنوات المواجهة مع السلطة.
وأشارت إلى أن سنوات القمع والملاحقة دفعتها
إلى إجراء مراجعات فكرية وسياسية عميقة تناولت قضايا العلاقة بين الإسلام
والديمقراطية، والدولة المدنية، والعمل السياسي في مجتمع تعددي، معتبرة أن تلك
المراجعات أسهمت في تطوير خطابها السياسي وجعله أكثر انفتاحاً وواقعية.
كما استحضرت الحركة مشاركتها في مرحلة ما
بعد ثورة 2011، مؤكدة أنها لعبت دوراً أساسياً في إنجاح الانتقال الديمقراطي، سواء
من خلال الفوز في أول انتخابات حرة بعد الثورة أو عبر المشاركة في الحوار الوطني
وصياغة دستور 2014.
وقالت إن قبولها نتائج انتخابات 2014
وتنازلها عن بعض المكاسب السياسية آنذاك كان دليلاً على التزامها بالديمقراطية
والتداول السلمي على السلطة.
تجديد وصف إجراءات 2021 بـ"الانقلاب"
وفي القسم السياسي من البيان، أعادت النهضة
التأكيد على موقفها الرافض للإجراءات التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد في 25 تموز/
يوليو 2021، والتي شملت تجميد عمل البرلمان قبل حله لاحقاً وإقالة الحكومة وإعادة
هندسة النظام السياسي.
وقالت الحركة إن توصيفها لما جرى باعتباره
"انقلاباً على الديمقراطية والدستور" أصبح، بحسب رأيها، أكثر رسوخاً بعد
مرور خمس سنوات، مشيرة إلى ما اعتبرته تقاطعاً بين موقفها ومواقف منظمات حقوقية
وهيئات أكاديمية وتقارير دولية انتقدت واقع الحقوق والحريات في تونس.
ورأت الحركة أن السنوات الخمس الماضية أفرزت
ما وصفته بسوء حوكمة الدولة وشلل مؤسساتها، معتبرة أن السلطات باتت متمركزة في يد
شخص واحد دون رقابة مؤسساتية فعالة.
وقالت إن البرلمان فقد دوره الرقابي
والتشريعي الحقيقي، بينما تراجعت استقلالية القضاء، وأصبحت المراسيم الرئاسية تحل
محل الآليات التشريعية الطبيعية.
كما اتهمت السلطة بإقصاء الكفاءات واعتماد
معيار الولاء السياسي في إدارة الدولة، وهو ما قالت إنه أدى إلى حالة من الجمود
الإداري والمؤسساتي.
ملف المعتقلين السياسيين
وتوقفت النهضة عند ما وصفته بتصاعد وتيرة
القمع السياسي، مشيرة إلى وجود مئات المعتقلين من سياسيين وقضاة ومحامين وصحفيين
وناشطين.
وأفرد البيان حيزاً خاصاً لوضع رئيس الحركة،
راشد الغنوشي، مؤكداً أن الأحكام الصادرة بحقه ذات خلفية سياسية، وأنها تندرج ضمن
ما تعتبره الحركة استهدافاً ممنهجاً للمعارضة.
وقالت إن المناخ العام في البلاد بات يتسم
بالخوف والتضييق على حرية التعبير والعمل السياسي.
وفي الملف الحقوقي، اعتبرت الحركة أن تونس
شهدت تراجعاً ملحوظاً في مؤشرات الحريات العامة خلال السنوات الأخيرة.
وأشارت إلى تراجع ترتيب البلاد في المؤشرات
الدولية المتعلقة بحرية الصحافة، وإلى ما وصفته بتضييق متزايد على منظمات المجتمع
المدني والحقوقيين، محذرة من أن هذه التطورات تعكس انحداراً نحو الحكم الاستبدادي.
أزمة اقتصادية متفاقمة
اقتصادياً، رسم البيان صورة قاتمة للأوضاع
المالية والاقتصادية، مشيراً إلى ارتفاع الدين العمومي، وتعثر المفاوضات مع
المؤسسات المالية الدولية، وتراجع الاستثمارات الأجنبية.
وربطت الحركة بين الأزمة الاقتصادية الحالية
وبين غياب الإصلاحات السياسية والمؤسساتية، معتبرة أن فقدان الثقة في بيئة الأعمال
وفي استقرار القوانين والسياسات العمومية ساهم في تعميق الصعوبات الاقتصادية.
وأضافت أن المواطن التونسي بات يواجه بشكل
يومي تداعيات الأزمة من خلال ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتدهور
الخدمات العامة.
الهجرة ونزيف الكفاءات
كما حذرت الحركة من تفاقم ظاهرة الهجرة غير
النظامية، معتبرة أنها أصبحت مؤشراً على تنامي الإحباط لدى فئات واسعة من الشباب.
وقالت إن تونس تشهد نزيفاً مستمراً للكفاءات
والخبرات المهنية والأكاديمية، في وقت تتزايد فيه معدلات البطالة وتتراجع الآمال
بتحسن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وخصص البيان قسماً كاملاً لما وصفه
بـ"المخاطر الكبرى" التي تواجه البلاد، محدداً خمسة تهديدات رئيسية.
أول هذه المخاطر يتمثل، بحسب الحركة، في
تآكل شرعية الدولة نتيجة إضعاف المؤسسات وتحويلها إلى أدوات لخدمة السلطة
التنفيذية.
أما الخطر الثاني فهو احتمال حدوث انفجار
اجتماعي نتيجة تراكم الأزمات المعيشية وتدهور الخدمات وارتفاع نسب البطالة والفقر.
وحذرت النهضة كذلك من احتمال تعرض البلاد
لأزمة مالية أعمق قد تؤثر على قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية.
كما اعتبرت أن استمرار الانغلاق السياسي قد
يفتح الباب أمام تنامي التطرف والعنف، مستشهدة بتجارب تاريخية ربطت بين القمع
السياسي وتنامي النزعات الراديكالية.
وفي البعد الإقليمي، حذرت الحركة من أن أي
اضطراب كبير في تونس ستكون له انعكاسات على الضفة الشمالية للمتوسط، وخاصة في
ملفات الهجرة والأمن والاستقرار الإقليمي.
دعوة إلى الإفراج عن المعتقلين وحوار وطني
شامل
وفي ختام بيانها، أكدت النهضة تمسكها بما
وصفته بالنضال السلمي والمدني لاستعادة المسار الديمقراطي، داعية إلى الإفراج
الفوري عن جميع المعتقلين السياسيين وإعادة استقلالية القضاء وضمان المحاكمات
العادلة.
كما دعت إلى إطلاق حوار وطني واسع يضم مختلف
القوى السياسية والاجتماعية دون إقصاء، بهدف التوصل إلى عقد سياسي واجتماعي جديد
يعيد بناء الثقة ويؤسس لإصلاحات سياسية واقتصادية شاملة.
واقترحت الحركة، ضمن رؤيتها للخروج من
الأزمة، إطلاق إصلاحات اقتصادية هيكلية، وتحسين مناخ الاستثمار، ومعالجة ملف الدين
العام، واستعادة الكفاءات المهاجرة، إلى جانب تطوير الخدمات العمومية ومكافحة
الفساد الإداري.
ويأتي بيان الذكرى الخامسة والأربعين لحركة
النهضة في ظل استمرار حالة الاستقطاب السياسي في تونس، وتواصل الجدل الداخلي
والخارجي بشأن حصيلة المسار الذي بدأه الرئيس قيس سعيّد في صيف عام 2021، وسط
تباين حاد بين أنصار السلطة ومعارضيها حول مستقبل التجربة السياسية التونسية.
اظهار أخبار متعلقة