طائرات هورنت الأوكرانية.. سلاح يهدد العمق الروسي ويعيد صياغة قواعد الاشتباك

تبلغ تكلفة طائرة هورنت نحو 5 آلاف دولار فقط- البنتاغون
تبلغ تكلفة طائرة هورنت نحو 5 آلاف دولار فقط- البنتاغون
شارك الخبر
برزت طائرات "هورنت" المسيرة الأوكرانية خلال عامي 2025 و2026 كواحدة من أهم الوسائل الهجومية التي تعتمد عليها أوكرانيا في استهداف قوات الجيش الروسي وخطوط إمداده على مسافات بعيدة خلف الجبهة.

وتعتبر هذه الطائرات جيل جديد من الذخائر الجوالة أو المسيرات الانقضاضية التي تجمع بين المدى التشغيلي الكبير، والتكلفة المنخفضة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي التي تسمح لها بالعثور على الأهداف وضربها بصورة شبه مستقلة.

ويرى محللون عسكريون أن انتشار هذه الطائرات قد يغير طبيعة العمليات العسكرية، من خلال توسيع نطاق بنك الأهداف العسكرية وتحويل المناطق الخلفية إلى مسرح عمليات معرضة للاستهداف بدقة عالية.

سلاح جديد يعتمد على الذكاء الاصطناعي

وتتميز طائرةالهورنت، التي يطلق عليها "المريخي-2"، بأنها ليست طائرة رباعية المراوح أو من فئة "FPV" التقليدية، بل هي ذخيرة جوالة انتحارية ثابتة الجناحين "إحادية الاتجاه" تعمل وفق مخطط الطائرة التقليدي، إذ ترتفع سرعتها ثم تنقض على الهدف من الأعلى.

وتنتج هذه الطائرة شركة "Swift Beat LLC" الأمريكية المملوكة للمدير التنفيذي السابق لشركة "غوغل"، إريك شميدت، والتي تزود أوكرانيا بأنظمة الطائرات المسيّرة.

وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد أعلن العام الماضي أن بلاده تتوقع الحصول على مئات الآلاف من الطائرات المسيرة من الشركة بموجب اتفاقية تعاون مبرمة بين الجانبين.

ويصف العقيد الروسي المتقاعد ميخائيل خوداريونوك طائرة هورنت بأنها أول فئة من سلسلة جديدة من الطائرات المسيرة التي لا تحتاج إلى توجيه يدوي كامل حتى لحظة إصابة الهدف، يشبه تصميمها طائرة صغيرة ذات جناح مستقيم وجسم أسطواني انسيابي مزودة بمروحة دافعة خلفية، بحسب ما أورد عنه موقع "gazeta" الروسي.

وتشمل مواصفاتها الرئيسية وزنا إجماليا يبلغ نحو 15 كيلوغراما، ورأسا حربيا يصل إلى خمسة كيلوغرامات يمكن تزويده بشحنات شديدة الانفجار أو تشظية أو جوفاء، فيما يتراوح مداها بين 100 و150 كيلومترا وفق بعض التقديرات، أو بين 145 و150 كيلومترا وفق مصادر أخرى.

كما تبلغ سرعة التحليق بين 100 و120 كيلومترا في الساعة، وترتفع أثناء الانقضاض إلى ما بين 200 و300 كيلومتر في الساعة.


Image1_620266112220990476622.jpg

وتعتمد الطائرة على محرك كهربائي شبه صامت مع مروحة دافعة خلفية، ويتم إطلاقها بواسطة أداة ميكانيكية دافعة تعمل بطريقة بدائية كـ"المنجنيق".

أما منظومة التوجيه فتجمع بين المستشعرات البصرية الإلكترونية وتقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على البحث الذاتي عن الأهداف والتعرف على بصماتها وتثبيتها دون تدخل مباشر من المشغل.

وتستخدم الطائرة نظام ملاحة مدمجًا يجمع بين "GPS" والقياس القصور الذاتي والبصري، ما يسمح لها بمواصلة المهمة حتى عند التشويش على إشارات الأقمار الصناعية.

السعر هو الأرخص مقارنة بغيرها

وبحسب الموقع الروسي ذاته، تبلغ تكلفة الطائرة الواحدة نحو خمسة آلاف دولار فقط، ويقول النائب الأوكراني السابق أوليغ تساريوف إن هذا السعر يعد منخفضا للغاية مقارنة بالذخائر الجوالة المماثلة، إذ يقل بنحو عشرة أضعاف عن بعض النظم المنافسة، بما فيها الروسية.

وأضاف أن تصنيعها يعتمد على مكونات مدنية متوافرة من عشرات المصانع حول العالم، دون الحاجة إلى تقنيات عسكرية سرية أو استثمارات ضخمة في البحث والتطوير.

كيف تعمل ولماذا يصعب اعتراضها؟

يمثل الذكاء الاصطناعي العنصر الأكثر تميزا في هذه الطائرة، إذ لا يحتاج المشغل إلى قيادتها بصورة مستمرة لتجاوز الوسائل الاعتراضية للخصم.

وبعد وصولها إلى المنطقة المحددة مسبقا، تقوم أنظمتها الإلكترونية بتحليل صور الأرض واكتشاف الأهداف وتصنيفها اعتمادا على خصائصها المميزة، مثل شكل المركبات العسكرية، ثم المساعدة في توجيه الضربة نحو الهدف المختار.

كما تتميز طائرة الهورنت ببصمة صوتية وحرارية منخفضة مقارنة بطائرات "غيران" أو الصواريخ النفاثة، فالمحرك الكهربائي يكاد يكون صامتا ويولد حرارة أقل بكثير، بينما يساهم حجمها الصغير واستخدام المواد المركبة في تقليل فرص اكتشافها بواسطة الرادارات الميدانية.

ويؤكد خوداريونوك أن هذه الخصائص تجعل منها سلاحا "خطيرا جدا" وواعدا، خاصة أنها تتمتع أيضا بمقاومة عالية للتشويش بفضل منظومة الملاحة المدمجة التي تمكنها من الاستمرار في تنفيذ المهمة حتى في حال فقدان إشارات الأقمار الصناعية أو تقييدها بشكل كبير.

وأشار المراقب العسكري الروسي إلى وجود تشابه بينها وبين الطائرة الروسية المسيرة "V2U"، التي تنتمي بدورها إلى فئة الطائرات ثابتة الجناحين المصنوعة من البلاستيك ويبلغ وزنها نحو 15 كيلوغراما.
استهداف العمق الروسي وتغيير قواعد المعركة

اظهار أخبار متعلقة



ومنذ ربيع عام 2026 بدأ الجيش الأوكراني استخدام طائرات الهورنت ضد أهداف تقع في العمق الروسي أو الأراضي الخاضعة لسيطرتها.

وفي الثالث من حزيران/ يونيو بمدينة يناكييفو في دونيتسك، حيث تعرضت حافلة ركاب كانت تعمل على خط موسكو سيمفيروبول لهجوم بطائرة مسيّرة أدى إلى مقتل ثمانية أشخاص وإصابة 11 آخرين.

وعثر على كتابات أجنبية على حطام الطائرة، فيما رجح المحلل العسكري أليكسي رام أن تكون طائرة هورنت قد استخدمت في الهجوم.

ويرى خوداريونوك أن هذه الطائرات قادرة على إبقاء المناطق الخلفية الروسية تحت التهديد حتى عمق يصل إلى 150 كيلومترا، بما يشمل العقد اللوجستية في دونيتسك ولوغانسك، وأهدافا في مقاطعتي زابوروجيه وخيرسون وشبه جزيرة القرم، إضافة إلى مناطق بيلغورود وبريانسك وكورسك.

في المقابل، يشير تقرير لمجلة "فوربس" إلى طائرة الهورنت أن أصبحت جزءا من استراتيجية أوسع تستهدف المنظومة القتالية الروسية بكاملها، وليس فقط القوات المنتشرة على خطوط المواجهة، فبدلا من التركيز على الجنود والأسلحة في الخطوط الأمامية، يجري توجيه الضربات إلى قوافل الوقود ومستودعات الذخيرة ومراكز القيادة ومنظومات الدفاع الجوي وشبكات النقل الواقعة على عمق يتراوح بين 30 و120 كيلومترًا خلف الجبهة.

وخلال صيف 2025، أطلق جنودا أوكرانيون في مركز قيادة متقدم بمقاطعة خاركيف طائرات مسيّرة مزودة بالذكاء الاصطناعي، حيث تولت الطائرات تثبيت الأهداف بنفسها خلال المرحلة النهائية للهجوم قبل إصابتها.

ونقلت "فوربس" عن هيورهي فولكوف، قائد وحدة "ياسني أوتشي" للطائرات المسيّرة التابعة للواء "خارتييا" الثالث عشر، قوله إن التكنولوجيا أعادت تشكيل ساحة المعركة بالكامل، موضحًا أن الأنظمة الجديدة تجمع بين الاستهداف الذاتي والاتصالات المتقدمة والبرمجيات التي يجري تطويرها باستمرار اعتمادًا على خبرات الميدان.

وأضاف أن خدمة ستارلينك أصبحت عنصرا أساسيًا في هذه المنظومة، إذ تسمح بالحفاظ على الاتصال بالطائرات المسيّرة ونقل الفيديو والتنسيق بين الوحدات حتى في ظل التشويش الروسي، وعندما تقترب الطائرة من هدفها، تتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي عملية التوجيه النهائي، ما يقلل من فعالية الحرب الإلكترونية خلال الثواني الأخيرة قبل الاصطدام.

توسع الاستخدام الأوكراني وتبني الجيش الأمريكي

أعلن الرئيس فولوديمير زيلينسكي في الخامس من أيار/ مايو، أن عدد الضربات متوسطة المدى التي تنفذها كييف على مسافات تتجاوز 20 كيلومترًا تضاعف مرتين مقارنة بشهر آذار/ مارس، وأربع مرات مقارنة بشهر شباط/ فبراير.

ونقلت المجلة أيضا عن أندري بيليبينكو من الكتيبة 419 للأنظمة غير المأهولة قوله إن الأنظمة الأوكرانية المطورة محليًا تمنح كييف حرية أكبر في التخطيط للعمليات مقارنة ببعض المعدات الغربية التي تخضع لقيود تشغيلية محددة.

بدوره، أوضح دميترو بوتياتا من اللواء العشرين للأنظمة غير المأهولة لـ"فوربس" أن أوكرانيا تركز بصورة متزايدة على استهداف العمق العملياتي لساحة المعركة، معتبرا أن الخدمات اللوجستية الروسية تمثل نقطة ضعف رئيسية يجري استغلالها بصورة متنامية.

اظهار أخبار متعلقة



ويرى رئيس المركز الأوكراني للأمن والتعاون سيرهي كوزان أن هذه الاستراتيجية تعكس اعتماد أوكرانيا على عدم التماثل والتفوق التكنولوجي في مواجهة خصم أكبر يمتلك قدرات نووية.

وفي الوقت نفسه، بدأت طائرات الهورنت تجذب اهتمامًا متزايدًا داخل حلفاء أوكرانيا، فقد أفاد موقع "Defence Blog" بأن الجيش الأمريكي يستخدم هذه الطائرات في تدريبات عسكرية بأوروبا بعد إثبات فعاليتها القتالية في أوكرانيا.

وشملت التدريبات عمليات إطلاق نفذها جنود السرب الثاني التابع للفوج الثاني لسلاح الفرسان في منطقة بابراديه التدريبية بليتوانيا خلال مايو، كما استُخدمت الطائرات في منطقة بيموفو بيسكي ببولندا خلال مناورات Saber Strike 26، وفي قاعدة غرافنفور بألمانيا خلال مارس. ومن المقرر مواصلة استخدامها ضمن سلسلة تدريبات واسعة في أوروبا.

ويشير انتشار الطائرة في عدة دول أوروبية خلال الفترة التدريبية نفسها إلى أنها لم تعد مجرد نظام قيد الاختبار، بل أصبحت جزءا من برامج التدريب العسكري على نطاق أوسع.

وسائل المواجهة الروسية ومستقبل الحرب

رغم التهديد الذي تمثله Hornet، يؤكد الخبراء الروس أن وسائل التصدي لها بدأت تدخل الخدمة. ويشير ميخائيل خوداريونوك إلى وجود طائرات اعتراضية مسيّرة مثل «يولكا» و«مولنيا» قادرة على مواجهة هذا النوع من الأهداف.

كما أعلن إيغور بوتابوف، الخبير في أنظمة الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والمتحدث باسم شركة "NPP"، أن أجهزة كشف جديدة دخلت الخدمة في منطقة العمليات العسكرية، وأصبحت قادرة على التعرف على طائرات الهورنت.

في المقابل، يرى محللون أوكرانيون وغربيون أن تأثير هذه الطائرات قد يتسع مع تطور قدراتها الذاتية وزيادة أعدادها، كتب المدون العسكري الروسي فلاديمير رومانوف أن طائرات الهورنت تعمل "دون عوائق" فوق بعض الطرق الرئيسية في المناطق المحتلة، مستهدفة شاحنات الوقود والمركبات العسكرية بعيدًا خلف الجبهة.

كما اعتبر روي غاردينر، المتخصص في استخبارات المصادر المفتوحة، أن Hornet تمثل جزءًا من توجه أوكراني أوسع لتوسيع منطقة الاستهداف خلف الجبهة عبر ضرب مستودعات الذخيرة والوقود ومراكز النقل والقيادة ومنظومات الدفاع الجوي قبل وصول القوات الروسية إلى مناطق الهجوم.

ورغم ذلك، يشدد المحللون بحسب "فوربس" على أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي تحديات ساحة المعركة، إذ ما زالت الحرب الإلكترونية والظروف الجوية والتكيف الروسي المستمر عوامل مؤثرة في فعالية هذه الأنظمة.

ويعتقد جورج باروس من معهد دراسة الحرب أن تصعيد استخدام الطائرات المسيّرة ضد طرق الإمداد الرئيسية قد يؤثر في مجمل مسرح العمليات الممتد بين القرم وجنوب أوكرانيا وميليتوبول وماريوبول ودونيتسك.

اظهار أخبار متعلقة



أما القلق الأكبر، وفق تقدير رومانوف ، يتعلق بالجيل المقبل من هذه الأنظمة، فكل مهمة تنفذها Hornet توفر بيانات إضافية لتطوير الشبكات العصبية المستخدمة في إدارتها، ما قد يسرّع ظهور طائرات أكثر استقلالية وقدرة على اتخاذ القرار.

ويختصر برايان بيكنز، المقاتل السابق في القوات الخاصة الأمريكية الذي خدم إلى جانب القوات الأوكرانية، هذا التحول بقوله إن التحكم اليدوي بطائرات FPV يشبه "البندقية القديمة"، بينما يتجه العالم نحو مرحلة يستطيع فيها مشغل واحد برمجة مئة طائرة مسيّرة في وقت واحد، وهو ما سيغير بصورة جذرية القوة التدميرية ومتطلبات القوى البشرية وقابلية البقاء في الحروب المستقبلية.

وبينما تسعى كييف إلى بناء جدار من الطائرات المسيّرة شبه المستقلة القادرة على اكتشاف القوات الروسية وتعقبها وضربها قبل وصولها إلى الجبهة، تواجه موسكو تحديا متزايدا يتمثل في تقلص عدد المناطق الخلفية التي يمكن اعتبارها بعيدة عن خطر الطائرات المسيّرة.
التعليقات (0)