أظهرت أزمة مضيق
هرمز الأخيرة كيف يمكن للممرات البحرية الضيقة أن تتحول إلى أدوات ضغط إستراتيجي تهدد
الاقتصاد العالمي، في ظل تصاعد التوتر بين
إيران والولايات المتحدة واتساع نطاق الصراع في المنطقة.
وجاء في تقرير لمجلة "فورين أفيرز" أنه في أواخر شباط/ فبراير، أقدم الحرس الثوري الإيراني على إغلاق مضيق هرمز، مهددا بإحراق أي سفينة تحاول العبور، قبل أن تنفذ طهران هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ مضادة للسفن وزراعة ألغام بحرية، ما أدى إلى خنق صادرات النفط من الشرق الأوسط ودفع أسعار الطاقة إلى مستويات مرتفعة.
ورغم أن استخدام الممرات المائية كورقة ضغط ليس أمرا جديدا، إذ سبق لبريطانيا أن استخدمت قوتها البحرية ضد إيران بعد تأميم النفط عام 1951، كما شهدت المنطقة “حرب الناقلات” في ثمانينيات القرن الماضي، إلا أن الأزمة الحالية كشفت أن إغلاق المضائق بات أسهل وأكثر خطورة بفضل التطور التكنولوجي.
وباتت دول أضعف قادرة اليوم على تعطيل الملاحة الدولية باستخدام وسائل منخفضة التكلفة نسبيا مثل الصواريخ الساحلية والطائرات المسيّرة والزوارق غير المأهولة والألغام، في وقت تتركز فيه التجارة والطاقة العالمية في عدد محدود من الممرات البحرية الضيقة، ما يضاعف أثر أي اضطراب محلي.
اظهار أخبار متعلقة
كما أبرزت الأزمة استعداد القوى الكبرى لتحمل كلفة اقتصادية واسعة وتجاوز بعض قواعد القانون الدولي المتعلقة بحرية الملاحة، خصوصا بعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، ثم تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض حصار على مضيق هرمز.
وأشار التقرير إلى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق كفيل برفع تكاليف التأمين البحري وإرباك أسواق الطاقة والسلع وتحويل مسارات الشحن، حتى دون تنفيذ إغلاق فعلي.
وحذر التقرير من أن تداعيات "تسليح المضائق" قد تكون أخطر في آسيا، حيث ترتبط الممرات البحرية هناك بسلاسل
التجارة العالمية والطاقة وأشباه الموصلات.
ويبرز مضيق ملقا بوصفه أحد أخطر نقاط الاختناق البحرية، إذ يمر عبره نحو 40 بالمئة من التجارة العالمية و80 بالمئة من واردات الصين النفطية، بينما يبلغ عرضه في أضيق نقطة نحو 1.5 ميل بحري فقط.
ورأى التقرير أن أزمة هرمز قد تدفع الصين إلى تسريع خططها لتقليل الاعتماد على مضيق ملقا عبر توسيع خطوط الأنابيب البرية وتطوير طرق شحن بديلة، بما في ذلك المسارات القطبية.
كما حذر من أن أي اضطراب في مضيق تايوان ستكون له تداعيات اقتصادية عالمية كارثية، نظرا لكون تايوان المنتج الأكبر للرقائق الإلكترونية المتقدمة، ما قد يؤدي إلى شلل في الصناعات التكنولوجية والدفاعية حول العالم.
اظهار أخبار متعلقة
وأوضح أن السيطرة على الممرات البحرية تمنح أفضلية عسكرية كبيرة، خصوصا في المضائق الضيقة، مشيرا إلى أن إيران أظهرت قدرتها على تعطيل قوة عسكرية متفوقة عبر استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ والزوارق السريعة والألغام.
وأضاف أن هذه التطورات عززت من أهمية إستراتيجيات “منع الوصول” التي تتبعها الصين، وكذلك مقاربة “القنفذ” الدفاعية التي تعتمدها تايوان، والقائمة على نشر أنظمة دفاعية متنقلة وموزعة.
وأشار التقرير إلى أن أي تعطيل للممرات الرئيسية سيدفع حركة الملاحة نحو ممرات ثانوية داخل الأرخبيل الإندونيسي، مثل مضيقي سوندا ولومبوك، ما يخلق نقاط ضعف جديدة ويزيد التنافس بين واشنطن وبكين للسيطرة على هذه الطرق البديلة.
وفي هذا السياق، كشف التقرير عن تحركات أمريكية وصينية متزايدة في المياه الإندونيسية، بينها اكتشاف جاكرتا مركبة بحرية غير مأهولة يُعتقد أنها صينية في مضيق لومبوك.
ودعا التقرير الولايات المتحدة وحلفاءها إلى تعزيز مراقبة الممرات البحرية وتطوير موانئ بديلة وتقليل الاعتماد العالمي على إنتاج أشباه الموصلات في تايوان، إلى جانب تنسيق عمليات بحرية مشتركة لحماية حرية الملاحة في أوقات الأزمات.
وأكد أن أزمة هرمز تشكل إنذارا حقيقيا لآسيا، محذرا من أن “تسليح” الممرات البحرية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية عالمية مدمرة إذا لم يتم الدفاع عن حرية الملاحة وحقوق العبور الدولية بشكل حازم.