كشفت صحيفة "التلغراف" البريطانية، عن اتهامات واسعة تتعلق باعتداءات جنسية مزعومة داخل دور
حضانة ومدارس ابتدائية في
باريس، إلى جانب اتهامات للأجهزة الإدارية بالتقاعس عن حماية الأطفال، واستمرار بعض المشتبه بهم في تقاضي رواتبهم رغم إيقافهم عن العمل.
ونقلت الصحيفة في
تقرير نشرته الأحد، عن جين البالغة من العمر 52 عاما، تفاصيل التغيرات التي طرأت على ابنها ذي الأعوام الأربعة، بعدما بدأ يعاني من نوبات غضب وبكاء يومي قبل الذهاب إلى المدرسة، إضافة إلى التبول على نفسه، قبل أن يخبرها ذات ليلة عن "سر" يتعلق بأحد العاملين في المدرسة.
وقالت الأم إن ابنها أخبرها بأن هناك صورا "لا يستطيع محوها من ذاكرته"، مضيفة: "قال لي مرتين وهو في السرير: أريد أن أموت".
وبحسب الصحيفة، جرى تقديم 15 شكوى تتعلق باغتصاب مزعوم بحق العامل نفسه، إلا أنه لم يمثل أمام المحكمة حتى الآن، كما لا يزال يتقاضى راتبه من بلدية باريس رغم إيقافه عن العمل.
وتحدثت سبع عائلات للصحيفة عن مزاعم إساءة داخل مدارس ودور حضانة في العاصمة الفرنسية، حيث قال أولياء أمور إن أطفالا تتراوح أعمارهم بين 3 و10 سنوات تعرضوا لاعتداءات جنسية وتهديدات بالعنف والحبس داخل غرف.
وأوضحت الصحيفة أن المتهمين ليسوا معلمين، بل "منشطون تربويون" يتولون رعاية الأطفال قبل وبعد الحصص الدراسية وخلال فترات الاستراحة.
وأضافت أن أقل من 20 بالمئة من هؤلاء العاملين يشغلون وظائف دائمة، بينما يتقاضى بعضهم أجورا منخفضة تصل إلى 12 يورو في الساعة، وهم يتبعون للبلدية وليس لوزارة التعليم.
وفي ظل تصاعد الضغوط، أقر عمدة باريس الاشتراكي الحالي إيمانويل غريغوار بوجود "خطر ممنهج" يهدد الأطفال، مشيرا إلى إيقاف 78 شخصا عن العمل بين كانون الثاني/ يناير ونيسان/ أبريل، بينهم 31 للاشتباه بارتكابهم اعتداءات جنسية، بينما قالت النقابات إن العدد تجاوز 100 شخص.
كما تحدثت مانون، البالغة من العمر 36 عاما، عن ابنتيها اللتين كانتا في الثالثة والخامسة من العمر، بعدما أخبرتا والديهما عن عامل في مكتبة الحضانة كان يقرأ لهما قصصا مخيفة ثم "يداعبهما" لتهدئتهما.
وقالت مانون إن ابنتيها أوضحتا لها أن الرجل كان يلمس أعضاءهما التناسلية، مضيفة أنه علمهما أغنية تتضمن عبارات وإشارات جنسية ضمن ما وصفه بـ"اللعبة".
وأشارت إلى أنها وزوجها سجلا شهادتي الطفلتين بشكل منفصل، حيث رددتا الكلمات ذاتها، ما ساهم في فتح القضية وإيقاف العامل، لكن الإجراءات القضائية بقيت بطيئة.
وبعد مرور عامين على كشف الواقعة، لم تتبلغ العائلة بعد بما إذا كانت ابنتاهما ستعتبران رسميا من الضحايا المحتملين، فيما طالب 20 من أولياء الأمور بتوجيه اتهامات إلى أمين المكتبة.
اظهار أخبار متعلقة
وفي واقعة أخرى، كشفت طفلة تبلغ من العمر 3 سنوات لوالدتها ماري أن عاملين، رجلا وامرأة، كانا يعتديان عليها وعلى أطفال آخرين داخل المدرسة.
وقالت ماري إن ابنتها شرحت لها كيف كان العاملان يعتديان بطريقة غير أخلاقية، مضيفة أن الطفلات تحدثن أيضا عن تهديدات بالقتل لإجبارهن على الصمت.
وأكدت الصحيفة أن 16 شكوى قُدمت ضد العاملين، وقد أوقفا عن العمل بينما لا يزال التحقيق جاريا، رغم استمرار صرف رواتبهما.
واتهم أولياء الأمور الجهات المسؤولة داخل البلدية ووزارة التعليم وإدارات المدارس بتبادل المسؤوليات والتهرب من اتخاذ إجراءات حاسمة عند الإبلاغ عن الانتهاكات.
وأشارت ماري إلى غياب الشفافية وعدم وجود بروتوكولات واضحة للإبلاغ، مضيفة أن الأهالي لم يكونوا يعلمون حتى من يتعامل مع أطفالهم يوميا.
وتحدث التقرير عن ضعف إجراءات التدقيق الأمني للعاملين في المدارس، موضحا أن السلطات تتحقق فقط من السجل الجنائي وسجل مرتكبي الجرائم الجنسية، بينما لا تظهر الشكاوى التي لم تؤد إلى إدانات قضائية.
وفي تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، تمكنت صحفية من إذاعة RTL من الحصول على وظيفة "منشطة تربوية" قرب باريس خلال أقل من عشر دقائق باستخدام سيرة ذاتية مزيفة، ومن دون أي مؤهلات أو تدقيق في السجل الجنائي.
كما كشفت الصحيفة عن تحركات سابقة لناشطين ومنظمات، بينها منظمة "SOS Périscolaire"، التي سجلت نحو 600 حالة على مستوى فرنسا، وحركة "MeTooEcole" التي أثارت القضية مجددا خلال الأشهر الماضية.
وفي كانون الثاني/ يناير، بث برنامج "كاش إنفستيغيشن" على قناة "فرانس 2" لقطات صورها صحفي متخف داخل إحدى الحضانات في باريس، أظهرت اعتداءات لفظية يومية وما وصفه محام لعائلات بأنه اعتداءات جنسية.
وأدى بث الحلقة إلى إيقاف 12 عاملا عن العمل، بينهم 7 للاشتباه بارتكابهم عنفا جنسيا، فيما سحبت نحو 50 عائلة أطفالها من الحضانة.
اظهار أخبار متعلقة
كما عادت القضية إلى الواجهة بعد وصول ملف أحد "المنشطين" السابقين إلى المحكمة، حيث يواجه نيكولا ج، البالغ من العمر 47 عاما، اتهامات بالتحرش والاعتداء على فتيات في العاشرة من العمر، بينما ينفي جميع الاتهامات.
وتحدثت بولين، والدة إحدى الفتيات، عن شكاوى تتعلق بـ"عناق غير رضائي" وتعليقات ذات طابع جنسي، مؤكدة أن الأطفال هم من بادروا بالإبلاغ عن العامل.
ومن المقرر أن يصدر الحكم في القضية بتاريخ 16 حزيران/ يونيو، بعدما طالبت النيابة العامة بسجن المتهم 18 شهرا مع وقف التنفيذ.
وفي قضية أخرى، يواجه عامل يبلغ من العمر 35 عاما اتهامات بالاعتداء الجنسي على سبعة أطفال تتراوح أعمارهم بين 3 و5 سنوات داخل غرفة الإسعافات الأولية في مدرسة مجاورة.
وقالت جولييت، والدة إحدى الضحايا المحتملات، إن ابنتها بدأت تعاني من الحزن والتبول في الفراش ورفض الطعام والاستحمام، قبل أن تلمح بطريقة غير مباشرة إلى تعرضها للاعتداء.
وأشارت إلى أن العامل كان موضوع شكوى منذ أيلول/ سبتمبر 2024، لكن مسؤولة البلدية لم تحل الملف إلى النيابة العامة، بل نقلته إلى صف ابنتها، حيث استمر بالعمل لسبعة أشهر إضافية.
كما كشف والد آخر يدعى إدوارد أن أحد العاملين الذين واجهوا شكاوى متعددة نقل إلى مدرسة أخرى بعد إيقافه، قبل تسجيل شكاوى جديدة بحقه خلال ثلاثة أيام فقط.
وأكد إدوارد أن ابنته تغير سلوكها بالكامل بعدما تعرضت، بحسب قوله، لتصرفات غير لائقة من إحدى العاملات، مشيرا إلى أنها عادت إلى طبيعتها بعد إخراجها من المدرسة.
وفي مواجهة الغضب الشعبي، أعلن غريغوار بعد انتخابه خطة بقيمة 20 مليون يورو تتضمن تدريبات سنوية للعاملين، وإحالات تلقائية إلى النيابة العامة، ومنع بقاء البالغين منفردين مع الأطفال، إضافة إلى عمليات تفتيش مفاجئة وتدقيق مستقل.
كما تعهدت نائبة رئيس البلدية لشؤون المدارس آن-كلير بو بمواصلة سياسة الإيقاف الاحترازي للعاملين المشتبه بهم.
اظهار أخبار متعلقة
ورغم الترحيب الحذر بالإجراءات الجديدة، أكد أولياء الأمور أنهم يريدون "أفعالا لا وعودا"، مطالبين بمحاسبة المسؤولين الذين تجاهلوا التحذيرات، وإجراء تدقيق شامل في جميع مدارس باريس البالغ عددها 620 مدرسة.
وأشارت إحدى الناشطات من حركة "MeTooEcole" إلى أن: "هذه فضيحة دولة، وأعتقد أننا فقط في البداية".