تصدير:
"فشلنا ثم عجزنا.. ألم يحن الوقت للرحيل جميعا؟" (تصريح لصلاح الدين
السالمي الأمين العام الجديد لاتحاد الشغل بتاريخ 28 كانون الأول/ ديسمبر 2024)
رغم
تاريخ الاتحاد الحافل بالصّراع بين مكوناته الأيديولوجية المختلفة والتشكيك
الممنهج في وطنية الخصوم وديمقراطيتهم وانحيازهم الحقيقي لمصالح العمّال، فإن ما ميّز
صعود القيادة الجديدة في هذا السياق المأزوم نقابيا ووطنيا وإقليميا هو تواطؤ
الكثير من الشخصيات المحسوبة على "العائلة الديمقراطية" -أي القوى التي
تتعرف ذاتيا بمشروعها "الوطني" المعادي للإسلام السياسي- على مهاجمتها
قبل استلام مهامها ودون إعطائها أي مهلة لتقييم أدائها. فهذه القيادة هي حسب من
يمكن أن نسميهم بـ"سدنة النمط المجتمعي
التونسي" -أي النمط المجتمعي
الفرنسي المُتونس حسب احتياجات منظومة الاستعمار الداخلي ونواتها الصلبة- هي قيادة
"خوانجية" تعبّر عن اختراق حركة النهضة وائتلاف الكرامة للمنظمة
العمّالية.
في
مقابل هذا الرأي نجد عند "منبوذي النمط"، أي القوى السياسية التي لم
يعترف بها "الديمقراطيون" جزءا من عائلتهم الديمقراطية
"المتخيلة" وعاملوهم كما يعامل الهندوس طبقة المنبوذين في الهند، خاصة
قواعد حركة النهضة وحلفائها، ميلا إلى الاحتفاء بتحجيم دور اليسار الوظيفي -بجناحيه
القومي والماركسي- داخل المركزية النقابية دون أن تبلغ بهم الحماسة حد اعتبار
القيادة الجديدة حليفا موضوعيا لهم في صراعهم ضد منطق "البديل المطلق"
الذي تتبناه السلطة القائمة تجاه كل الأجسام الوسيطة.
السقف الأعلى للمركزية النقابية حاليا هو الاكتفاء بالمربّع الاجتماعي دون أن تطمح إلى دور الشريك الاجتماعي الحقيقي، ودون أن تفكّر في تحريك "الماكينة" لابتزاز السلطة أو لدعم خصومها وإن كانوا من" العائلة الديمقراطية"
أمّا
أنصار "تصحيح المسار" فإن الواقعية السياسية قد فرضت عليهم الاكتفاء
بالضغط المسبق على القيادة الجديدة للاتحاد كي تلتزم بالمربّع الاجتماعي، وتتخلى
عن سردية "الدور الوطني" الذي يتداخل مع السياسة ويشغّب على عمل السلطة
من جهة أولى، ويخدم خصومها من جهة ثانية. وسنحاول في هذا المقال أن نفكك الخطابات
الثلاث التي سبق ذكرها وأن نستشرف أداء المركزية النقابية الجديدة في ظل الأزمة
المفتوحة بين مكوناتها (أزمة بينية داخلية)، وبينها وبين الحكومة ومكونات المعارضة
الراديكالية والموالاة النقدية المتشكلة من اليسار الوظيفي وأغلب مناطق
نفوذه/حصونه المتقدمة فيما يُسمّى بالمجتمع المدني.
للوقوف
على الشحنة الدلالية لوصم "خوانجي" في السياق التونسي الحالي، فإن علينا
أن نرجع إلى تاريخ استعمال هذا الوصم دون أن نقف عنده. فـ"الخوانجية" في
عهد المخلوع هم أولئك "الخُمينيون" الذين ناصروا إيران وثورتها
الإسلامية، وهم أهم مكوّن من مكوّنات "القوى الظلامية والرجعية" -بل
"الحركات الإرهابية"- المهددة للنمط المجتمعي التونسي ومكاسبه، خاصة
فيما يتصل بالحريات الفردية وحقوق المرأة. إنهم "الخارج/الشر المطلق"
الذي يحدد تعريف المجتمعَ التونسي وقواه "الوطنية"، "الديمقراطية"،
"الحداثية"، "التنويرية"، "التقدمية"؛ بصرف النظر
عن خلفياتها الأيديولوجية وصرعاتها البينية، بل بصرف النظر عن علاقة التعامد
الوظيفي الذي يربطها بمنظومة الاستعمار الداخلي وواجهاتها السياسية قبل الثورة
وبعدها.
لكنّ
"الخوانجية" في سرديات أغلب "الحداثيين" هم كل ذلك وأكثر:
إنهم خطيئة "الانتقال الديمقراطي" الذي أظهر حقيقة وزن
"الحداثيين" اجتماعيا وفضح كل ادعاءاتهم في تمثيل عموم المواطنين
وإرادتهم الحرة، بل إنهم المرآة التي كشفت فشل مشروع "التحديث" أو
"التغريب" أو "التنوير" أو "التحرير"، ووضعت
أساطيره التأسيسية و"رموزه الوطنية" موضع التشكيك والمساءلة، والأخطر من
ذلك أنها هددت وجوديّا المكانةَ الاعتبارية والامتيازات المادية للنخب الوظيفية
التقليدية، سواء داخل منظومة الحكم أو في ملحقاتها وهوامشها المدنية والإعلامية
والثقافية، لأنها تبشر بظهور نخبة بديلة ذات مرجعية أيديولوجية مختلفة.
إن
وصم القيادة النقابية الجديدة بـ"الخوانجية" لا يهدف فقط إلى
"ابتزاز" هذه القيادة وإضعاف قدرتها التفاوضية داخل المنظمة وخارجها، بل
يروم أيضا تقديم خدمات للسلطة القائمة وتقوية موقفها في حال أرادت تحويل الملف
النقابي إلى ملف أمني-قضائي كما فعلت مع الكثير من الأجسام الوسيطة. وبحكم
علاقاتها الخارجية المشبوهة منذ المرحلة التأسيسية، فإن هذا الوصم يتجاوز التوظيف
الداخلي ليفيض على استراتيجيات إقليمية ترى في "الإخوان" عدوها الأعظم.
وهي عداوة لا يمكن فصلها عن احتياجات المشروع الصهيوني في الداخل الفلسطيني (نزع
الشرعية عن حماس باعتبارها حركة إخوانية) وفي المنطقة (تجريم الإخوان في دول الطوق
وأبعد منها باعتبار الامتداد الشعبي للحركات الإخوانية وما يمثله من تهديد
للكيان)، كما أن هذه العداوة هي رسالة طمأنة -أو عرض خدمات- لمحور التطبيع
والثورات المضادة الذي يشترك مع الصهيونية في محاربة الإخوان، وهو ما جعلهما
يتقاطعان موضوعيا واستراتيجيا مع النخب الوظيفية التي تتولّى كبر مهاجمة القيادة
الجديدة للاتحاد في إطار مشروعها السياسي الأصلي: ضرب أي مشروع ديمقراطي أو مشروع
تحرر وطني يتخلص من منظومة الاستعمار الداخلي، وبالتالي ينهي الحاجة إلى الوظيفيين
الذين يتولون مهمة حراسته الأيديولوجية.
بحكم
"السيولة الأيديولوجية" للسرديات الوظيفية وبراغماتية حملتها فإنها
تتداخل بالضرورة مع السردية السلطوية، رغم أنّ هذه السردية -أي سردية تصحيح
المسار- تكتسب شرعيتها من التقابل الفكري والموضوعي معهم. فإذا كان تصحيح المسار
قد بشّر بظهور نخبة بديلة تتولى إدارة مشروع الرئيس فإنه واقعيا لم يفعل أكثر من
إعادة تدوير النخب التجمعية واليسارية الوظيفية داخل أجهزة الدولة وخارجها. ونحن
هنا لا نشكك في نية الرئيس ولا في صدقه، بل نصف عجزه في إدماج تلك "النخبة
البديلة" داخل مراكز القرار بحكم نجاح مشروعه السياسي على قاعدة التعامد
الوظيفي مع منظومة الاستعمار الداخلي، وهي وضعية تجعل القرار النهائي واقعيا في
يدي المنظومة وليس في يدي الرئيس مهما كانت صلاحياته الدستورية نظريا. ولذلك فإن
المتنادين بـ"تَخونج" القيادة النقابية الجديدة يتقاطعون موضوعيا مع
أنصار الرئيس، لأنهم في جوهر وظيفتيهم أنصارٌ لمنظومة الاستعمار الداخلي التي حكمت
تونس قبل الثورة وبعدها بصرف النظر عن الواجهات السياسية للحكم.
إذا
كان الكثير من الوظيفيين في "الموالاة النقدية" يهاجمون القيادة
النقابية الجديدة لضبط مساحة حركتها، سواء في مستوى العلاقة باليسار الوظيفي داخل
الاتحاد أو في أجهزة الدولة وملحقاتها "المدنية"، وكذلك لمنع أي التقاء
مع حركة النهضة وباقي مكونات المعارضة الراديكالية، فإن أنصار "تصحيح
المسار" لا يمكن أن يقبلوا بعمل نقابي خارج "المعيارية" التي طبعت
وظيفيته زمن "صانع التغيير"، أي خارج علاقة التبعية للسلطة التنفيذية
التي طبعت علاقته بالنظام في عهد المخلوع. وإذا كان النظام الحالي خُلوا من "الشُّعب المهنية"، فإن على
النقابيين استصحاب عقلية تلك الشُّعب وبيانات مركزيتها النقابية المبايعة للرئيس
والمنادية بـ"رفع التحديات" معه. وعلى النقابة أن تبرأ من سردية
"الدور الوطني" الذي أسنده لها المخلوع في ظل تسويات وترضيات لا مكان
لها في السياق الحالي.
إنّ
السقف الأعلى للمركزية النقابية حاليا هو الاكتفاء بالمربّع الاجتماعي دون أن تطمح
إلى دور الشريك الاجتماعي الحقيقي، ودون أن تفكّر في تحريك "الماكينة"
لابتزاز السلطة أو لدعم خصومها وإن كانوا من" العائلة الديمقراطية". ففي
أفضل الحالات ستمنّ السلطة على الاتحاد بعدم فتح ملفات قياداته وجعل ملف
"الفساد" ملفا نقابيا داخليا. ونحن نستبعد أن تتراجع السلطة في قراري
إلغاء التفرغ النقابي والاقتطاع الآلي لفائدة الاتحاد على الأقل في المدى المنظور،
ولكننا لا نقول باستحالة التراجع عن ذينك القرارين في أي تسويات ممكنة مع الاتحاد
مقابل خدمات نقابية قد تحتاجها السلطة في المستقبل.
على
افتراض أن القيادة الحالية للاتحاد أقلُّ تأدلجا من القيادة السابقة، فإن السؤال
الذي يثيره رأي المحتفين بـ"نكبة الوطد" وغيره من مكوّنات اليسار
الوظيفي داخل المركزية النقابية هو التالي: هل إن "البراغماتي" أو
"الانتهازي" أو "البيروقراطي" أقل وظيفية من المؤدلج؟ إنه
سؤال يبدو أن أصحاب ذلك الموقف الاحتفائي لم يفكروا فيه جيدا، بل إن هؤلاء لم
يفكروا في طرح أسئلة أخرى لعل أهمها هو التالي : هل إن مغادرة
"المؤدلجين" للمركزية النقابية يعني فقدانهم القدرة على التأثير في
صناعة القرار المركزي والقطاعي؟ هل إن هؤلاء قد أزيحوا فعلا عن مراكز القرار، أم
إن تنظيماتهم الحزبية ومجاميعهم الأيديولوجية قد اختارت الانسحاب المؤقت عن صدارة
المشهد بحكم السياق الحالي حتى يتمكنوا من إعادة التموقع في صورة إعادة هندسة
المشهد الوطني سواء داخل النظام الحالي أو غيره؟
القيادة المركزية الجديدة للاتحاد قد ورثت تركة ثقيلة ستحصر سقف تحركها في ملفاتها الداخلية، وستجعل سردية "الدور الوطني" الذي يتجاوز المستوى المطلبي مجرد أثر بعد عين، وهو ما انعكس في البيان الأول للمكتب التنفيذي الصادر بتاريخ الفاتح من هذا الشهر
إن
اليسار الوظيفي لم يخسر الحرب حتى لو افترضنا أنه خسر هذه المعركة فهي خسارة لا
ينبغي أن تحجب عنا أنه ما زال يسيطر على مختلف مكونات المجتمع المدني والإعلام
والثقافة والتربية، وما زال أيضا موجودا داخل أجهزة السلطة ذاتها وفي السرديات
الدعائية لتصحيح المسار. بعيدا عن التسليم الجدلي بأنّ القيادة الجديدة غير مؤدلجة،
أو افتراض أن ما سيحدد خياراتها لن يكون هو الأيديولوجيات النسقية أو الأحزاب
السياسية اليسارية، فإننا نرجح أنها مجرد واجهة "لايت" أو ناعمة
للسرديات الوظيفية ذاتها. وحتى لو افترضنا جدلا أو اعتباطا بأنها قيادة خالية من
المحدد الأيديولوجي، فهل إن عدم التأدلج المفترض للقيادة النقابية الجديدة هو مصدر
قوة لها أم هو "كعب أخيل" الذي سيجعلها تميل إلى تسويات مع السلطة على
حساب خصومها مهما كانوا؟ إنها أسئلة نزعم أن الإجابة الموضوعية عنها بعيدا عن منطق
الرغبة؛ ستكون كفيلة بخفض منسوب التفاؤل لدى المحتفين بالقيادة الجديدة للمركزية
النقابية.
ختاما،
فإننا نذهب إلى أن القيادة المركزية الجديدة للاتحاد قد ورثت تركة ثقيلة ستحصر سقف
تحركها في ملفاتها الداخلية، وستجعل سردية "الدور الوطني" الذي يتجاوز
المستوى المطلبي مجرد أثر بعد عين، وهو ما انعكس في البيان الأول للمكتب التنفيذي
الصادر بتاريخ الفاتح من هذا الشهر. فهذا البيان لم يتجاوز مستوى الدعوة إلى
الوحدة الداخلية، ولم تكن إشارته إلى "الدور الوطني" للاتحاد إلا فائض
معنى تقتضيها الأدبيات النقابية. فالأولوية الآن-وهنا حسب البيان هي للبيت الداخلي
الذي يقتضي "إصلاحات" في مستوى "الشفافية في التصرف وحسن الحَوكمة
وترسيخ الديمقراطية الداخلية"، كما أن الأولوية -كما صرح الأمين العام بعد
انتخابه- هي لعودة التفاوض مع السلطة، أي اعتراف السلطة به شريكا اجتماعيا،
واسترجاع مكاسب الاتحاد المتمثّلة خاصة في الاقتطاع الآلي.
ولا
شك في أن غياب أي إشارة "سياسية" لوضع الحريات في البلاد وغياب أي نقد
لسلوك السلطة تجاه الأجسام الوسيطة السياسية والمدنية وغيرها هو رسالة سياسية في
ذاتها: الاتحاد لا يطلب أكثر من "الاعتراف" (مسألة اعتبارية) واسترجاع
بعض الامتيازات أو المعاملة التفضيلية (مسألة مادية)، أما السياسة فإنها مسألة لا
تعنيه لأنه مجرد شريك اجتماعي وليس فاعلا سياسيا أو ظهيرا لأي طرف سياسي كما كان
زمن "العشرية السوداء".
x.com/adel_arabi21
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.