حين تُحاصر الفيزا المثقف العربي.. حدود الجغرافيا تُقيد حرية الفكر.. استطلاع

لم تكن معركة المثقّف العربي مع التّأشيرة مسألة إداريّة عابرة، بل تحوّلت مع مرور الوقت إلى أحد العوائق غير المرئيّة التي تعرقل حركة الثّقافة العربية في الفضاء العالمي.
لم تكن معركة المثقّف العربي مع التّأشيرة مسألة إداريّة عابرة، بل تحوّلت مع مرور الوقت إلى أحد العوائق غير المرئيّة التي تعرقل حركة الثّقافة العربية في الفضاء العالمي.
شارك الخبر
لم تكن معركة المثقّف العربي مع التّأشيرة مسألة إداريّة عابرة، بل تحوّلت مع مرور الوقت إلى أحد العوائق غير المرئيّة التي تعرقل حركة الثّقافة العربية في الفضاء العالمي. فالمبدع الذي يُفترض أن يكون وسيطًا بين الثّقافات، يجد نفسه  أسير حدود الجغرافيا وتعقيدات البيروقراطيّة.

هذه المفارقة ليست جديدة في التّاريخ الثقافي العربي. فقد واجه عدد من أبرز المثقّفين صعوبات مماثلة في التّنقل والسفر، نذكر من بينهم على سبيل المثال وليس الحصر:  المفكّر إدوارد سعيد الذي منع لمناسبات عدّة من دخول فلسطين. ولا ننسى الشّاعر الفلسطيني محمود درويش والصّعوبات التي واجهها خلال مشاركاته في تظاهرات ثقافيّة دوليّة. وأيضا   الشّاعر العراقي سعدي يوسف ، الذي بالإضافة إلى أنه قضّى جزءا من حياته في المنفى، فكان ممّن يجدون صعوبات في التّنقّل من بلد إلى آخر.

ورغم اختلاف السّياقات، فإن القاسم المشترك بين هذه التّجارب بقاء حريّة تنقل المثقّف رهينة قرارات إداريّة وسياسيّة لا علاقة لها غالبًا بالثقافة نفسها.

من الدّعوة الثقافيّة إلى طوابير السفارات

المفارقة التي يرويها عدد من المثقفين العرب أن الدعوة إلى مؤتمر أو مهرجان ثقافي غالبًا ما تكون مليئة بعبارات التّقدير والاحتفاء، لكنّ الطريق إلى المشاركة يمرّ عبر مسار طويل من الإجراءات البيروقراطية.

وقد وصف الفيلسوف السّوري أحمد نسيم برقاوي هذه الإجراءات بأنها "أختام بلا عقل"، في إشارة إلى القرارات الإداريّة التي قد تمنع مثقفًا معروفًا من السّفر للمشاركة في ندوة أو مؤتمر.


                                                     الفيلسوف السّوري أحمد نسيم برقاوي

ويرى الصّحفي المصري سيد محمود أن ما يرافق طلب التّأشيرة من تعقيدات قد يتحوّل أحيانًا إلى تجربة مهينة للمبدع، خصوصًا عندما يضطرّ إلى إثبات هويته الثقافية أو مكانته المهنية رغم الدّعوات الرسميّة التي يتلقّاها.


                                                  سيد محمود.. إعلامي مصري

ويشير الشّاعر المغربي  عبد الرحيم الخصار إلى  مشكلة أخرى تتمثّل في ضعف الدّعم المؤسّسي، إذ إن سفر العديد من المبدعين العرب يتم بجهود فرديّة، في غياب دعم حقيقي من المؤسسات الثقافية في بلدانهم.


                                                     عبد الرحيم الخصار.. شاعر مغربي.

حين يصبح السفر امتيازًا

إلى جانب التّعقيدات الإداريّة، يشكو عدد من المثقفين من ظاهرة أخرى تتمثّل في تحويل مواعيد التّأشيرات إلى خدمات تُدار عبر مكاتب وسيطة، ما يجعل الوصول إلى موعد في السفارة أمرًا صعبًا في بعض الأحيان.

في هذا الإطار ساق لنا سيد محمود تجربته بكلّ ألم معبّرا عن شعوره بالإهانة إزاء مثل هذه الممارسات وهو ما جعله يعتذر مؤخّرا عن المشاركة في المنتدى الدّولي المدعو له في إيطاليا ليتبيّن فيما بعد أنّ زملاؤه لم يتمكنوا بدورهم من تحصيل الفيزا فتم إلغاء التّظاهرة.

وتزداد المفارقة عندما تتحوّل المشاركة في مؤتمر فكري أو أدبي إلى رحلة طويلة من الانتظار والاحتمالات غير المضمونة، قد تنتهي أحيانًا بالرفض دون تفسير على حدّ تعبير الخصار.

يقول أحمد برقاوي في حديثه معنا: "دولة مصر العربية ترفض إعطاء التأشيرة ،دولة المغرب العربي لم تكترث بدعوة وزير الثقافة لي  للمشاركة  في ندوة يقيمها معرض الكتاب  ورفضت منح التأشيرة. دولة تونس تمنعك من حضور ندوة بدعوة من مؤسسة تعود إلى الجامعة العربية. دولة السعودية تحول بينك وبين المشاركة في مؤتمر الجمعية الفلسفية السعودية. دولة الكويت ترفض هي الأخرى إعطاءك التأشيرة المشاركة في ندوة، ألمانيا بلد الديمقراطية حالت دون دخولك. وهكذا وقس على ذلك."

وترى الرّوائيّة المصريّة سهير المصادفة أنّ هذه القيود لا تؤثّر فقط على الأفراد، بل تحدّ أيضًا من فرص التّبادل الثقافي بين المجتمعات. وتقول إنّ الكتّاب في أوروبا يتنقّلون بسهولة بين بلدان القارة للمشاركة في الملتقيات الأدبية وتوزيع كتبهم، بينما يواجه الكاتب العربي صعوبة حتى في الانتقال بين بلدان تتقاسم اللغة نفسها.


                                                       سهير المصادفة.. كاتبة مصرية

لماذا يُمنع المثقف؟

تتعدّد التّفسيرات التي يقدّمها المثقفون لهذه الظّاهرة، فبعضهم يربطها باعتبارات سياسية أو أمنية، بينما يرى آخرون أنها تعكس صورة نمطية عن بلدان معينة توصف بالاضطراب أو عدم الاستقرار.

ويتساءل برقاوي: "لماذا تحرمون الناس من الجديد الذي يولد من الحوار؟ أتدرون ما الحوار يا أصحاب الأختام؟الحوار بالأساس ينشأ من سؤال واقعي يتطلب إجابة واقعية والسؤال الذي ينطوي على أكثر من جواب يحول السؤال إلى مشكلة حقيقية والمشكلة الحقيقية تخلق ضرورة الحوار،والحوار يتفتق عن وعي بالعالم المادي والروحي المعيش."

ويعتبر برقاوي أنّ: "منع الحوار بين أبناء البلدان العربيّة هو اعتداء على حق العقل في التفكير،ومنع الغربي  الحوار بينه والنخبة العربية لهو شكل من أشكال آثار المركزية الأوربية البغيضة.أيتها الأختام لا تفسدوا حياة العقل.وإلا أصبحتم أختاما بلا عقل."

ويذهب عبد الرحيم الخصار إلى أنّ الخوف من الهجرة غير النّظامية قد أصبح أحد العوامل التي تؤثّر في منح التّأشيرات حتى في الحالات الثقافية والأكاديمية.

لكن النتيجة في النهاية واحدة: تقليص فرص الحوار الثقافي وتقييد حركة الأفكار بين المجتمعات.

هل ما زالت الفيزا قادرة على عزل المثقف؟

المفارقة أن هذه القيود تأتي في زمن أصبحت فيه الحدود أقل حضورًا في المجال الرّقمي. فالمثقف اليوم قادر على نشر أفكاره والوصول إلى جمهور عالمي عبر المنصات الرقمية، دون الحاجة إلى تأشيرة أو ختم على جواز السفر.

غير أن ذلك لا يلغي أهمية اللقاءات المباشرة والتبادل الثقافي الحي، الذي يظل أحد أهم مصادر تطور الأفكار والإبداع.

لهذا يبدو السؤال مطروحًا اليوم بإلحاح: هل ما زال من المنطقي أن تتحوّل التأشيرة إلى جدار ثقافي غير مرئي في زمن العولمة الرقمية؟ أم أن الوقت قد حان لإعادة التفكير في موقع الثقافة والمثقفين داخل السياسات الدولية؟
التعليقات (0)