في ظل الضربات الأمريكية التي تستهدف قوات
الحشد الشعبي في
العراق بشكل شبه يومي، برزت تساؤلات ملحّة عن دلالات حصر الضربات في المناطق ذات الغالبية السنية، وإلى أي مدى تهدف إلى إفراغ المدن منها، خصوصًا أنها باتت تُوقِع خسائر كبيرة في قادة وأفراد هذا التشكيل العسكري.
أعلنت هيئة الحشد الشعبي، خلال بيان رسمي مساء الثلاثاء، مقتل 3 من عناصرها في استهداف وصفته بأنه "إسرائيلي-أمريكي" للواء 17 ضمن مدينة الرطبة بمحافظة الأنبار غربي العراق.
وقبلها بيوم، أعلنت الهيئة "تعرّض قواتها لاستهداف جوي بعدة ضربات صهيو-أمريكية في قاطعين مختلفين (منطقتي عمليات عسكرية)، إحداهما طالت اللواء 45 في جرف الصخر بمحافظة بابل، والثانية استهدفت اللواء 31 في قاطع الكرمة بمحافظة الأنبار".
وتتهم الولايات المتحدة الأمريكية بعض فصائل الحشد الشعبي بالارتباط بإيران، وذلك بالتزامن مع إعلان فصائل عراقية، ضمن ما يُعرف بـ"المقاومة الإسلامية في العراق"، تنفيذ عمليات عسكرية ضد قواعد أمريكية في المنطقة.
"الهدف المعابر"
تعليقًا على ذلك، قال المحلل السياسي العراقي عقيل عباس لـ"عربي21" إن "أهمية الحشد الشعبي عمومًا في المناطق السنية تكمن في المنافذ الحدودية التي تربط العراق بسوريا والأردن، وهذه مرتبطة بتهريب السلاح، وهي موجودة سابقًا".
ولفت إلى أن "معظم الحشد الشعبي هو من الشيعة ويعود لفصائل مسلحة، مع وجود تمثيل لحشد عشائري سني لا تأثير له، وإنما هو واجهة تُضفي ما يُسمى بالطابع الوطني على هذا التشكيل العسكري".
وتابع: "لكن معظم الحشد الشعبي المؤثر من الفصائل المسلحة انسحب من داخل المدن السنية، وجرى تقليل وجوده إلى حد كبير، كما أن تفاعله مع السكان تراجع كثيرًا، لكن وجوده لا يزال في المنافذ الحدودية".
وأوضح عباس أن "القصف على الحشد الشعبي في تلك المناطق الحدودية قد يكون سببه تهريب شحنات من الأسلحة إلى (حزب الله) اللبناني عبر الأراضي السورية، لأن الدولة في سوريا لم تفرض سيطرتها بشكل جدي بعد، وأن النفوذ الإيراني جزء أساسي من مهمتهم".
في هذه المرحلة، رأى عباس أنه "من الصعب إخراج الحشد الشعبي من كل هذه المحافظات، رغم أنه مطلب للقوى السنية، لكن ربما يحصل ذلك بعد تشكيل الحكومة المقبلة إذا كانت قادرة على ذلك، وهذا أيضًا مرتبط بنتائج الحرب ومدى ضعف إيران وانعكاس ذلك على العراق، وهو ما يتطلب وقتًا".
وأضاف: "أما مدينة جرف الصخر في محافظة بابل، فلا يُعتقد أنهم سيتخلّون عنها، وربما تكون آخر المناطق التي يخرجون منها، كونها تمثل دولة داخل الدولة، وأن رئيس الوزراء نفسه لا يستطيع دخولها"، مشيرًا إلى أن جوهر قوة الفصائل موجود هناك.
وزاد عباس قائلًا: "يتحدث البعض عن أن جرف الصخر تضم مصانع ومخازن أسلحة، وأماكن للاعتقال، وأشياء كثيرة خاضعة تمامًا لسيطرة الفصائل، وبالتالي ربما تكون هذه آخر المناطق التي يغادرونها".
واستبعد الخبير العراقي عودة تنظيم الدولة إلى هذه المدن، لأن السياق الذي أوجد وجوده قد اختفى، والذي استفاد من تغوّل سلطة نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، إضافة إلى أن تجربة المكون السني مع هذا التنظيم كانت قاسية، لذلك لا أعتقد أن العراقيين سيتسامحون مع هذا التنظيم بأي طريقة.
وفي هذه النقطة، قال فصيل "كتائب سيد الشهداء"، التي يتزعمها أبو آلاء الولائي، إن "تكرار الاعتداءات بالقوة النارية العالية والكثيفة في مناطق
الموصل وكركوك وصلاح الدين والأنبار يثير جملة من علامات الاستفهام، ومخاوف من نوايا معادية ومريبة لإحداث فراغ أمني في هذه المحافظات".
ورأى بيان الفصيل الموالي لإيران أن "هذه الاستهدافات في هذه المدن تُعيد سيناريوهات أمنية سابقة كلفت العراق الكثير"، مطالبًا الحكومة بإجراءات أكبر من خطوة استدعاء القائم بالأعمال الأمريكي، كما طالب بتزويد القوات الأمنية العراقية بمنظومات الدفاع الجوي.
تجربة إدلب
وفي المقابل، قال المحلل السياسي العراقي أثير الشرع إن "بعد الاتفاق الذي حصل بين الولايات المتحدة والعراق قبل أربعة أيام، إضافة إلى تشكيل لجنة مشتركة للتنسيق في الواقع الأمني، فإن بغداد أرسلت رسالة إلى واشنطن ترفض فيها استهداف مواقع الحشد الشعبي".
وأوضح الشرع لـ"عربي21" أن "الولايات المتحدة طلبت من العراق تحديد أي الفصائل التي وصفتها الحكومة العراقية بأنها خارجة عن القانون، حتى لا يكون هناك التباس مع بقية الفصائل المكوّنة للحشد الشعبي، لكن الحكومة رفضت تسميتها رغم أنها تستهدف المصالح الأمريكية".
وتابع: "هناك شكوك تحوم حول أسباب استهداف الحشد الشعبي في المدن السنية، وربما أن الهدف هو خلق فجوة أمنية وبيئة مواتية لسيناريو عودة تنظيم الدولة كما حصل عام 2014، وهذا الأمر يثير مخاوف الكثيرين".
ورجّح الشرع "وجود سيناريو لخلط الأوراق في العراق، وأن استهداف مواقع الحشد الشعبي في الأنبار والموصل وكركوك يأتي لإنهاء هذه القوات التي تعتبرها الولايات المتحدة رديفة للجيش العراقي، بعد مطالب بحلّها ودمجها بالمؤسسات الأمنية، وحثّ الحكومة على نزع سلاح الفصائل المسلحة".
واستبعد الشرع قدرة الحكومة العراقية على نزع سلاح الفصائل التي ساندت إيران، وأعلنت أنها ستقف إلى جانب الجمهورية الإسلامية، خصوصًا أن المرحلة المقبلة قد تشهد هجمات برية على الأراضي الإيرانية.
لكن الخبير العراقي أكد أن "الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معجب بالتجربة السورية وبشخص الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي كان يقود (هيئة تحرير الشام) ويحكم مدينة إدلب، وبالتالي فإن استنساخ سيناريو إدلب في العراق أمر غير مستبعد، وقد تكون المناطق السنية برعاية دولية".
ورأى الشرع أن "الاستهدافات المتكررة للحشد الشعبي في هذه المدن قد تهدف إلى خلق منطقة آمنة لجهات عراقية معارضة، وبالتالي تكون مسرح عمليات لبدء مرحلة التغيير في العراق، وذلك في سياق ما يُسمى بالشرق الأوسط الجديد".
وشدد على أن "ما يحصل اليوم يجعلنا نعتقد أن كل السيناريوهات محتملة، لأن الأحداث متسارعة وكل شيء قابل للتغير، ولأن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت مرحلة التغيير نحو ما يُسمى الشرق الأوسط الجديد".
على الوتيرة ذاتها، قال غانم العيفان، عضو تحالف "العزم" السني، خلال مقابلة تلفزيونية الأسبوع الماضي، إن "إفراغ المساحة السنية من وجود الحشد الشعبي يعطي دلالة واضحة على وجود مشروع ما بعد الحرب يُراد تنفيذه ضمن هذه الجغرافيا".
اظهار أخبار متعلقة
ورأى العيفان أن "الحرب الحالية ربما تكون على فصلين: الأول عسكري، والثاني قد يكون استنساخ تجربة إدلب السورية في العراق"، مؤكدًا أن المشروع القادم يتعلق بهوية المكونات وامتداداتها الجغرافية وعمقها الجغرافي، ويُراد تطبيقه في هذه المناطق.
وفي الوقت الذي استبعد فيه العيفان سيناريو عودة تنظيم الدولة إلى هذه المناطق كما حصل عام 2014، فإنه استبعد أيضًا أن يكون ذلك بمثابة تجهيز المكون السني لقيادة العراق في المرحلة المقبلة، وإنما إعداد مناطق لا تتبنى المشروع الذي تتبناه إيران، ولا تتبنى معاداة إسرائيل، وليس بالضرورة أن تتبنى التطبيع.