أزمة الهيليوم القطري.. مورد نادر يسبب اضطرابا عالميا في الأجهزة الطبية والتكنولوجية

قطر توفر نحو ثلث إنتاج الهيليوم عالميا وتراجع صادراتها خفض الإمدادات- جيتي
قطر توفر نحو ثلث إنتاج الهيليوم عالميا وتراجع صادراتها خفض الإمدادات- جيتي
شارك الخبر
أدى توقف إنتاج غاز الهيليوم في منشآت قطر الرئيسية إلى صدمة حادة في الأسواق العالمية، بعد الضربات التي استهدفت مجمع رأس لفان الصناعي، في ظل كون الدوحة ثاني أكبر منتج للغاز في العالم.

وأظهرت بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) أن قطر أنتجت نحو 63 مليون متر مكعب من الهيليوم خلال عام 2025، ما يعادل قرابة ثلث الإنتاج العالمي البالغ نحو 190 مليون متر مكعب، في حين يستخرج هذا الغاز كمنتج ثانوي خلال معالجة الغاز الطبيعي المسال، كما يعد مجمع رأس لفان، أكبر منشأة تصدير للغاز المسال عالميا، مصدرا رئيسيا لهذا الإنتاج.

وأعلنت شركة قطر للطاقة (QatarEnergy) توقف الإنتاج وإعلان "القوة القاهرة"، بالإضافة إلى أضرار واسعة قد يستغرق إصلاحها سنوات، ما أدى إلى خفض الصادرات السنوية بنسبة لا تقل عن 14 بالمئة.

وقال وزير الطاقة القطري سعد الكعبي لصحيفة "فايننشال تايمز" الأسبوع الماضي إن الأمر سيستغرق "أسابيع إلى أشهر" حتى تعود الإمدادات إلى طبيعتها حتى لو انتهى النزاع فورًا.

المنتجون الرئيسيون للهيليوم عالميا

يتركز إنتاج الهيليوم في عدد محدود من الدول التي تسيطر على نحو 87 بالمئة من الإمدادات العالمية.

وتتصدر الولايات المتحدة قائمة المنتجين بنحو 81 مليون متر مكعب، ما يمثل 42 بالمئة من الإجمالي، تليها قطر بإنتاج يتراوح بين 63 و64 مليون متر مكعب بنسبة 33 بالمئة.

اظهار أخبار متعلقة



وتأتي روسيا في المرتبة الثالثة بإنتاج يبلغ 17 إلى 18 مليون متر مكعب، ثم الجزائر بنحو 11 مليون متر مكعب، وفقا لتقديرات USGS لعامي 2025 و2026.

وتعتمد العديد من الدول المستوردة، مثل كوريا الجنوبية التي تستورد ما بين 55% و65% من احتياجاتها من منطقة الخليج، على هذه المصادر المحدودة، ما يعزز من أهمية هذا المورد الاستراتيجي النادر.

وتمثل صادرات قطر "العمود الفقري" للإمدادات العالمية خارج الولايات المتحدة، ما يجعل أي اضطراب في إنتاجها ذا تأثير واسع.

استخدامات الهيليوم

ويستخدم الهيليوم السائل، الذي تصل درجة حرارته إلى -269 درجة مئوية، في تطبيقات حيوية، أبرزها أجهزة الرنين المغناطيسي (MRI)، حيث يستخدم لتبريد المغناطيسات فائقة التوصيل، ويحتاج كل جهاز إلى آلاف اللترات للحفاظ على كفاءته، ما يجعل أي نقص تهديدا مباشرا للخدمات الطبية.

ويدخل الهيليوم أيضا في تصنيع الرقائق الإلكترونية والأشباه الموصلة، إذ يستخدم كغاز خامل في عمليات التصنيع والتبريد، وهو ما يدعم صناعات الذكاء الاصطناعي والحواسيب.

ويمتد استخدامه إلى قطاع الفضاء والصواريخ، حيث يُستخدم في تبريد خزانات الوقود وأنظمة التبريد في صواريخ "ناسا" و"سبيس إكس"، إضافة إلى تطبيقات صناعية أخرى تشمل البحث العلمي والتصنيع الدقيق وأنظمة التبريد المتقدمة.

آثار الأزمة


تعمل أسواق الهيليوم بشكل مختلف جدا عن معظم السلع، فمعظم الإمدادات تباع عبر عقود طويلة الأجل بدلا من سوق فورية شفافة، ما يعني أن إشارات الأسعار تظهر غالبًا ببطء حتى مع تشديد الإمدادات، ويجعل هذا الغموض اكتشاف الأسعار أمرًا صعبًا، لكن مؤشرات تشديد الإمدادات بدأت بالفعل بالظهور.

أما السوق الفورية للهيليوم، فسجلت ارتفاعا يتراوح بين 35 بالمئة و100 بالمئة منذ بداية أزمة الشرق الأوسط، إضافة إلى تصريحات فيل كورنبلوث، رئيس شركة كورنبلوث لاستشارات الهيليوم والتي نقلتها وكالة "رويترز".

وبحسب الوكالة، حذر كورنبلوث خلال ندوة Gasworld من احتمال نفاد الإمدادات خلال أسابيع في حال استمرار التوقف، ما يدفع الموزعين إلى إعادة ترتيب العقود والمعدات.

اظهار أخبار متعلقة



واعتبرت شركة "North American Helium" أن هذه الأزمة قد تكون الخامسة عالميا خلال 20 عاما، داعية إلى تنويع مصادر الإمداد الآمنة جيوسياسيا.

وأشارت "يو بي إس لإدارة الثروات العالمية" إلى أن تداعيات النقص ستمتد إلى قطاعات الرقائق والتصنيع الطبي والفضائي، في وقت بدأت فيه شركات مثل SK hynix في البحث عن بدائل وتنويع مصادر التوريد، مع توقعات بحدوث تأخيرات في سلاسل الإمداد لعدة أشهر إذا لم يُستأنف الإنتاج.

وتضيف الخصائص الفيزيائية للهيليوم قيدا آخر، إذ يشحن الغاز عادة في صورة سائلة ويتبخر تدريجيا أثناء النقل، وبالتالي تصبح الشحنات مقيدة بعمر تخزيني محدود، فعندما تقوم بتسييله وهي الطريقة التي يُشحن بها عالميا لديك نظريا 45 يوما لإيصاله إلى المستخدم النهائي.

وتشير "رويترز" إلى أن هذه الأزمة تمثل ضعف الاعتماد على ممرات ملاحية محددة مثل مضيق هرمز، ويعزز التوجه نحو الاستثمار في تقنيات تقلل الاعتماد على الهيليوم، مثل أجهزة الرنين المغناطيسي الخالية منه، أو زيادة الإنتاج في أمريكا الشمالية.

ويبقى الاقتصاد العالمي أمام تحد استراتيجي يتجاوز كونه نقصا في مورد صناعي، ليطال أحد الأعمدة الأساسية لقطاعات الرعاية الصحية والتكنولوجيا المتقدمة، في ظل استمرار التوترات الإقليمية.
التعليقات (0)