حل عيد الفطر المبارك على
اليمنيين، وأحوالهم
لم تتغير كثيرا، إذ لازالت اليمن ترزح تحت وطأة الحرب منذ 11 عاما، وسط أزمات
اقتصادية وإنسانية، وسط تساؤلات عدة عن كيف أستقبل أو يستقبل اليمنيون هذا
العيد؟.
رغم أجواء الفرح التي يحاول الناس سرقتها في
العيد، إلا أن انقطاع الرواتب والظروف المعيشية الصعبة، تؤثر على احتفالات
اليمنيين بأجواء العيد، وانحسار مظاهر وتقاليد عيدية كانت سائدة قبل أكثر من عقد
من اندلاع الحرب.
مزيج من الفرح والهموم
وفي السياق، قال الصحفي والناشط اليمني،
عبدالجبار نعمان إن اليمنيين استقبلوا عيد الفطر المبارك هذا العام بمزيج معقد من
الفرح الحذر والهموم الثقيلة بعد أكثر من 11 عاما من الحرب التي أشعلتها المليشيا
الحوثية والتي أنهكت البلاد وأثرت على تفاصيل الحياة اليومية.
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف نعمان في حديث خاص لـ"عربي21"
أنه في الجانب الإنساني ما يزال العيد يحمل رمزيته الدينية والاجتماعية حيث حرص
الناس على أداء صلاة العيد وتبادل التهاني وصلة الأرحام قدر الإمكان.
وتابع بأن هذه المظاهر باتت محدودة أو باهتة
لدى كثير من الأسر خصوصا في ظل موجة النزوح المستمرة وفقدان الأحبة".
ومن الناحية الاقتصادية، أكد الصحفي اليمني أن
الأوضاع تبدو أكثر قسوة مع ارتفاع الأسعار وتدهور العملة وغياب العملة المحلية في
مناطق الحكومة المعترف بها دوليا وانقطاع الرواتب عن شريحة واسعة من الموظفين
خصوصا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثي، مؤكدا أن هذه جميعها، عوامل جعلت تأمين
مستلزمات العيد مثل الملابس الجديدة أو أطباق الحلوى عبئاً ثقيلاً على معظم الأسر.
كل ذلك، جعل الكثير من الأسر في البلاد، تكتفي
بالحد الأدنى من المتطلبات، بينما يعتمد أخرون على المساعدات أو تحويلات الأقارب
في الخارج.
فرحة مؤجلة
من جانبه، قال الكاتب اليمني، أحمد حميدان المقيم في عدن، أن العيد
في العاصمة اليمنية المؤقتة، فرحة مؤجلة، مضيفا أن العيد حل مع أسئلة موجعة في
بيوت اليمنيين بالعاصمة المؤقتة.
وقال حميدان في حديثه لـ"عربي21" إن
العيد الذي يفترض أن يكون موسماً للفرح، يتحول عند كثير من الأسر إلى موسم للقلق
والحسابات القاسية بشأن كيف نوفر ملابس العيد للأولاد؟ وكيف نشتري شيئاً من اللحم
أو الحلوى؟ وكيف نقنع أطفالنا أن العيد ما زال عيداً، رغم أن مظاهر الفرح أصبحت
ترفاً لا يقدر عليه الجميع؟.
وأشار الكاتب اليمني إلى أن شوارع عدن وأسواقها
تبدو الصورة واضحة؛ فهناك من يشتري دون أن ينظر إلى الأسعار، وهناك من يمر أمام
المحلات فقط ليكتفي بالنظر. ومضى قائلا: وبين هاتين الصورتين تتجسد الفجوة التي
صنعتها سنوات طويلة من الفساد وسوء الإدارة وغياب العدالة في توزيع الموارد.
وبحسب المتحدث ذاته فإن العيد في عدن لم يعد فرحة
عامة كما كان، بل أصبح فرحة خاصة بمن يملك القدرة المالية. أما المواطن المغلوب
على أمره فقد سُرقت فرحته قبل أن تبدأ، من قبل منظومة عبثت بالإيرادات العامة،
ونهبت مقدرات المدينة، وتركت الناس يواجهون الغلاء والفقر وحدهم.
وأردف قائلا : "فبينما تتكدس الثروات في
جيوب قلة قليلة، يتسع طابور المحتاجين كل يوم".
وتشهد المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة
اليمنية المعترف بها دوليا، جنوب وشرق اليمن، أزمة سيولة نقدية من العملة المحلية،
الأمر الذي خلق أعباء وتبعات إضافية على المواطنين.
خارج التداول الفعلي
وتعليقا على هذا الأمر، قال الصحفي المتخصص في
الشؤون الاقتصادية، محمد الجماعي إنه لا توجد أزمة سيولة بالمعنى الحرفي لنقص
الأوراق النقدية"، مؤكدا أن السيولة موجودة نظرياً داخل النظام المصرفي لكنها
محتجزة خارج التداول الفعلي، إما في المنازل، أو في شبكات غير رسمية، أو داخل
مناطق نفوذ مختلفة ترفض أن تتكامل مع الإجراءات الرسمية لضبط الأسواق.
وأضاف الجماعي في حديثه لـ"عربي21"
بأنه خلال سنوات الحرب، لجأ المواطنون والتجار إلى تقديس السيولة خارج البنوك، ما
أفقد الجهاز المصرفي قدرته على إعادة تدوير النقد.
وتابع بأنه لا نستطيع الجزم أن الحكومة لم تعد
قادرة على ضخ سيولة كافية عبر الرواتب أو المشاريع، إلا أن ضعف الموارد وتراجع
الإيرادات العامة، بالإضافة إلى تحول جزء كبير من الاقتصاد للعمل خارج الرقابة
(اقتصاد ظل)، ساهم في التقليل من فعالية السياسة النقدية.
وأوضح الصحفي اليمني أن البنك المركزي في عدن
لا يدير فعلياً كل السوق اليمني، وبالتالي أدواته محدودة، وأصبح يتفاعل أو يناور
أكثر مما يبادر، بسبب تغول شبكات الصرافة على حساب البنوك ما خلق نظاماً مالياً
موازياً خارج السيطرة المباشرة.
وقال إن ما جرى خلال الأشهر الأخيرة من تراجع
مفاجئ 46 بالمئة في أسعار العملات الأجنبية أدى إلى انكشاف شبكات المضاربة
وخسارتها، وبالتالي انتقال السوق من "الدولرة إلى التحفظ على النقد".
وأردف قائلا : "وبهذا يمكن قراءة سلوك
الصرافين المضاربين بعد تلك الخسارة، إذ اتجهت إلى تجميد السيولة لتعويض الخسائر
والاحتفاظ بالكاش خارج الدورة الاقتصادية".
يأتي ذلك وفق الصحفي اليمني المتخصص في الشؤون
الاقتصادية، في ظل "غياب الضخ الحكومي الموازي لتحسن سعر الصرف فلم يُترجم
إلى زيادة أو حتى انتظام في تسليم الرواتب، أو الإنفاق الحكومي، أو المشاريع التي
تضخ النقد في السوق"، لافتا إلى أن كل ذلك أبقى الكتلة النقدية محدودة
الحركة، إذ يدور نفس المبلغ أو الكمية عدة مرات فقط.
وبحسب الصحفي الجماعي فإن هناك سيناريو إيجابيا
متوقع، إذا استثمر بشكل جيد وهو "استمرار الاستقرار وعودة الثقة تدريجيا
"، وهو ما قد يمهد ذلك لانتقال السوق من المضاربة إلى النشاط الحقيقي.
أما السيناريو السلبي، فيؤكد المتحدث ذاته أنه
يكمن في "استمرار شح السيولة"، محذرا أن ذلك سيؤدي إلى "حدوث
ارتداد مفاجئ في سعر الصرف"، كنتيجة لارتباك السوق وشُلل النشاط، وقد يخلق
فرصاً لعودة المضاربة بشكل أعنف.
ويرى الصحفي الاقتصادي اليمني أن أي معالجة
حقيقية لا يمكن أن تكون عبر ضخ أموال فقط، بل تتطلب "تحقيق حد أدنى من
الاستقرار السياسي والاقتصادي"، مشيرا إلى أن أي حلول أخرى ستظل مجرد مسكنات
مؤقتة في جسد اقتصاد منهك.
عوامل مختلفة
من جهته، قال الصحفي الاقتصادي اليمني، وفيق صالح
إن هناك عوامل مختلفة وراء أزمة النقد المحلي في الأسواق منها "الاختلال
الهيكلي في الاقتصاد الوطني وعجز المالية العامة" مع توقف أهم الموارد
المستدامة للبنك المركزي.
وتابع صالح حديثه لـ"عربي21" بأن ما
حدث بعد ذلك؛ من تشبع نسبي في الأسواق من العملات الصعبة نتيجة "دفع رواتب
التشكيلات العسكرية بالريال السعودي وتحويلات المغتربين خلال شهر رمضان المبارك
وكذلك الدعم السعودي للمالية العامة للدولة" أدى إلى رسم مؤشرات إيجابية نحو
استقرار قيمة اليمني مستقبلا.
اظهار أخبار متعلقة
إضافة إلى أنه دفع تجاه تزايد ظاهرة
"الاكتناز" أو الاحتفاظ بالعملة المحلية من قبل التجار والصرافين
والمواطنين.
وقال أيضا، إن هذه العوامل، أدت إلى "شحة
شديدة من النقد المحلي في الأسواق"، ساهم ذلك "ضعف إجراءات البنك
المركزي اليمني في الجانب الرقابي على أسواق الصرف".
وبحسب الصحفي الاقتصادي فإن الأوضاع بحاجة إلى
استعادة الثقة بالمؤسسات المالية والاقتصاد الكلي للبلد، لطمأنة الشارع والتخلي عن
ظاهرة الاكتناز، التي هي نتيجة لضعف الثقة بالمؤسسات الاقتصادية في البلاد.
ويواجه اليمن أكبر أزمة سيولة منذ 11 عاماً،
وصلت إلى حد اختفاء الريال اليمني من الأسواق، الأمر الذي أثر على الناس والتعاملات التجارية، فضلا عن
قيام شركات الصرافة بصرف التحويلات المالية القادمة من الخارج بسعر أقل من السعر
الرسمي.