تشهد محافظة
جنين في شمال
الضفة الغربية المحتلة تحولات ميدانية متسارعة، في ظل تصاعد الاقتحامات العسكرية وتوسع النشاط الاستعماري، ما يكرس واقعا جديدا تتداخل فيه الثكنات العسكرية مع البؤر الاستعمارية، وسط مخاوف فلسطينية من تهجير صامت وإعادة تشكيل جغرافيا المنطقة بالقوة، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”.
في بلدة عرابة جنوب جنين، تعيش عائلة المواطن فادي لحلوح منذ أيام تحت وقع اقتحام منزلها وتحويله إلى نقطة عسكرية إسرائيلية، بعدما سيطرت قوات الاحتلال على الطابقين العلويين من منزل مكون من ثلاثة طوابق، وأبقت العائلة محصورة في الطابق الأرضي تحت رقابة مشددة.
ويقول لحلوح إن قوات الاحتلال أبلغت العائلة بضرورة إخلاء المنزل خلال نصف ساعة فقط أو البقاء في غرفة واحدة، قبل أن تفرض عليهم الإقامة في الطابق الأرضي بينما تحول باقي المنزل إلى ثكنة عسكرية.
وأضاف أن حياتهم اليومية باتت مرتبطة بحركة الجنود، بما في ذلك الخروج للصلاة أو استقبال الأقارب، مشيرا إلى أن “الحياة تعطلت بالكامل” منذ الاقتحام.
وتتزايد مخاوف السكان في محيط معسكر عرابة المخلى منذ عام 2005، خاصة مع عودة قوات الاحتلال إليه في شباط/فبراير الماضي، وما رافق ذلك من أعمال تجريف وإنشاء بنى تحتية دون توضيح طبيعة المشروع الجاري تنفيذه.
ويقول لحلوح إن الأهالي يخشون أن يكون الهدف تفريغ المنطقة من سكانها، خاصة أن نحو 13 منزلا تقع ضمن النطاق المحيط بالمعسكر.
اظهار أخبار متعلقة
ويأتي ذلك في سياق أوسع يشهده شمال الضفة الغربية، حيث صادقت سلطات الاحتلال مؤخرا على مخطط استعماري جديد في مستعمرة “صانور” جنوب جنين، يقضي ببناء 126 وحدة سكنية على مساحة تقدر بـ58 دونما، في أول مشروع من نوعه داخل مستعمرات أخليت عام 2005.
ويتضمن المشروع بنية عمرانية متكاملة تشمل طرقا ومرافق عامة، ما اعتبره مختصون خطوة لتثبيت وجود استعماري دائم قابل للتوسع.
وخلال افتتاح المستعمرة، شدد وزيرا في حكومة الاحتلال على ما وصفوه بـ”تصحيح مسار فك الارتباط”، في حين دعا مسؤولون إسرائيليون إلى إنهاء فكرة الدولة الفلسطينية.
وفي موازاة ذلك، صادرت سلطات الاحتلال سبعة دونمات من أراضي منطقة الجابريات قرب مخيم جنين، بذريعة الاستخدامات العسكرية، رغم وقوعها ضمن مناطق مصنفة (أ) وفق اتفاقيات أوسلو، ما أثار انتقادات فلسطينية واسعة.
ويؤكد مدير دائرة النشر والتوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داود أن الاحتلال الإسرائيلي يعمل على إنشاء بنية عسكرية وأمنية جديدة في شمال الضفة، تمهيدا لتوسيع
الاستيطان وربطه بشبكة طرق ومواقع حماية للمستوطنين.
وفي بلدة يعبد جنوب غرب جنين، يصف رئيس البلدية محمد عبادي الوضع بأنه “مرير وخطير”، في ظل محاصرة البلدة بالمستوطنات والحواجز العسكرية، وفقدان مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
وأوضح أن أكثر من 20 ألف دونم باتت شبه مغلقة أمام الأهالي، رغم أنها تعد من أخصب الأراضي الزراعية، مشيرا إلى أن غالبية السكان الذين يعتمدون على الزراعة فقدوا مصادر رزقهم نتيجة القيود المفروضة.
اظهار أخبار متعلقة
وخلال العامين الأخيرين، توسعت البؤر الاستعمارية الرعوية على أراضي المواطنين، حيث بات المستوطنون يسيطرون على مساحات زراعية ويمنعون أصحابها الفلسطينيين من الوصول إليها، بحسب شهادات محلية.
وفي ظل هذا التصعيد، تستحضر المنطقة حادثة قرية العصاعصة جنوب جنين، حين أجبرت عائلة على إخراج جثمان أحد أقاربها من قبره تحت تهديد المستوطنين، في واقعة عكست مستوى التوتر المتصاعد في المنطقة.
وتشير مشاهد ميدانية متواترة إلى عودة الوجود الاستعماري المباشر إلى مناطق غابت عنه منذ أكثر من عقدين، مع تحركات للمستوطنين تحت حماية عسكرية، ورفع الأعلام الإسرائيلية في مناطق قريبة من القرى الفلسطينية.
ويعبر سكان محليون عن خشيتهم من أن ما يجري لا يندرج ضمن إجراءات مؤقتة، بل يمثل تحولا تدريجيا نحو فرض واقع جديد يعيد إلى الأذهان سنوات الحصار العسكري التي عاشتها جنين وقراها في السابق.