وسط تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، أكدت طهران أن توقف الهجمات مرتبط بضمانات واضحة وعدم استئناف الضربات في المستقبل، حيث ويستعد الحرس الثوري
الإيراني لخوض مواجهة طويلة، معتمداً على تكتيكات المقاومة غير المتكافئة.
ونشرت صحيفة "
فايننشال تايمز" تقريراً للصحفيين أندرو إنغلاند ونجمة بزرجمهر قالا فيه إن دونالد
ترامب قال بأن الحرب الأمريكية مع إيران ستنتهي عندما يقرر هو ذلك، عندما، كما قال، "أشعر بذلك، أشعر به في أعماقي".
وأضاف التقرير أن الأمر لن يقتصر على الرئيس الأمريكي وحده، فخلال الأسبوع الماضي، ومع تصاعد الصراع وتداعياته على الاقتصاد العالمي، أشار قادة إيران وقادتها العسكريون إلى أن الجمهورية الإسلامية، بعيداً عن الاستسلام السريع، تخطط لإسكات بنادقها بشروطها الخاصة.
وقال مسؤول غربي: "الجميع منشغل بترددات ترامب، لكنهم يغفلون تماماً حقيقة وجود دولة ضخمة لها كيانها المستقل، ما يجري هو جوهر وجود النظام، وهو البقاء والمقاومة".
اظهار أخبار متعلقة
وتعتبر إيران الصراع تهديداً وجودياً، وهي تسعى جاهدة لاستعادة قدرتها على الردع، وتريد ضمان عدم استعداد خصومها لدفع ثمن الهجمات المستقبلية، وفقاً لما ذكره مصدر مقرب من النظام ودبلوماسيون وخبراء.
وأشار التقرير إلى أن كل هذا يوحي بأنها تستعد لحرب استنزاف طويلة الأمد، ولن تتوقف إلا إذا تلقت ضمانات، كجزء من أي اتفاق لوقف إطلاق النار، بأن الولايات المتحدة وإسرائيل لن تستأنفا الهجمات في المستقبل.
وتابع أن مصدر إيراني مقرب من النظام قال: "تقول إيران: نحن بحاجة إلى ضمانات ولن نتراجع حتى لو استمرت الحرب لمدة عام. إذا دُمرت إيران، دُمرت المنطقة بأكملها".
وأردف أن رد النظام الحرس الثوري الإسلامي،يقود قوة النخبة التي يبلغ قوامها 180,000 جندي، والتي نشرت الفوضى في جميع أنحاء المنطقة بهجمات صاروخية وطائرات مسيرة على قواعد عسكرية أمريكية وبنية تحتية خليجية وسفن شحن دولية.
وقال المصدر الإيراني: "الحرس مدفوعون بأيديولوجية، ولا يخشون الموت". إنهم "مقتنعون بأن هذا كان تغييراً للنظام، وإذا وافقوا على وقف إطلاق النار، فسوف تعود الولايات المتحدة وإسرائيل".
وهذا يعني أنه إذا أعلن ترامب "النصر" وأوقف قصف الولايات المتحدة لإيران، فإن الخطر يكمن في أن طهران قد تواصل هجماتها على
إسرائيل والخليج حتى في ظل ضعفها وانهيارها، وأن تستمر في احتجاز السفن رهينة في مضيق هرمز.
وقال ترامب، الذي وصف الجيش الإيراني بأنه "مدمر"، في نهاية الأسبوع إن طهران ترغب في إجراء محادثات، لكنه لم يتوصل إلى اتفاق "لأن الشروط ليست جيدة بما فيه الكفاية حتى الآن".
وتابع التقرير أن عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، رد بقوة، واصفاً مزاعم رغبة الجمهورية في هدنة أو مفاوضات بأنها "وهمية". كما نفى عراقجي تقريراً يفيد بأنه أعاد فتح قناة اتصال مع المبعوث الأمريكي ستيف ونيتكوف، قائلاً إن هذا الادعاء يهدف إلى تهدئة أسواق الطاقة المضطربة.
ويقول مسؤولون إقليميون إنه لا يوجد أي تقدم في الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب من أي من الجانبين. ومن المتوقع أن يؤدي اغتيال إسرائيل لعلي لاريجاني، السياسي المخضرم المحافظ ذي النزعة البراغماتية، يوم الثلاثاء، إلى مزيد من التراجع في آمال استئناف المحادثات. وقال دبلوماسي إقليمي إنه كان سيمثل ركيزة أساسية في أي عملية دبلوماسية.
وأضاف الدبلوماسي بحسب التقرير أنه يتوقع أن توقف إيران هجماتها على أهداف أمريكية إذا انسحب ترامب من الصراع، مما يمكن طهران من الادعاء بأنها أجبرت أمريكا على الانسحاب.
لكنه يعتقد أنها ستواصل استهداف إسرائيل، التي تحملها مسؤولية الحرب. كما أشار الدبلوماسي إلى وجود خطر يتمثل في "تسليح" مضيق هرمز جزئيًا، حيث تحدد إيران السفن المسموح لها بالمرور.
وقال مسؤولون إسرائيليون أيضًا بأنهم مستعدون لمواصلة الصراع طالما اقتضت الضرورة، لكن اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة في الدعم العسكري يعني أنه من المتوقع أن تحذو حذو ترامب.
وقال الدبلوماسي الإقليمي إن التحدي يكمن في أنه من غير المرجح أن تتوقف الولايات المتحدة وإيران عن القتال دون اتفاق. لكنه لم يتوقع أن توافق طهران على وقف إطلاق نار مؤقت على غرار ما تم التوصل إليه بين حماس وإسرائيل العام الماضي، والذي أعقبه استمرار إسرائيل في قصف غزة حتى في ظل مفاوضات الطرفين.
وقال الدبلوماسي: "لا يوجد وضوح بشأن شكل الاتفاق. وبمجرد بدء المفاوضات، ستكون الأمور بالغة الصعوبة"، وقالت سنام وكيل من تشاتام هاوس إنه ليس من مصلحة إيران التوقف عن إطلاق النار ما لم يحصل النظام على الضمانات التي يسعى إليها وتخفيف العقوبات كجزء من أي اتفاق ما بعد الحرب.
وأضافت: "هذان أمران صعبان للغاية. إذا لم يحصلوا على تخفيف العقوبات وضمانات بعدم تكرار الهجمات، فلن يتوقفوا"، ومع اقتراب الصراع من أسبوعه الثالث، يحاول قادة الجمهورية الإسلامية إقناع الإيرانيين بأن النظام مستعد لحرب طويلة.
وأشار التقرير إلى أن محمد باقر قاليباف، المقرب من الحرس الثوري وأحد أبرز قادة الجمهورية قال : "لا تعرف الولايات المتحدة كيف تبدأ حربًا في هذه المنطقة أو كيف تنهيها. لن نقف مكتوفي الأيدي وندع الكيان الصهيوني (إسرائيل) والولايات المتحدة يفرضان نظامًا جديدًا".
وفي حديثه للتلفزيون الرسمي هذا الأسبوع، قال قاليباف، رئيس البرلمان، إنه يجب "إزالة أي تهديد بالحرب" قبل أن تتوقف إيران عن إطلاق النار. وأضاف: "هذا مطلبنا الواضح والقاطع. لن نقبل وقف إطلاق النار ثم نعود إلى الحرب بعد خمسة أشهر".
وتعهدت الولايات المتحدة وإسرائيل بتدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، وقصفتا الجمهورية ليلاً ونهاراً منذ 28 شباط/ فبراير. وأعلن البنتاغون أنه أصاب نحو 8000 هدف، بينما قالت إسرائيل إنها شنت عدداً مماثلاً من الضربات. وتعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "بزعزعة استقرار النظام والسماح بالتغيير".
قال روب مالي، المسؤول الأمريكي السابق الذي شغل منصب مبعوث الرئيس جو بايدن إلى إيران، إن لدى طهران حسابات مزدوجة. أولها رغبتها في إنهاء الحرب نظراً للتكاليف الباهظة التي تتكبدها البنية التحتية والجيش، والتي قد تقوض أمنها الداخلي مع مرور الوقت.
لكنها أيضاً "تريد ضمان أن تدفع الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي ثمناً باهظاً يدفعهما إلى التفكير ملياً قبل استئناف الحرب"، وقد أثبت سلاح إيران الأقوى قدرته على إغلاق مضيق هرمز فعلياً، والذي يمر عبره عادة خُمس نفط وغاز العالم.
وبينما كانت إيران قد هددت سابقًا بإغلاق المضيق، قال المسؤول الغربي: "لم يكونوا يعلمون )بإمكانهم( فعل ذلك حتى جربوه"، وأضاف المسؤول: "الآن هم يعلمون، وهو سلاح فعال للغاية. يكمن الخطر في أنهم سيستمرون في ابتزاز العالم".
وقال مالي إنه إذا أنهت الولايات المتحدة الحرب، فقد تواجه طهران ضغوطًا لوقف الهجمات من دول إقليمية وحلفاء تقليديين مثل روسيا والصين، الذين يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على نفط وغاز الخليج، ويُعدُّون المشترين الرئيسيين للنفط الخام الإيراني.
لكن المسؤول الغربي قال: "لا أرى مستقبلًا لجمهورية إسلامية ناجحة، ولا أعرف ما الذي سيدفع النظام إلى إيقاف الحرب والبدء في إعادة البناء"، وأضاف: "لست متأكدًا من قدرتهم على إعادة البناء، وهذا يقودنا إلى وضع بالغ الخطورة".
وقال إيراني مقرب من النظام إن الحرس الثوري يتصرف كجماعة مسلحة في سعيه لمواجهة أقوى جيوش العالم وأكثرها تطورًا، إذ يتخلى عن قواعده ويتشتت لتقليل خطر تعرضه للهجوم أثناء شنّ هجمات انتقامية.
وأضاف: "يُتقن الحرس الثوري الحرب غير المتكافئة، وهذا ما يفعلونه، فلا يمكن هزيمة المقاومة بالغارات الجوية"، مُقارنًا تكتيكاتهم بتكتيكات حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن.
وأصر المصدر على أن إيران لا تزال تنتج صواريخ وقاذفات في مواقع سرية، غالبًا ما تكون في أعماق الأرض، رغم تعرضها لآلاف الضربات الأمريكية والإسرائيلية. وأضافت أنها تعدل معدل إطلاقها الناري لضمان عدم نفاد مخزونها وقدرتها على خوض "حرب طويلة".
مع ذلك، قالت الولايات المتحدة وإسرائيل بأنهما قلصتا بشكل كبير قدرات إيران في مجال الطائرات المسيرة والصواريخ، حيث انخفض حجم إطلاق النار بنسبة 90% أو أكثر منذ بداية النزاع، لكن طهران لا تزال تطلق وابلاً يوميًا من الصواريخ.
اظهار أخبار متعلقة
وكشفت هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر خلال العامين الماضيين عن مدى خطورة التهديد بالهجمات على المدى الطويل، وقال المسؤول الغربي إنه "من الصعب حقًا" تحديد إطار زمني لكيفية استمرار إيران في إطلاق صواريخها وطائراتها المسيرة.
وأضاف المسؤول: "ليس من المستغرب أن تشن إيران هجوماً مضاداً، بل الأكثر إثارة للدهشة هو استمرارها في ذلك. نحن نعرف الآن المزيد عن قدرات إيران، وهي أفضل مما كنا نعرفه سابقاً. لن أقول إنها أفضل بشكلٍ كارثي، لكنها أفضل".
وأشار المسؤول إلى أن العامل الأساسي في تحديد مستقبل إيران، بدلاً من القنابل الأمريكية أو الإسرائيلية، هو "العلاقة بين النظام وشعبه". وأضاف: "هذا الوضع ليس خطيراً في الوقت الراهن، فالشعب الإيراني يلتزم الحياد تماماً".