MEE: هاكابي كشف النقاب عن دعم أمريكا لتوسع "إسرائيل" في المنطقة
لندن- عربي2126-Feb-2606:24 PM
تقول الباحثة سمية الغنوشي إن الفلسطينيين بالنسبة لـ"هاكابي" مجرد عقبات في أرض وُعِد بها الشعب اليهودي - جيتي
شارك الخبر
ما زالت تصريحات السفير الأمريكي لدى دولة الاحتلال، مايك هاكابي، بشأن حقّ "إسرائيل" في السيطرة على جزء كبير من الشرق الأوسط، تثير جدلاً واسعًا، حيث كشفت عن زيف الادعاءات المتكررة للولايات المتحدة بشأن السعي إلى احتواء التصعيد في المنطقة.
وفي محاولة للتضليل والمناورة، قال هاكابي، الخميس، إن تصريحاته عن "حدود أرض الميعاد التوراتية"، "أُخرجت من سياقها"، متهماً تاكر كارلسون بأنه "غير أمين على الإطلاق"، مضيفاً: "حُرّف جوابي بعناية وبطريقة استراتيجية ليُصنع رواية زائفة تمامًا".
وفي هذا الصدد، نشر موقع "ميدل إيست آي" مقالاً تحليليًا مطوّلاً للباحثة المختصة في شؤون العالم العربي والشرق الأوسط، سمية الغنوشي، سلّطت خلاله الضوء حول ما دار خلال المقابلة التي أجراها مؤخرًا الإعلامي تاكر كارلسون مع السفير الأمريكي مايك هاكابي.
اظهار أخبار متعلقة
وأكدت الغنوشي أن الحوار لم يكشف عن اختلافات سياسية فحسب، بل أظهر أمرًا أكثر عمقًا: لم يكن مجرد سفير يُحرّف الوقائع التاريخية، بل كان يقدم رؤية لمكانة إسرائيل في الشرق الأوسط، ودور واشنطن في تمكين تلك الرؤية، وفيما يلي نص المقال:
سرعان ما ظهر نمط واضح. عندما واجه كارلسون هاكابي بحقائق تاريخية مزعجة أو تعقيدات قانونية، بدا متردداً. لكن عندما كان يردد المواقف الرسمية المعتادة للحكومة الإسرائيلية، كان واثقاً تماماً. كانت الدقة تختفي فقط حين تؤدي إلى تعقيد تلك السردية
خذ على سبيل المثال ادعاءه بأن المسيحيين “يزدهرون” في الأرض المقدسة. فقد أشار إلى وجود 34 ألف مسيحي في إسرائيل عام 1948، و184 ألفاً اليوم، وهي أرقام تهدف إلى الإيحاء بنمو العدد وتوفّر الحماية.
لكن الأرقام دون سياق ليست سوى تشويه للحقيقة. في ديسمبر/ كانون الأول 1946، قدّرت الأمم المتحدة أن عدد المسيحيين في فلسطين بلغ نحو 145,000، أي نحو 8 بالمئة من إجمالي سكان البلاد آنذاك.
خلال نكبة عام 1948، قامت الميليشيات اليهودية بطرد أو تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين، بينهم حوالي 90 ألف مسيحي. بقي ضمن حدود عام 1948 نحو 39 ألفًا، وقد شكّلوا نواة الأقلية المسيحية الفلسطينية داخل إسرائيل اليوم.
لم يكن المسار الديموغرافي في مدينة القدس أقل وضوحًا. شكّل المسيحيون حوالي 20 بالمئة من سكان المدينة عام 1946. ومنذ ذلك الحين، تراجعت أعدادهم بشكل كبير. بحلول عام 2006 لم تكن نسبتهم تتجاوز 2 بالمئة من سكان القدس، وفقًا لبيانات ديموغرافية نشرها معهد القدس لأبحاث السياسات.
وصِف هذا الواقع بأنه “ازدهار” يحجب حقيقة الوضع الصعب الذي يعيشه المسيحيون الفلسطينيون في دولة تُعرّف نفسها علنًا على أساس قوميتها اليهودية، وفي ظل تصاعد نفوذ التيارات القومية المتشددة.
لحظات فارقة
لم يقتصر تزييف الحقائق على البعد الديموغرافي فحسب، بل امتد إلى جوانب أخرى. ادعى هاكابي أن بريطانيا كانت تسيطر على فلسطين حين صدر وعد بلفور عام 1917، وهو ادعاء خاطئ. سبق الوعد نظام الانتداب، ولم يكن له أي قوة ملزمة وفقا للقانون الدولي، بل كان تعهداً إمبريالياً، وليس وثيقة قانونية.
كما أشار هاكابي إلى أن العرب هم من بدأوا حرب السويس عام 1956. لكن الحقيقة واضحة لا لبس فيها: إسرائيل هي التي هاجمت مصر بالتنسيق مع بريطانيا وفرنسا. وقد عارض الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور الغزو وأجبر إسرائيل على الانسحاب، مما ساهم في استقالة نظيره البريطاني أنتوني إيدن.
وفي عام 1982، خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان وقصف بيروت، استخدم الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان كلمة “هولوكوست” في مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، محذرًا من أن الهجوم يهدد مستقبل العلاقات بين واشنطن وتل أبيب.
هذه ليست تفاصيل هامشية، بل لحظات فارقة في السياسة الخارجية الأمريكية، وتحريفها لا يطمس التاريخ فحسب، بل يعيد تشكيل الذاكرة السياسية.
كان لافتًا بالقدر ذاته أن نرى هاكابي يستشهد بأرقام وزارة الصحة في غزة، وهي الأرقام التي يشكك فيها في مواضع أخرى، ليزعم أن حصيلة الضحايا في صفوف المدنيين هناك هي الأدنى في حروب المدن الحديثة، وأن إسرائيل بذلت جهودًا أكثر من أي جهة أخرى – بما في ذلك الجيش الأمريكي – لتجنب سقوط ضحايا مدنيين.
لكن السجلات الموثقة تدحض هذا الادعاء. بحلول مطلع العام الماضي، كانت إسرائيل قد أسقطت على غزة نحو 275 طنًا من المتفجرات لكل كيلومتر مربع. وبالمقارنة، أسقطت الولايات المتحدة نحو 15 طنًا لكل كيلومتر مربع في فيتنام.
أي أن كثافة القصف في غزة تجاوزت نظيرتها في فيتنام بـ18 ضعفًا، وذلك قبل الأشهر اللاحقة من العمليات الإسرائيلية المتواصلة في القطاع.
وصف خبير في الشؤون الدولية بجامعة برادفورد حجم الدمار بأنه “يعادل ست مرات هيروشيما”، وأنه “لا مثيل له في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية”.
كما أفادت منظمة “إير وورز” المستقلة لمراقبة النزاعات، أنه خلال أول 25 يومًا من الهجوم الإسرائيلي على غزة، سقط نحو أربعة أضعاف عدد القتلى المدنيين في الشهر الأكثر دموية خلال الحملة التي قادتها الولايات المتحدة في العراق عام 2017.
وحين يدعي سفير أمريكي أن الجيش الإسرائيلي أكثر ضبطًا للنفس وأكثر إنسانية من جيش الدولة التي أقسم على تمثيلها، فإن المسألة تتجاوز الأرقام، وتصبح قضية سياسية بحتة.
"لا بأس إن استولوا على كل شيء"
عندما سُئل هاكابي عما إذا كانت الجغرافيا التوراتية تعني سيادة تتجاوز حدود دولة إسرائيل الحالية، أجاب: “لا بأس إن استولوا على كل شيء”.
هذه الجملة ليست عابرة، بل تختزل رؤية متكاملة للعالم. خلف استدعائه الانتقائي للقانون الدولي تكمن الصهيونية المسيحية: أي الاعتقاد بأن شرعية إسرائيل لا تستند إلى سيادة يتم التفاوض عليها، أو إلى معايير قانونية معاصرة، بل إلى العهد التوراتي.
تذهب بعض التفسيرات إلى تصور حدود تمتد من النيل إلى الفرات، لتشمل أراضٍ في لبنان وسوريا والأردن ومصر والعراق والسعودية، وهي دول تضم مجتمعة مئات الملايين من السكان. لم يعد هذا مجرد فكر لاهوتي هامشي، بل بات يتداخل بشكل متزايد مع السلطة السياسية.
نشأت القيادة الإسرائيلية الحديثة في معظمها من مجتمعات المهاجرين القادمين من أوروبا. والد بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الأطول خدمة في تاريخ إسرائيل، وُلد في العاصمة البولندية وارسو، وغيّر لقبه من ميليكوفسكي إلى نتنياهو بعد هجرته إلى فلسطين.
في الواقع، كانت اللغة الرسمية للمؤتمر الصهيوني الأول، الذي انعقد في مدينة بازل عام 1897، الألمانية وليست العبرية، وهو ما يعبّر عن الجذور الأوروبية للحركة السياسية التي ستدّعي لاحقًا احتكارها للثقافة المحلية.
وكما هو حال العديد من الحركات القومية الاستيطانية، استندت الصهيونية إلى رابط حضاري أسطوري لتبرير العودة والاستيطان. أصبحت التوراة مصدر إلهام وأداة في آن واحد.
لكن فلسطين لم تكن أرضا خالية، فقد سكنتها على مدى آلاف السنين شعوب سامية اعتنقت اليهودية والمسيحية والإسلام، وظلت متجذرة في الأرض رغم كل التحوّلات.
وفق سردية هاكابي، بالكاد يظهر الفلسطينيون في الصورة، وهم حسب رؤيته مجرد عقبات في أرض وُعِد بها الشعب اليهودي منذ زمن بعيد.
ومع ذلك، فهم موجودون: كمسيحيين، ومسلمين، وورثةٍ لحضور دائم عبر التاريخ، ولا يمكن محوهم من خلال تصورات لاهوتية مجردة.
زعزعة الاستقرار
حتى داخل التراث الإبراهيمي نفسه، فإن ادعاءات العهد الحصري لليهود محلّ جدل. ينتسب اليهود إلى إبراهيم عبر إسحاق، بينما ينتسب المسلمون إلى إسماعيل.
ويعتبرون الإسلام إحياء للحنيفية الإبراهيمية. إذا أصبحت الأنساب المقدسة أساسًا للسيادة، فإن المطالب المتنافسة تصبح حتمية، وتنهار السياسة أمام اللاهوت.
لا يمكن للكتب المقدسة أن تتحوّل إلى سجلٍ عقاري معاصر لامتلاك الأراضي. يكمن الخطر في دمج اليقين اللاهوتي مع التفوق العسكري.
تتضمن رؤية “إسرائيل الكبرى” تهجير عشرات الملايين من البشر، ولن تتوقف تداعيات مثل هذا التغيير عند حدود الشرق الأوسط.
ستتحمل أوروبا نصيبًا كبيرًا من حالة عدم الاستقرار والتهجير الناتجين عن هذا المخطط. لن يحقق هذا المشروع الأمن، بل سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار على المستوى الإقليمي والقاري والعالمي.
لن يؤدي الانجرار الأعمى وراء الصهيونية المتشددة وحلفائها المسيحيين الإنجيليين إلى تحقيق الاستقرار، بل إلى صراع طويل الأمد وزعزعة الاستقرار بشكل ممنهج، هاكابي ليس مجرد واعظ، بل سفير للولايات المتحدة.
اعترضت الدول العربية والإسلامية رسميًا على تصريحاته، لكن رد واشنطن كان باهتًا بشكل ملحوظ. بدلًا من التنصل بشكل صريح من مزاعمه، قال المسؤولون الأمريكيون إن التصريحات “اقتُطعت من سياقها“.
يبدو هذا التعبير أقرب إلى الاحتواء منه إلى التصحيح. لو لم تكن تصريحاته تعبر عن جوهر السياسة الأمريكية، لكان قد صدر رد واضح. لكن ذلك لم يحدث.
ميزان القوى
يثير ذلك سؤالًا أكبر: هل كان ذلك مجرد تصور لاهوتي يعبّر عن رؤية هاكابي، أم أنه الموقف الاستراتيجي للإدارة الأمريكية الحالية؟
أدى التقارب بين حكومة نتنياهو والسياسات الإنجيلية في عهد ترامب إلى تغيير حسابات المنطقة. لم تعد لغة الاستحقاق التوراتي محصورة في الخطاب الديني، بل باتت تتداخل بشكل متزايد مع العقيدة الاستراتيجية.
يجب النظر إلى المواجهة الوشيكة مع إيران في هذا السياق. تمثل إيران مركز الثقل الإقليمي الرئيسي في مواجهة الهيمنة العسكرية الإسرائيلية، وإزاحتها ستُحدث تحولًا جذريًا في موازين القوى. آخر مرة أُعيد فيها تشكيل المنطقة على نطاق واسع كانت في أعقاب حرب الخليج عام 1991.
جاء مؤتمر مدريد ثم اتفاقية أوسلو، مما وضع إطارًا عزّز الهيمنة الإسرائيلية، مع الإيحاء بوجود حكم ذاتي فلسطيني. اليوم، تبدو الطموحات أوسع نطاقًا. ما سعت “اتفاقات أبراهام” إلى تحقيقه دبلوماسيًا – أي قبول المنطقة بالهيمنة الإسرائيلية – يتم العمل حاليًا على فرضه بالقوة.
اظهار أخبار متعلقة
أعلن بنيامين نتنياهو مرارًا وتكرارًا أن إسرائيل “بصدد تغيير الشرق الأوسط“، وأن حربها على غزة “ستتردد أصداؤها لأجيال“. هذا ليس مجرد كلام منمّق، بل رسائل استراتيجية.
لم تكشف مقابلة هاكابي عن رؤية دبلوماسية للعالم فحسب، بل سلّطت الضوء على مشروع إقليمي متكامل. عندما يُصوَّر التوسع على أنه قدر محتوم، وتصبح الحرب الإقليمية تمهيدًا لذلك المشروع.
ويتوافق التفسير التوراتي لحدود دولة إسرائيل مع دعم القوى العظمى، فإن التداعيات تتجاوز فلسطين بكثير. وعندما يطرح سفير أمريكي مثل هذا التصور دون تصويب يُذكر، فإن المسألة تتجاوز الدين وتصبح قضية سياسة بامتياز.