مقال في "فورين بوليسي": النظام في إيران صامد لأنه مصمم على تحمل الصدمات

موجات الاحتجاجات الجماهيرية المتكررة في إيران لم تترجم حتى الآن إلى شرخ سياسي- ايرنا
موجات الاحتجاجات الجماهيرية المتكررة في إيران لم تترجم حتى الآن إلى شرخ سياسي- ايرنا
شارك الخبر
نشرت مجلة "فورين بوليسي" مقالا لكبير المستشارين في منظمة "متحدون ضد إيران النووية" والأستاذ المشارك في العلوم السياسية بجامعة تينيسي في تشاتانوغا، سعيد غولكار، قال فيه إن المراقبين طرحوا سؤالا مألوفا مع تجدد الاحتجاجات في المدن الإيرانية خلال الأسابيع الأخيرة، وهو: هل تقترب الجمهورية الإسلامية أخيرا من الانهيار؟ فقد أدى ارتفاع الأسعار وانهيار العملة والإضرابات العمالية والتحدي الصريح للسلطة الدينية إلى مستوى من الاضطرابات كفيل بزعزعة استقرار معظم الأنظمة.

ومع ذلك، ورغم موجات الاحتجاجات الجماهيرية المتكررة في إيران، بما فيها الموجة الأخيرة، إلا أنها لم تترجم حتى الآن إلى شرخ سياسي.

وأضاف الكاتب غولكار أن "المشكلة لا تكمن في غياب معارضة واسعة النطاق؛ فقد أسفرت حملة قمع عنيفة هذا الشهر عن مقتل آلاف المتظاهرين، كما أن الإيحاء بأن النظام ليس مكروها بشدة هو فهم خاطئ لكيفية عمل السلطة في طهران. ولا يكمن جوهر المسألة في رغبة الإيرانيين بالتغيير، بل في سبب عدم انهيار النظام حتى الآن نتيجة للاضطرابات المستمرة، والجواب هو أن الجمهورية الإسلامية بنيت على هذا النحو".

وقال إنها "تعمل اليوم كنظام أمني ثيوقراطي، يتمحور حول آية الله علي خامنئي وعائلته. وتتوزع السلطة في دوائر متحدة المركز، حيث يحتل خامنئي وعائلته المقربة مركزها. وتتسم السلطة بطابع شخصي للغاية. ويعتمد البقاء السياسي بشكل أقل على المؤسسات الرسمية، وأكثر على القرب من المرشد الأعلى نفسه وأبنائه".

اظهار أخبار متعلقة


ووصف قيادة خامنئي بأنها "تتسم بالصرامة والانضباط، وبشعور عميق بالرسالة الشخصية. فهو لا ينظر إلى نفسه كمجرد سلطة سياسية، بل كوصي مؤتمن على مسؤولية إلهية في الحفاظ على الجمهورية الإسلامية وهو اعتقاد لا يترك مجالا للتردد أو المساومة في أوقات الأزمات. منذ توليه منصب المرشد الأعلى عام 1989، دأب على تحويل النظام إلى دولة أمنية ثيوقراطية تُعلي من شأن الإكراه على حساب رضا الشعب، معتمدة على جهاز قمعي مؤسسي متجذر وملتزم أيديولوجيا".

واعتبر أن "هذا الواقع البنيوي، أكثر من الرأي العام، هو ما يحدد ملامح التغيير السياسي في إيران اليوم، ويعكس قائدا يعطي الأولوية لبقاء النظام كواجب مقدس لا كخيار سياسي قابل للتفاوض ويحيط بهذا المركز مباشرة "بيت رهبري" أو مكتب المرشد الأعلى، وهو أقوى مؤسسة وأقلها وضوحا في الجمهورية الإسلامية. يعمل بيت خامنئي عمليا كسلطة تنفيذية فعلية للنظام. على مدى العقود الثلاثة الماضية، تطور إلى دولة موازية واسعة النطاق وغامضة، تعلو الدستور والبرلمان والرئاسة. ويضم البيت آلافا من رجال الدين الموالين، ومسؤولي الأمن والتقنيين ذوي التوجهات الأيديولوجية الذين يشكلون عملية صنع القرار في المجالات العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية والقضائية والثقافية".

وأضاف أنه "بدلا من الحكم عبر قواعد جامدة أو ضوابط مؤسسية، يحكم خامنئي من خلال أفراد موثوق بهم منتشرين في أرجاء الدولة. ويعد البيت أيضا القناة الرئيسية التي تمارس من خلالها عائلة خامنئي، ولا سيما أبناؤه، نفوذها، مما يحوله إلى مركز سلطة مؤسسي وعائلي في آن واحد. ولا يقتصر دور البيت على كونه امتدادا لسلطة خامنئي، بل هو الآلية التي تمكن حكمه من الاستمرار واستيعاب الصدمات والعمل دون رقابة دائمة".

وقال "يحيط بالبيت شبكة دينية واسعة تضفي شرعية دينية على النظام. فمن خلال الحوزات الدينية، وأئمة صلاة الجمعة وممثلي المحافظات، وكبار رجال الدين الموالين للنظام، تُقدّم سلطة خامنئي على أنها مُباركة إلهيا. ويصور ليس فقط كزعيم سياسي، بل كممثل للإمام الغائب".

وذكر "هذا الإطار الغيبي يحول الطاعة إلى واجب ديني، ويعيد صياغة القمع كضرورة أخلاقية بدلا من كونه خيارا سياسيا. تعمل المؤسسات الدينية مثل مجلس الخبراء ومجلس صيانة الدستور على تعزيز هذه الشرعية المقدسة، بينما تقوم في الوقت نفسه بتأديب المعارضة داخل المؤسسة الدينية نفسها".

وأوضح "يعبر عن هذا المنطق علنا كبار رجال الدين المنخرطين في الجهاز الأمني. فعلى سبيل المثال، صرح حجة الإسلام علي سعيدي، رئيس المكتب الأيديولوجي السياسي للقوات المسلحة، بأن الدفاع عن الحكومة الإسلامية يبرر مقتل الآلاف، وأن حماية الدولة الإسلامية هي الهدف الأسمى من بين جميع الواجبات".

وأشار إلى المؤسسة الدينية لعبت "دورا محوريا في وصم المتظاهرين بـ"محاربين" (أعداء الله)، وهو وصف يضفي طابعا دينيا على القمع ويبرر العنف المفرط والفظائع المرتكبة ضد المعارضين. هذا التصنيف، أكثر من الرأي العام، هو ما يُحدد حدود التغيير الثوري في إيران اليوم".

وقال إنه "خلف الطبقة الدينية، يقع الحرس الثوري الإسلامي والجهاز الأمني الأوسع، مُشكلين درعا قسريا للنظام. أُنشئ الحرس الثوري الإسلامي للدفاع عن الجمهورية الإسلامية، وكانت مهمته الأساسية منذ عام 1979 حماية النظام: منع الانقلابات، وقمع المعارضة، وحماية المرشد الأعلى. بمرور الوقت، تطور الحرس الثوري الإيراني ليصبح حرسا خاصا، متجاوزا الوظائف العسكرية ليصبح منظمة أمنية متعددة الفروع تضم أجهزة استخبارات ووحدات استطلاع وميليشيا الباسيج، وكلها متجذرة بعمق في المجتمع".

اظهار أخبار متعلقة


وأكد أن "هيكل الحرس الثوري يهدف إلى احتواء الاضطرابات من خلال قيادات إقليمية لامركزية تجمع بين الحرس الثوري والباسيج وقوات الأمن المحلية. وتعمل الباسيج، بمكاتبها المنتشرة في الأحياء والمدارس وأماكن العمل، كشبكة للمراقبة والتعبئة والإكراه، تمتص الغضب الشعبي من خلال القمع، بينما تحمي النظام من الضغوط الاجتماعية. وعلى الصعيد المحلي، ترسخ الحرس الثوري اقتصاديا وسياسيا من خلال شبكات واسعة وشركات مدعومة من الدولة، تسيطر على قطاعات رئيسية وتكتسب استقلالا ماليا. ومع ذلك، فقد تم كل هذا بأمر من خامنئي كوسيلة لاستمالة الحرس الثوري. ولهذا السبب، يبقى الحرس الثوري مرتبطا ارتباطا وثيقا بالمرشد الأعلى والبيت، وبقاؤه مرهون بنظام خامنئي".

وتابع غولكار "تحيط هذه الطبقات الثلاث بخامنئي، وتشكل مجتمعة النظام والأدوات التي تدعمه. وباستخدام استعارة الجسد البشري، يُمثل خامنئي الرأس، بينما يُمثل البيت الجذع، مُنسقا ومُتحكما في النظام. أما يدَي النظام فهما الحرس الثوري وشبكة رجال الدين، اللذان يفرضان السلطة ويُضفيان الشرعية الدينية. وتحتهما تقع الحكومة والإدارة العامة التي تدعم النظام دون أن تُوجهه. وتستمر الوزارات والبلديات والمؤسسات الخدمية في إدارة شؤون الحكم اليومية والحفاظ على استمرارية المؤسسات. يمتص هذا الغلاف الخارجي إحباط الشعب ويُحافظ على مظهر سير عمل الدولة بشكل طبيعي. ومع ذلك، فهو لا يملك سوى القليل من السلطة الحقيقية. تُدير البيروقراطية المجتمع، لكنها لا تحكم النظام".

ويعلق الكاتب أن هذا التكوين الهيكلي يقلل  بشكل كبير من احتمالية تحول السخط الشعبي إلى انقسام في النخبة، وهو أمر ضروري لانهيار الأنظمة الاستبدادية. تُحاصر الاحتجاجات من قِبل قوات الأمن، وتُبرر بخطابات رجال الدين، وتُحجب بواسطة جهاز دعائي يُسيطر عليه مكتب المرشد الأعلى، وتُمتص في الروتين البيروقراطي. تبقى السلطة مركزية، معزولة، ومحمية من قِبل مؤسسات يعتمد بقاؤها على الحفاظ على جوهرها.

ويعتقد الكاتب أن فهم هذه البنية أمر جوهري. فالجمهورية الإسلامية ليست مرنة لأنها تتمتع بشرعية أو تأييد شعبي، بل لأنها صممت عمدا لصرف الضغوط وتركيز السلطة وحماية مركزها من المجتمع ومؤسساتها على حد سواء.  وعليه، فأي تقييم جاد لمستقبل إيران السياسي يجب أن يبدأ بهذه البنية، لا بافتراضات مستمدة من تشبيهات ثورية أو توقعات بانهيار حتمي.
التعليقات (0)