قالت
صحيفة نيويورك
تايمز، إن الخلاف بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ورئيس
الإمارات محمد بن
زايد، يتصاعد ويدفع الدولتين الغنيتين بالنفط، في الخليج إلى مواجهة وتنافس في الشرق
الأوسط وأفريقيا وخارجها.
ويوم الثلاثاء، انفجرت
التوترات المتصاعدة منذ فترة طويلة، حيث استهدفت غارة جوية بقيادة
السعودية شحنة
إماراتية لدى وصولها إلى
اليمن، متهمة الإمارات بإرسال أسلحة إلى جماعة انفصالية.
ولفتت إلى أن هذا كان بمثابة
ذروة دراماتيكية لخلاف بين الشريكين السابقين، اللذين يدعمان الآن جماعات متناحرة
في اليمن والسودان، وينتهجان سياسات نفطية مختلفة، ويتخذان إجراءات ضد بعضهما
البعض في الشؤون الاقتصادية والتجارية.
ونظرا للنفوذ العالمي
الواسع للسعودية والإمارات باعتبارهما مصدرين رئيسيين للطاقة، ويمتلكان ثروة
سيادية هائلة ونفوذا دبلوماسيا كبيرا فإن هذا الخلاف يحمل في طياته إمكانية تحريك
الأسواق، وعرقلة الاستثمارات، وإرباك المفاوضات الحساسة في جميع أنحاء العالم.
وبالنسبة لواشنطن، ينذر
هذا الخلاف بمشكلة كبيرة. فقد أمضى وزير الخارجية ماركو روبيو يوم الثلاثاء في
إجراء اتصالات هاتفية مع نظيريه السعودي والإماراتي.
وقد قطعت الدولتان
وعودا سخية بضخ أموال في الولايات المتحدة، وهما لاعبان رئيسيان يأمل الرئيس ترامب
في كسب تأييدهما لسياساته في الشرق الأوسط، بما في ذلك في الاحتلال وغزة.
وقالت ياسمين فاروق،
مديرة مشروع الخليج وشبه الجزيرة العربية في مجموعة الأزمات الدولية: "لا أحد
في الخليج يرغب في رؤية أزمة خليجية أخرى، لذا فإن الجميع لديه مصلحة في احتواء
هذا الوضع".
وأشارت الصحيفة إلى
أنه ومع ذلك، لا يزال هناك انقسام جوهري قائم.
وقالت "في سنواته
الأولى، انتهج الأمير ابن سلمان سياسة خارجية عدوانية، حيث شن حملة قصف في اليمن
في غضون أشهر من تعيينه وزيرا للدفاع. لكنه سعى منذ ذلك الحين إلى تهدئة الصراعات
الإقليمية سعيا وراء أجندته الاقتصادية الداخلية".
في المقابل، أصبحت
الإمارات قوة إقليمية مستقلة ذات طموحات تبدو توسعية. خلال إدارة ترامب الأولى،
ساعدت في صياغة سلسلة من الاتفاقيات التي بموجبها طبعت الإمارات والبحرين والمغرب
علاقاتها مع الاحتلال، مما أدى إلى نقض سياسة راسخة لدى العديد من الدول العربية
بحسب الصحيفة.
كما اضطلعت الحكومة
الإماراتية بدور متزايد النشاط خارج المنطقة، واستثمرت بكثافة في أفريقيا.
اظهار أخبار متعلقة
وفي الأشهر الأخيرة،
واجهت الدولة استنكارا دوليا بسبب دورها في السودان. فقد اتهمت بدعم قوات الدعم
السريع، وهي قوة شبه عسكرية تقاتل الجيش السوداني في حرب أهلية مدمرة.
ونفى مسؤولون
إماراتيون سابقا تقديمهم أي دعم للجماعة، رغم وجود أدلة موثقة. وقد دعمت السعودية
الجيش السوداني واستضافت محادثات سلام بين الجانبين.
وخلال زيارة للولايات
المتحدة في تشرين الثاني/ نوفمبر، ضغط ابن سلمان على الرئيس ترامب للمساعدة في
التوصل إلى اتفاق سلام في السودان. ومن شأن التدخل المحتمل لإدارة ترامب أن يزيد
الضغط الدولي على الإمارات بشأن السودان.
وقال روبيو في تشرين
الثاني/ نوفمبر، في إشارة إلى الجهات الفاعلة في السودان: "هناك من يمدهم
بالمال، وهناك من يمدهم بالسلاح، ونحن نعرف من هم".
وذكرت ياسمين فاروق أن
الإمارات، في السنوات الأخيرة، "توظف أدواتها المالية والعسكرية المتنامية
لتحقيق طموحاتها الجيواقتصادية من خلال بسط نفوذها"، بينما ركزت السعودية على
احتواء الأزمات الإقليمية وإدارتها.
قال أنور قرقاش، المسؤول
الإماراتي الكبير في مقابلة مع شبكة CNN في تشرين الثاني/ نوفمبر: "نحن دولة
مؤثرة في المنطقة ربما لا يروق هذا للبعض، لكن في الواقع، نحن كذلك. ونتيجة لذلك،
أعتقد أن لدينا رؤية إقليمية لما نرغب في رؤيته في الدول المجاورة".
وصف بدر السيف،
الأستاذ المساعد في جامعة الكويت، الخلافات بين البلدين بأنها "اختلاف في
الرؤى العامة".
ونقلت الصحيفة عن محللين
ودبلوماسيين قولهم، إن تصرفات محمد بن زايد تبدو مدفوعة بأيديولوجية معينة، بما في
ذلك معارضته للإسلام السياسي، الذي يعتبره تهديدا للمنطقة.
في المقابل، يعرف
الأمير السعودي ببراغماتيته الصارمة، واستعداده لتغيير مواقفه السياسية حسب الحاجة
ويبدو أن اختلاف عقلياتهما وقوة شخصيتيهما قد جعل الصدام حتميا في مرحلة ما.
ظهرت أولى المؤشرات
العلنية على وجود خلل ما في عام 2019. فمع تزايد الضغوط الدولية على الحملة التي
تقودها السعودية في اليمن بسبب تفشي الموت والجوع والمرض في البلاد، سحب الإماراتيون
معظم قواتهم، لكنهم قدموا في الوقت نفسه الدعم لجماعة انفصالية، هي المجلس
الانتقالي الجنوبي، الذي بدأ قتالا علنيا ضد الحكومة اليمنية.
بعد ذلك بوقت قصير،
اشتدت المنافسة الاقتصادية بين البلدين. إذ تشكل خطط الأمير محمد بن سلمان لتحويل
السعودية إلى مركز عالمي للأعمال والذكاء الاصطناعي والسياحة تهديدا محتملا لدبي،
مركز المال والطيران الرئيسي في الإمارات.
اظهار أخبار متعلقة
وكثيرا ما يصرّح
المسؤولون السعوديون والإماراتيون بأن المنافسة بينهما ودية ومفيدة للجميع. إلا
أنه في عام 2012، بدأت الحكومة السعودية بالضغط على الشركات الدولية لنقل
مقراتها الإقليمية من دبي إلى الرياض، العاصمة السعودية، وهددت بقطع عقود حكومية
مربحة عن الشركات التي لا تمتثل.
وقد وقعت أعنف المواجهات
بين البلدين في اليمن، أفقر دولة في شبه الجزيرة العربية.
وفي كانون الأول/
ديسمبر، اجتاح الانفصاليون جنوب وشرق اليمن، وسيطروا على مساحات شاسعة من الأراضي
الغنية بالنفط في مناطق لطالما سيطرت عليها السعودية، وأعلنوا نيتهم إقامة دولة
انفصالية.
وصف مسؤولون سعوديون
تحركات الجماعة الانفصالية الأخيرة بأنها تهديد أمني للمملكة، التي تشترك مع اليمن
في حدود طويلة يسهل اختراقها. يوم الثلاثاء، عندما قصفت القوات التي تقودها
السعودية في اليمن شحنة إماراتية، بدعوى أنها تحتوي على أسلحة متجهة إلى الانفصاليين،
اتهمت وزارة الخارجية السعودية الإمارات بالضغط على الجماعة لشن هجومها الأخير.
ونفت الحكومة
الإماراتية ذلك، وقالت إن الشحنة لم تكن تحتوي على أسلحة، لكنها أعلنت بعد ساعات
أنها ستسحب ما تبقى من قواتها العسكرية من اليمن "بمحض إرادتها".
في أعقاب الغارة الجوية،
تبادل المعلقون السعوديون والإماراتيون، الذين عادة ما يظهرون احتراما أخويا
متبادلا، الاتهامات الحادة.