تقرير بريطاني يكشف كيف تفكك التحالف السعودي الإماراتي في اليمن

قصف الشحنة العسكرية فجر الخلاف علنا بين الرياض وأبوظبي- جيتي
قصف الشحنة العسكرية فجر الخلاف علنا بين الرياض وأبوظبي- جيتي
شارك الخبر
قالت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية إن رسوّ شحنة عسكرية سرية في أحد الموانئ اليمنية شكّل الشرارة التي أخرجت إلى العلن التوترات المكتومة بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، في مشهد دراماتيكي أنهى مرحلة من التنسيق الوثيق بين القوتين الخليجيتين.

وبحسب الصحيفة، حاولت الرياض على مدى أسابيع، من دون جدوى، استخدام القنوات الدبلوماسية للضغط على فصيل يمني مدعوم من أبوظبي للانسحاب من محافظات سيطر عليها في كانون الأول/ديسمبر قرب الحدود السعودية، غير أن السعودية اتهمت الإمارات لاحقًا بشحن أسلحة ومركبات مدرعة إلى ذلك الفصيل، المتمثل في "المجلس الانتقالي الجنوبي" الانفصالي.

وأثار ذلك غضبًا واسعا في الرياض، التي ردت بقصف الشحنة، ووجهت اتهاما علنيا للإمارات بدعم الهجوم الذي نفذه الفصيل اليمني، مطالبة أبوظبي بسحب ما تبقى من قواتها من اليمن الذي تمزقه الحرب.

اظهار أخبار متعلقة



ورفضت الإمارات الاتهامات السعودية، لكنها أعلنت في الوقت نفسه سحب قواتها في محاولة لاحتواء الأزمة وخفض التصعيد.

ووفق الصحيفة، أدّى هذا التصعيد الاستثنائي إلى إدخال الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية في حالة من الفوضى، فيما قد تمتد تداعياته إلى ما هو أبعد من اليمن، إذ يضع حليفين رئيسيين للولايات المتحدة، وشريكين تجاريين كبيرين، وزعيمين يعدّان الأكثر نفوذًا في العالم العربي، في مواجهة مباشرة، هما ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس دولة الإمارات محمد بن زايد آل نهيان.

ونقلت الصحيفة عن الدبلوماسي الأمريكي السابق والباحث في المجلس الأطلسي دان شابيرو قوله إن هذا التطور “مقلق، لأنه يقوّض الجهود الرامية إلى معالجة بؤر التوتر في المنطقة من اليمن وغزة إلى سوريا ولبنان والسودان”، مضيفًا أن حل هذه الأزمات سيصبح أكثر صعوبة إذا لم تكن السعودية والإمارات في الخندق نفسه، أو إذا رأى كل طرف أن مصالحه تتعارض مع مصالح الآخر.

وأشارت الصحيفة إلى أنه قبل عشر سنوات، بدت الشراكة الطويلة بين الدولتين الخليجيتين مقبلة على مرحلة جديدة تقودها قيادتان طموحتان، إذ كان محمد بن زايد، الأكبر سنا والأكثر خبرة، من أوائل الداعمين لمساعي محمد بن سلمان لتحديث المملكة والترويج لنسخة أكثر اعتدالا من الإسلام في مجتمع محافظ، على حد تعبير الصحيفة.

واستفادت الإمارات لفترة طويلة من دورها قاعدةً إقليمية للشركات الأجنبية العاملة في السعودية، أكبر مصدر للنفط وأكبر اقتصاد في الخليج، لكنها كانت تتحسب في الوقت نفسه من المخاطر الاجتماعية والسياسية لركود دولة محافظة بهذا الحجم على حدودها، ما جعل محاولات الإصلاح السعودية تحظى بترحيب إماراتي.

ومع ازدهار العلاقة بين الرجلين، روّج محمد بن زايد لمحمد بن سلمان وخططه في واشنطن، وذهب بعض المحللين إلى اعتبار أن القائد الإماراتي أدّى دور “المرشد” لولي العهد السعودي الشاب، وهو توصيف رفضته الرياض.

وتوحّد الطرفان في فرض النفوذ الإقليمي، إذ كانت الإمارات الشريك الرئيسي للرياض في التحالف العسكري ضد الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن عام 2015، كما شاركا معًا في الحصار الإقليمي المفروض على قطر عام 2017.

غير أن تصاعد ثقة محمد بن سلمان بنفسه وتكريسه سلطته داخليًا دفعه إلى السعي لدور عالمي أوسع، لتعود الاحتكاكات إلى الظهور بين النظامين الملكيين، وكلاهما يتسم بالحزم والطموح.

اظهار أخبار متعلقة



وقال الباحث في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إميل حكيم إن “كل طرف يرى نفسه القائد الطبيعي”، موضحًا أن السعودية تستند إلى حجمها وثقلها الرمزي، فيما ترى الإمارات أن قدرتها الريادية تنسجم أكثر مع الدينامكيات العالمية.

وأضافت الصحيفة أن الإمارات، في ظل قيادة محمد بن زايد، استخدمت قوتها المالية وشبكة علاقاتها الغربية لتصبح، رغم صغر حجمها، الدولة العربية الأكثر نفوذًا، وتحوّلت بعد انتفاضات 2011 إلى أحد أكثر الفاعلين الإقليميين حزمًا في مواجهة الحركات الإسلامية وإعادة تشكيل المنطقة وفق رؤيتها.

وبرزت التوترات بشكل واضح في اليمن عام 2019، عندما غيّرت الإمارات سياستها وسحبت قواتها التي كانت تشكل القوة الأجنبية الأساسية على الأرض ضمن التحالف الذي تقوده السعودية. وفي العام نفسه، اتهمت الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض الإمارات بقصف قواتها، في وقت كانت فيه الدولتان تدعمان فصائل متنافسة مناهضة للحوثيين.

وتصاعد التنافس الاقتصادي بين البلدين، وبلغ ذروته عام 2021 حين أطلق محمد بن سلمان حملة للضغط على الشركات متعددة الجنسيات لنقل مقارها الإقليمية من الإمارات إلى الرياض، مانحًا إياها مهلة ثلاث سنوات أو خسارة العقود الحكومية، وهي خطوة اعتبرتها الإمارات تحديًا مباشرًا لدور دبي كمركز مالي إقليمي.

اظهار أخبار متعلقة



وتراكمت الخلافات أيضًا حول ملفات سوريا، والحرب في السودان، وحصص إنتاج النفط ضمن تحالف “أوبك بلس”.

ومع مدّ وجزر التوترات، أوفدت أبوظبي الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان إلى الرياض لمحاولة احتواء الخلافات، غير أن اتساع الفجوة وتغيّر موازين القوى جعلا مهمته أكثر صعوبة، بحسب مسؤول أمريكي سابق.

وأشارت الصحيفة إلى أن الحرب في السودان وضعت البلدين في الأشهر الأخيرة على طرفي نقيض، إذ اقتربت الرياض من الجيش السوداني، بينما اتُهمت أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها الإمارات.

وبعد لقاء محمد بن سلمان بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن، انفجرت أحدث أزمة في اليمن، عندما سيطرت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة من الإمارات في كانون الأول/ديسمبر على محافظتي حضرموت والمهرة المحاذيتين للسعودية.

ورأت الرياض في ذلك مساسا بأمنها القومي وضربة لنفوذها، في حين اعتبر فراس مقصد، المدير التنفيذي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة "أوراسيا"، أن الهجوم تجاوز الخطوط الحمراء السعودية.

وأضاف مقصد أن قرار أبوظبي سحب قواتها المتبقية وفّر مخرجًا آمنًا من مسار كان يمكن أن يقود إلى تصادم مباشر بتداعيات جسيمة، محذرًا من أن الخطر يكمن في تحوّل التنافس الجيوسياسي بين البلدين إلى مواجهة شخصية بين أقوى رجلين في المنطقة.
التعليقات (0)