قال السفير الأمريكي السابق لدى المملكة العربية
السعودية، مايكل راتني، إن الرد السعودي الحازم على التطورات الأخيرة في
اليمن يعكس مخاوف استراتيجية عميقة تتجاوز البعد الميداني، وتمس بشكل مباشر الأمن الوطني للمملكة، وتوازنات الإقليم، ومستقبل مجلس التعاون الخليجي.
وأوضح راتني في التحليل الذي نشره في "
مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" أن السعودية ردت بقوة على سيطرة المجلس
الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيا، على محافظتي حضرموت والمهرة في جنوب اليمن، إلى جانب اعتراض شحنة قالت الرياض إنها تضم أسلحة ومركبات قادمة من
الإمارات وموجهة إلى قوات المجلس.
ويعود تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي إلى عام 2017 بدعم مباشر من أبوظبي، ويتبنى أيديولوجيا انفصالية تتسم بعداء واضح للتيارات الإسلامية. وعلى الرغم من ذلك، ظل المجلس جزءا من الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، وانضم في عام 2022 إلى مجلس القيادة الرئاسي، الذي يحظى بدعم سعودي وإماراتي معلن.
غير أن السعودية، بحسب راتني، تنظر إلى تحركات المجلس الأخيرة على أنها تمهيد عملي للانفصال وإعلان دولة جنوبية مستقلة بدعم إماراتي، وترى في شحنة الأسلحة المزعومة دليلا ملموسًا على هذا التوجه.
بيان سعودي غير مسبوق
في هذا السياق، أصدرت وزارة الخارجية السعودية بيانا علنيا وصف بغير المسبوق في صراحته، في الثلاثين من كانون الأول/ديسمبر الماضي، وجهت فيه انتقادا مباشرا للإمارات، واعتبرت أن أفعالها تمثل “تهديدا للأمن الوطني للمملكة”، داعية أبوظبي إلى الاستجابة لطلب الحكومة اليمنية بخروج جميع قواتها من اليمن خلال 24 ساعة، ووقف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف داخل البلاد.
وردت الإمارات في اليوم ذاته بنفي وجود أسلحة في الشحنة، معتبرة أن البيان السعودي تضمن “مغالطات جوهرية” بشأن دورها في التطورات الجارية، ومؤكدة رفضها القاطع الزج باسمها في التوترات اليمنية، أو اتهامها بالضغط على أي طرف يمني لتنفيذ عمليات عسكرية تستهدف أمن السعودية أو حدودها.
ورغم هذا النفي، أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية، في اليوم نفسه، سحب وحداتها لمكافحة الإرهاب من اليمن، وهي – بحسب تقارير – القوات العسكرية الإماراتية الوحيدة المتبقية في البلاد.
الرياض: لا تحركات دون ضوء أخضر
من المنظور السعودي، لا ترى الرياض أن المجلس الانتقالي كان قادرا على السيطرة على أراض واسعة في حضرموت والمهرة دون ضوء أخضر إماراتي، وهو ما يعني، وفق هذا الفهم، أن أبوظبي فضلت دعم المجلس الانتقالي على حساب علاقتها بالسعودية.
وتعتبر المملكة أن استيلاء قوات مدعومة إماراتيا على مناطق كانت تخضع لقوات مدعومة سعوديا يشكل خطوة عدائية، خصوصا أن هذه الأطراف يفترض أنها متحالفة ضد عدو مشترك هو جماعة الحوثي، وترى أن الإمارات تسهم، بذلك، في تأجيج صراع إقليمي لا مبرر له.
اظهار أخبار متعلقة
من الحرب الكلامية إلى الضربات الجوية
ورغم أن الأيام الماضية شهدت تصريحات قاسية وغير مسبوقة بين الرياض وأبوظبي، فإن الأمر لم يقتصر على السجال السياسي، إذ نفذت القوات السعودية ضربتين جويتين في جنوب اليمن.
وشنت الرياض، في 27 كانون الأول/ديسمبر الماضي٬ ضربات تحذيرية قرب مواقع لقوات المجلس الانتقالي في محافظة حضرموت، قبل أن تقصف، في 30 كانون الأول/ديسمبر الماضي٬ شحنة قالت إنها أسلحة ومركبات وصلت إلى ميناء المكلا قادمة من ميناء الفجيرة الإماراتي، وأكدت أنها كانت موجهة إلى قوات المجلس.
في المقابل، نفت الإمارات هذه الرواية، وقالت إن الشحنة كانت مجرد مركبات مخصصة لقواتها في جنوب اليمن، وإن إدخالها تم بالتنسيق مع القوات السعودية والحكومة اليمنية.
لماذا جاء الرد السعودي حادا؟
ويرى راتني أن اندفاع السعودية إلى هذا الرد الحازم يمكن فهمه من خلال عدة اعتبارات رئيسية:
أولا: تعتمد المقاربة السعودية الإقليمية، في السنوات الأخيرة، على خفض التصعيد في الصراعات، في ظل تحول اقتصادي واجتماعي طموح تقوده الرياض منذ نحو تسع سنوات. وترى المملكة أن استمرار الصراعات على حدودها يمثل تهديدا مباشرا لجذب الاستثمارات والسياحة، ويقوض الاستقرار اللازم لإنجاح هذا المسار.
وفي هذا السياق، تعتقد السعودية – بحق أو بغير حق – أن الإمارات تؤجج نزاعات إقليمية في وقت تسعى فيه الرياض إلى التهدئة.
ثانيا: تنظر المملكة إلى أي حركة انفصالية على حدودها الجنوبية باعتبارها تهديدا مباشرا لأمنها القومي، إذ إن انفصال الجنوب اليمني من شأنه إضعاف الحكومة الشرعية، وتعزيز نفوذ الحوثيين، ما يعني بالضرورة توسيع موطئ قدم إيران في شبه الجزيرة العربية.
كما يثير سيناريو الانفصال مخاوف من اقتتال داخلي بين القوى المناهضة للحوثيين، وربما بين الجنوبيين أنفسهم، إضافة إلى احتمالات توسع الحوثيين عسكريا وتقليص النفوذ السعودي.
ولهذا، ترى الرياض أن “القضية الجنوبية العادلة” ينبغي أن تحل عبر الحوار، وفي إطار حل سياسي شامل يحفظ وحدة اليمن.
ثالثا: قد تتوقع السعودية تهديدات من قوى بالوكالة مدعومة من إيران، لكن الصدمة تكون أكبر عندما يأتي التهديد من دولة شقيقة داخل مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يفسر عمق خيبة الأمل السعودية من سلوك الإمارات.
وترى الرياض أن استمرار هذا النهج يهدد تماسك مجلس التعاون وقدرته على مواجهة خصومه الحقيقيين.
رابعا: مع اقتراب ولي العهد محمد بن سلمان من تولي العرش، لا يمكن للمملكة أن تظهر بمظهر المتهاون في حماية أمنها القومي، أو المتساهل مع تهديد وحدة اليمن، أو المفرط في مواجهة النفوذ الإيراني، خاصة في ظل مكانة السعودية القيادية داخل الخليج والعالمين العربي والإسلامي.
اظهار أخبار متعلقة
أزمة خليجية جديدة؟
ويشير راتني إلى أن الأزمة الحالية تعد أكبر خلاف علني داخل مجلس التعاون منذ أزمة حصار قطر عام 2017، التي انتهت لاحقا بمصالحة فرضتها ضرورات اقتصادية مشتركة.
ويرجح أن السعودية حاولت احتواء الخلاف مع الإمارات بعيدا عن العلن خلال الأسابيع الماضية، إلا أن الشحنة التي وصلت إلى ميناء المكلا كانت، من وجهة نظر الرياض، “القشة التي قصمت ظهر البعير”، ودفعتها إلى إعلان مظالمها علنا واللجوء إلى العمل العسكري.
ويحذر راتني من أن هذه لحظة خطرة بالنسبة لمجلس التعاون الخليجي، مؤكدا أن لدى التكتل مصلحة كبرى في خفض التصعيد ومنع تفاقم الأزمة، لأن كل يوم يمر يمثل مكسبا لإيران وخصوم المجلس في المنطقة.
ويذكر أن اليمن شهد، الثلاثاء الماضي، تصعيدا غير مسبوق عقب سيطرة قوات المجلس الانتقالي منذ مطلع كانون الأول/ديسمبر الماضي على محافظتي حضرموت والمهرة، اللتين تمثلان نحو نصف مساحة البلاد، وترتبطان بحدود مباشرة مع السعودية.
واتهمت الرياض الإمارات بدفع قوات المجلس لتنفيذ عمليات عسكرية على حدودها الجنوبية، وهو ما نفته أبوظبي، فيما لا يزال المشهد مفتوحا على احتمالات تصعيد أو تهدئة، في واحدة من أخطر محطات الخلاف الخليجي خلال السنوات الأخيرة.