كتاب عربي 21

تصفية الإخوان ليس برنامج حكم

نور الدين العلوي
"لم يفلح النظام الرسمي العربي من 1952 إلى 2025 في شيء إلا في التنكيل بهذه الجماعات وبعضها سابق على وجوده نفسه"- الأناضول
"لم يفلح النظام الرسمي العربي من 1952 إلى 2025 في شيء إلا في التنكيل بهذه الجماعات وبعضها سابق على وجوده نفسه"- الأناضول
يجري حديث متواتر عن مصالحة بين نظام السيسي والإخوان المسلمين؛ مواطن عربي من مكان ما لا يصدق هذه الأخبار ويراها فسحة بين حصتي تعذيب. يرتكب النظام محرقة يحيّد بها الجماعة حتى تصل إلى حافة العدم، فيكون النظام قد حكم مرتاحا حتى إذا تأزم طرح مصالحة وتكون الجماعة منهكة؛ فتأتي صاغرة وأقصى طموحاتها أن يلتقي الأب أبناءه وأن يعالج ما ركّبه من أمراض في السجون.

هذه سيرة النظام العربي مع جماعات الإسلام السياسي، فلم يفلح النظام الرسمي العربي من 1952 إلى 2025 في شيء إلا في التنكيل بهذه الجماعات وبعضها سابق على وجوده نفسه. والشعوب العربية الرازحة تحت حكم هذا النظام لم تر نجاحات اقتصادية مبهرة ولم تحصّل مكاسب اجتماعية مجزية، بل تحملت كل الأوزار الناجمة عن معركة النظام (الأنظمة) مع هذه الجماعات، وقد بث في ظنها أن سبب التخلف والتبعية والفقر والجهل والمرض هي هذه الجماعات صنيعة الاستعمار. وقد شاركت نخب كثيرة الأنظمة في معركتها على أمل المرور إلى ما بعدها من تنمية وازدهار فإذا هي شريك في القتل فقط؛ فلا حازت مجدا ولا سؤددا. لمصلحة من تمت هذه المعارك المفتوحة؟

الحركات الإسلامية بالتعميم والإخوان بالتخصيص؛ هم أول الضحايا وأكثر المتضررين وشرعية الحاكم العربي مستمدة من تصفيتهم. يثبَّت كل نظام عربي في مكانه ويُحْمَى من قوى الهيمنة بقدر فحشه في دم هذه الجماعات، والنموذج الأشد وضوحا هو نموذج السيسي

لنتذكر بعض التاريخ القريب

معارك تحرير وبناء دول وظهور فوق سطح الأرض بعد حقب استعمارية غاشمة؛ فتحت آفاقا واسعة للأحلام والآمال، وقيل استقل العرب وسيشاركون في إعادة بناء العالم المخرب بالاستعمار والحروب الشاملة، فلم يمض وقت طويل حتى فُتح النقاش العام حول المستقبل ونماذج الحكم. لا شيء كان يمنع البناء على خامة الأفكار الكبرى المنتشرة بين الناس حول الديمقراطية، ففي كل المنطقة كانت هناك نخب متعلمة لديها نقاباتها وأحزابها وجرائدها ولديها أحلامها وأفكارها بنتها تحت الاستعمار نفسه وشاركت على أساسها في معارك التحرر، وكانت ترى لها حقا في المشاركة، كمواطنين في دول بنوها بدمائهم؛ فإذا الأنظمة من المغرب إلى بغداد تستبد بالسلطة دون كل الناس وبواسطة الدبابة غالبا، وكان الوقت وقت جرار فلاحي لكن الدبابة سبقت وحكمت، وبدأت تصفية الخصوم عوض "تصفية آثار الاستعمار". وهذه الجملة كانت علكة يومية على ألسنة الأنظمة وأجهزتها الدعائية التي بنتها بسرعة مذهلة وساقت بها الشعوب إلى مصير مظلم.

كانت أفكار اليسار فاشيَة في العالم، وكان خطاب التحرر الاجتماعي يجري على ألسنة نخب يسارية متعددة ومتنوعة، فبدأت الأنظمة بهم وبخطاب تكفيري فإذا هم أضعف من المواجهة، فتم ترويضهم وتحويلهم إلى أجهزة دعاية لمشاريع تحديث لم ير منها الناس الجرار الزراعي؛ بل رأوا الدبابة تدهسهم في حركات تصحيح متتالية. انتهى اليسار بوقا للأنظمة في الوقت الذي ظهرت فيه تيارات الإسلام السياسي واشتد عودها، ففُتحت معركة لم تنته بعد ويشارك فيها بحماس اليسار؛ الضحية السابقة.

كان أمرا عجبا دون بلدان العالم، فالنخب العسكرية العربية (وهل يكون العسكري نخبة؟) استولت وغلّقت الأبواب دون الديمقراطية باسم مواصلة معركة التحرير الشاملة، وتحرير الأرض المحتلة بالذات، لكن النتيجة التي نعيش هي أن أكثر المتكلمين من العساكر بتحرير فلسطين كانوا أشد الأنظمة تنكيلا بشعوبهم باسم فلسطين، لقد محوا مدنا كاملة من بلدانهم باسم التوازن الاستراتيجي مع العدو. هل حققت هذه النخب في مقابل قمع شعوبها قدرا من التنمية الاقتصادية والاجتماعية تواري سوءاتها؟ إن النتائج معيشة وليست مروية؛ المنطقة العربية وشعوبها من أفقر شعوب الأرض، وقد بلغ الأمر بخيرة شبابها أن يختاروا الموت في البحر على أن يظلوا تحت حكم نظام بلادهم. من المستفيد من هذه الأنظمة ومن يقود فعلا معركتها؟ لننظر إلى الكيان المتغطرس وهو يصول ويجول في المنطقة، يفعل بها فعل العقبان بالدجاج.

والإخوان في كل هذا؟

الحركات الإسلامية بالتعميم والإخوان بالتخصيص؛ هم أول الضحايا وأكثر المتضررين وشرعية الحاكم العربي مستمدة من تصفيتهم. يثبَّت كل نظام عربي في مكانه ويُحْمَى من قوى الهيمنة بقدر فحشه في دم هذه الجماعات، والنموذج الأشد وضوحا هو نموذج السيسي ما بعد الربيع العربي ووصول الإخوان إلى مرحلة المشاركة في إدارة بلدهم.

لو سارت الأنظمة سيرة حسنة في شعوبها وحققت نتائج تنموية مقنعة هل كان سيبقى هناك معارض إسلامي يناكف نظاما ناجحا؟ ألا تمتلك الشعوب قدرة دنيا على التمييز بين نظام ناجح وآخر فاشل؟ أليست نتائج النجاح تصل إلى جيوب الناس وبيوتهم، لتقف الشعوب كلها مع الأنظمة ضد الإسلام السياسي فيموت من تلقاء نفسه أو يتحول إلى شيء مختلف، فلا تفتح الأنظمة معارك باسم الوطنية وباسم تحرير الأرض المحتلة وباسم ألف قضية غير قضايا شعوبها المعيشية؟ (أمامي صورة القذافي يدعم جيش الرب الأوغندي ويذبح الإخوان في سجن بوسليم).

لو سارت الأنظمة سيرة حسنة في شعوبها وحققت نتائج تنموية مقنعة هل كان سيبقى هناك معارض إسلامي يناكف نظاما ناجحا؟ ألا تمتلك الشعوب قدرة دنيا على التمييز بين نظام ناجح وآخر فاشل؟ أليست نتائج النجاح تصل إلى جيوب الناس وبيوتهم، لتقف الشعوب كلها مع الأنظمة ضد الإسلام السياسي فيموت من تلقاء نفسه أو يتحول إلى شيء مختلف

سيخرج علينا متفاصح مغرم بالجدل بأن الإخوان (وتوابعهم) غير قاردين على الحكم وليس لديهم بدائل تقنع الشعوب، ومن قبيل الجدل نسأل: هل جرب هؤلاء في السلطة وهل اختبرهم الناس عمليا ليكون هذا الحكم البات؟ بلى، لقد جرب هؤلاء لفترة لا تحسب في تاريخ الشعوب ووضعوا في سجلهم حماية الحريات (في المغرب وتونس ومصر)، وكان مرورهم في السلطة قصيرا وحوصروا وأوذوا في أجسادهم لكنهم تحملوا كلفة الحرية والحرية؛ بوابة كل حكم رشيد ومنها تأتي الديمقراطية ومنها تأتي التنمية. ماذا لو طالت فترة حكمهم في بلدانهم؟ من يستطيع توقع نتائج حكمهم إذا كانوا بدأوا بحماية الحريات؟ (ولنبق في المنطقة العربية، فلا ندخل نموذج النجاح التركي الذي أقامه إسلاميون غير عرب بعد عقود من حكم العسكر الفاشلة).

السيسي الفضيحة الكاشفة

بديل الإخوان كان السيسي، ونتائج حكمه يشعر بها المصريون في جيوبهم وفي بيوتهم ويشعر بها العرب المناصرون لفلسطين. وقد ناصره قوم رأوا فيه المحرر المنتظر للأرض المحتلة، حيث غزة ومعبر رفح وراءه يموت أطفال فلسطين جوعا وعطشا. وإذا كان الإخوان يريدون الفخر فيكفيهم القول إن السيسي قتلهم ليحل محلهم لينجز أكبر عملية تخريب لمصر. لقد جاءت غزة في طريق السيسي فضاعفت فضيحته وكشفت عواره.

ويمكن أن نوسع الصورة لتفاصيل أخرى؛ بديل إخوان سوريا كان البعث ونظامه الدموي، وبديل إخوان ليبيا كان القذافي ثم حفتر، وبديل إخوان تونس كان بن علي وقيس سعيد. نماذج صارخة بالفشل والخيبة المرة للشعوب.

لنختصر، كل الأنظمة العربية (جمهورييها وملكييها) حاربت على جبهة واحدة؛ جبهة التنكيل بالإسلام السياسي، ولم تحقق نتائج تنسي الناس الإسلام السياسي، فلا اقتصاد يشبه اقتصاد كوريا، ولا حريات تشبه تركيا (على الأقل)، ولا تعليم يشبه ماليزيا، ولا صحة تشبه سنغافورة. وكل هذا البلدان استقلت عن الاستعمار في نفس التاريخ، أما إذا قارنا ثروات العرب بثروات البلدان المذكورة فإن كل تاريخ الأنظمة العربية يتحول إلى فضيحة.

ولا بأس أن نذكر أن المستفيد الوحيد من هذه الأنظمة ومعاركها التي لا تنتهي إلا لتبدأ هو الكيان الصهيوني. برنامج الحكم المسموح به من الصهاينة ومن يدعمهم ويحميهم هو تحقيق نتائج في معركة تصفية الإسلام السياسي، هذا هو السبب الوحيد للإبقاء على نظام عربي في مكانه بالدعم المالي والسياسي. وحتى لا ننزل إلى مستوى مجادلة الشبيحة والسيساوية؛ نقول إن الإسلام السياسي هو حركة حماس. فافخروا بأنظمتكم ولا تطرحوا السؤال: لماذا لا يندثر الإسلام السياسي من تلقاء نفسه؟ هناك تغيير عميق قادم قد تجد فيه تنظيمات الإسلام السياسي مكانا، أما من قضى عمره في حربها فلا نظنه إلا ذاهبا هباء منثورا.. هكذا يقول الطوفان.
التعليقات (0)

خبر عاجل