وكر اللصوص.. كيف تغزو الأموال القذرة العالم؟ قراءة في كتاب

تساعد الحملات التعليمية والتوعوية العامة على تمكين المواطنين بمعرفة حقوقهم وتأثير الفساد مما تُعزز من وجود مجتمع أكثر يقظة ومشاركة وأقل تسامحًا مع الممارسات الفاسدة.
الفساد داء ينهش في جسد البشرية، خصوصا الشعوب الفقيرة التي ترزح تحت نير الطغاة والحكام المستبدين. وهو أحد العوامل المهمة للتخلف والظلم السياسي والاجتماعي. والكتاب الذي بين أيدينا اليوم "كليبتوبيا" أو "وكر اللصوص" هو كتاب مهم في موضوعه، وكاتبه هو توم بيرجس. وقد صدر الكتاب في لندن عن دار هابر كولينز عام 2020. ونتناول في هذا المقال أهمية الكتاب، وما تناوله من موضوعات وعناوين مهمة:

أهمية الكتاب

تخيّل عالماً يتفشى فيه الفساد، وتتلاعب أيدي اللصوص الخفية بخيوط السياسة والاقتصاد العالميين، العُملة فيه هي السلطة. وهذا ما يُقدّمه توم بورجيس في كتابه، الذي يُعَد كشفاً مُثيراً لهذا العالم المُظلم، حيث تُقَوّض الديمقراطية وتُنهب الثروات من قِبل أولئك الذين يعملون فوق القانون. ومن خلال سرديات مُرعبة وبحث دقيق، يكشف بورجيس عن شبكات مُعقدة من الجشع والخداع تربط بين الطغاة والأوليغاركيين، وحتى المؤسسات المرموقة، في سعيهم وراء السلطة المُطلقة. لذلك، فإن كتاب كليبتوبيا ليس مُجرد نافذة على الجانب المُظلم من الشؤون العالمية، بل هو دعوة صريحة للتعرف على القوى الخفية التي تُشكّل عالمنا ومُكافحتها.

كما تأتي أهمية الكتاب من دور كاتبه "توم بورجيس" في كشف النهب والفساد واستغلال دول العالم الثالث وشعوبه الفقيرة. وهو صحفي استقصائي وكاتب مرموق، يُعرف بتقاريره المعمقة حول الفساد والشبكات الإجرامية العالمية المرتبطة به. وغطى مجموعة واسعة من المجالات، بما في ذلك أفريقيا والتحقيقات في الفساد العالمي. وكم سلط الضوء على الجانب المظلم من التمويل والسياسة الدوليين. وكان له من قبل كتاب "آلة النهب"، الذي تناول استغلال موارد أفريقيا، مما عزز مكانته كرائد في الصحافة الاستقصائية.

الشبكة العالمية للفساد

كتاب كليبتوبيا، أو وكر اللصوص، هو تصوير حي لعالم غارق في الفساد. ويكشف عن شبكة عالمية تعمل فيها أنظمة فاسدة عبر الحدود، مراكمة ثروات هائلة ونفوذًا لا مثيل له. وفي هذه الشبكة المترابطة، تتدفق الأموال بطرق غير مشروعة، وتتجاوز ديناميكيات السلطة الحدود الجغرافية، لتصنع نسيجًا معقدًا من الخداع والجشع. وتتميز "كليبتوبيا" بالنهب المنهجي للموارد الوطنية والأموال العامة من قبل قادة فاسدين يخفون غنائمهم في متاهة من الحسابات الخارجية والشركات الوهمية.

على الرغم من خطورة الفساد والنهب العالمي، وتعدد صوره ومظاهره، ورغم استراتيجيات مقاومته، فإن الطريق نحو الشفافية والمساءلة محفوف بالتحديات. فغالبًا ما يمتلك اللصوص موارد كبيرة تحت تصرفهم لتقويض جهود مكافحة الفساد.
هؤلاء الفاسدون، الذين يظهرون في البداية كرجال دولة نبلاء أو أقطاب أعمال أو بيروقراطيين نافذين، يستخدمون آليات متطورة لإخفاء نواياهم الحقيقية وثرواتهم. وغالبًا ما تُسهّل عملياتهم مجموعة كبيرة من محامين ومصرفيين ومستشارين ماليين - الذين يُساعدون في غسل الأموال غير المشروعة، مما يجعل تتبّعها شبه مستحيل على المواطنين العاديين وحتى الحكومات.

ومن الأمثلة الصارخة التي يُقدّمها بورجيس، قصة النخب الفاسدة في كازاخستان التي تنهب كميات هائلة من ثروات بلادها الطبيعية. وتتشابك هذه النخب بعمق مع السلطة السياسية لتُحيك مخططات مُعقدة لنقل مكاسبها غير المشروعة إلى الأنظمة المالية الغربية. وتتكرر قصص مماثلة في دول مُختلفة مثل نيجيريا وفنزويلا، مما يُظهر عالمية أساليب الفساد. ونادرًا ما تقتصر السلطة التي جمعها هؤلاء الفاسدون العالميون على بلدانهم الأصلية، بل تمتد لتشمل مناطق واسعة، مُؤثرةً على السياسة والاقتصاد الدوليين.

وغالبًا ما تتلاعب هذه الأوكار بالأنظمة السياسية، مما يضمن استمرار حكمهم وتغلغلهم في المؤسسات الديمقراطية. ومن خلال شبكة معقدة من التحالفات والتبعية المالية، يمارسون نفوذهم على قرارات السياسة الدولية، وبالتالي توسع نطاقها وسيطرة نفوذها.

يُلحق الحكم الفاسد خسائر فادحة بالشعوب العادية. وقصص المعاناة متعددة: مواطنون محرومون من الخدمات الأساسية، اقتصادات مُزعزعة بسبب التدفق غير المُقيد للأموال الفاسدة، مجتمعات رهينة للخوف والشك، والأثر العاطفي والنفسي على الأفراد العاديين الذين يكافحون الفقر والقمع والتآكل المستمر لحقوقهم. وعليه، فإن كليبتوبيا هي صورة قاتمة لعالم مُستعبد بالفساد، وشبكة عالمية من اللصوص لها قدرتها الخبيثة على تقويض نسيج المجتمع عبر القارات.

آليات الأموال القذرة.. كيف تتدفق وتتخفى؟

هناك آليات ووسائل معقدة تدفع التدفق العالمي للأموال القذرة، وتعبر بها الأموال غير المشروعة الحدود بسهولة نسبية، وتُمكِّن من إخفاء تدفق الثروات المتراكمة عبر الفساد والجريمة والاستغلال. وتلعب البنوك والشركات الوهمية والحسابات الخارجية في عالم التمويل العالمي المظلم في هذا المجال، دورًا محوريًا إذ تعمل كقنوات تُسهّل نقل وغسل مبالغ طائلة من المال بسلاسة، وتُخفي مصادرها ووجهاتها. وتتواطأ فيها بعض أعرق بنوك العالم، إما عن علم أو عن إهمال، في هذه الأنشطة غير المشروعة. ومن خلال تقديم خدمات تُمكّن اللصوص والمجرمين من نقل الأموال بشكل مجهول وتحويلها إلى أصول تبدو شرعية، تُصبح البنوك جزءًا لا يتجزأ من النظام المالي العالمي الفاسد.

وتُعدّ الشركات الوهمية، التي غالبًا ما تُسجّل في ولايات قضائية ذات لوائح متساهلة وقوانين سرية صارمة، أدوات رئيسية في هذا المشهد المالي الغامض. وتُمكِّن هؤلاء اللصوص من ممارسة الأعمال التجارية ونقل الأموال دون الكشف عن هوياتهم. ومن خلال إنشاء طبقات من الشركات الوهمية، يستطيعون إخفاء المصادر الحقيقية لأموالهم والتهرب من إنفاذ القانون.

وتُوفّر الحسابات الخارجية في الملاذات الضريبية، طبقات إضافية من السرية والأمان للأموال غير المشروعة تحميها من التدقيق التنظيمي والمصادرة المحتملة. ويتم عبر هذه الشركات الوهمية والملاذات الضريبية تعقيد عمليات غسيل الأموال القذرة من خلال العقارات والفن والسلع الفاخرة وغيرها من الأصول عالية القيمة في مختلف العواصم العالمية، مما يحول المكاسب غير المشروعة إلى استثمارات تبدو مشروعة.

واستغلت شبكات اللصوص الأنظمة المالية الغربية لغسل ملايين الدولارات، وتمكنوا من دمج أموالهم غير المشروعة في الاقتصاد العالمي مع بقائهم بعيدين عن أنظار السلطات إلى حد كبير.

وينقل اللصوص الأموال القذرة بأساليب متعددة، منها: فواتير تجارية مزورة لنقل الأموال عبر الحدود، واستخدام العملات المشفرة التي تُتيح مجالًا جديدًا وأقل تنظيمًا لتحويل الأموال. وهي أساليب تكشف عن طبقات التعقيد التي ينطوي عليها تحويل الأموال القذرة عالميًا، مُظهرة عالمًا تتلاقى فيه المؤسسات المصرفية والثغرات المالية والممارسات التجارية المبهمة لتسهيل عمليات اللصوص. وكل ذلك يشير إلى الحاجة المُلحة لأطر تنظيمية أكثر صرامة وتعاون دولي أكبر لمكافحة آفة الفساد العالمي.

السلطة والنفوذ.. تقاطع السياسة والفساد

يتعمق توم بورجيس في العلاقة التكافلية المقلقة بين السلطة السياسية والفساد، موضحًا كيف يتغلغل اللصوص ويتلاعبون بالأنظمة السياسية لتحقيق مآربهم غير المشروعة. ويكشف عن الكفاءة المذهلة التي يندمج بها اللصوص في نسيج الحكم، مُقوِّضين المؤسسات المصممة لدعم الديمقراطية وسيادة القانون. وغالبًا ما يبدأ اللصوص صعودهم داخل جهاز الدولة، مستخدمين نفوذهم الأولي لتأسيس شبكة من المحسوبية والولاء.

يُلحق الحكم الفاسد خسائر فادحة بالشعوب العادية. وقصص المعاناة متعددة: مواطنون محرومون من الخدمات الأساسية، اقتصادات مُزعزعة بسبب التدفق غير المُقيد للأموال الفاسدة، مجتمعات رهينة للخوف والشك، والأثر العاطفي والنفسي على الأفراد العاديين الذين يكافحون الفقر والقمع والتآكل المستمر لحقوقهم.
ومع تراكم ثرواتهم، يزداد نفوذهم السياسي، مما يخلق حلقة مفرغة حيث يشتري المال السلطة، وتجلب السلطة المزيد من المال. ويسمح هذا المزيج السام من الثروة والنفوذ للصوص بالعمل دون عقاب، غالبًا تحت ستار النشاط السياسي المشروع. ففي آسيا الوسطى، على سبيل المثال، ينتقل الأوليغاركيون الأقوياء بسلاسة إلى الأدوار السياسية، مستخدمين موارد الدولة لإثراء أنفسهم مع الحفاظ على قبضتهم على السلطة من خلال تزوير الانتخابات وسياسات قمعية. وفي روسيا يُعد الفساد السياسي متفشيًا. فقد حوّلت العلاقة بين مسؤولي الحكومة والأوليغاركيين الدولة إلى آلة نهب ثروات.

ويسلط بورجيس الضوء على الجانب المظلم للأطر الديمقراطية ظاهريًا، حيث يستغل المسؤولون المنتخبون مناصبهم للانخراط في ممارسات فاسدة، مما يؤدي فعليًا إلى إفراغ مؤسسة الديمقراطية من الداخل. ويستخدم كبار المسؤولين نفوذهم السياسي لتأمين صفقات مربحة لأنفسهم وحلفائهم، مع استخفاف بسيادة القانون. وقد أدى ذلك إلى انتشار واسع النطاق للفساد.

الخسائر البشرية لـحكم اللصوص: قصص الاستغلال والقمع

يتعمق بورجيس في القصص الإنسانية، التي تُظهر الخسائر البشرية الهائلة التي تتسبب فيها أنظمة اللصوص. ويكشف النقاب عن عالم الاستغلال والقمع المظلم نادرًا ما يراه العالم الخارجي. ويظهر الأثر النفسي في حياة العائلات التي مزقتها الفساد أو تصدوا لمحاربته، والذين وجدوا أنفسهم يكافحون من أجل البقاء في اقتصاد أُنهك بالفساد. عندما اختلس مسؤولون حكوميون أموالاً مخصصة للبنية التحتية وبرامج الرعاية الاجتماعية. وتُجسّد هذه القصص الآثار المجتمعية الأوسع نطاقًا للفساد المستشري، إذ تؤثر على أجيالٍ وتُحرم مجتمعاتٍ بأكملها من حقها في حياةٍ كريمة. ويتجاوز قمع الفساد المستشري الاستغلال الاقتصادي ليشمل انتهاكاتٍ جسيمة لحقوق الإنسان. غالبًا ما يواجه النشطاء الذين يقفون في وجه هذه الأنظمة أعمال انتقامية وحشية.

ومن خلال هذه الروايات المؤثرة، يكشف بورجيس عن العواقب الوخيمة للكلبتوقراطية على المواطنين العاديين، مما يجعل القارئ يُدرك تمامًا الأثر المدمر للفساد على أرض الواقع. وتؤكد هذه الروايات على الحاجة المُلحة إلى تحرك عالمي ضد الأنظمة اللصوصية، ليس فقط من أجل الحفاظ على النزاهة الاقتصادية، بل أيضًا لحماية الأرواح البشرية والكرامة. ومن خلال تسليط الضوء على المعاناة الشخصية التي تُسببها هذه الأنظمة الفاسدة، يُشكل كتاب "كليبتوبيا" دعوة قوية للمجتمعات الدولية للتصدي للكلبتوقراطية ومكافحتها بحزم لا يلين.

المبلغون عن المخالفات والمحققون.. مكافحة الفساد المستشري

في المعركة ضد الفساد المستشري، يلعب المبلغون عن المخالفات والصحفيون الاستقصائيون دورًا لا غنى عنه، فهم بمثابة حاملي لواء الحقيقة في عالم غامض من السرية والتخفي. ويواجهون مخاطر جسيمة. وغالبًا ما تكون جهودهم هي الوسيلة الوحيدة التي يتم من خلالها كشف شبكات الفساد المعقدة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الناشط الحقوقي والسياسي الأمريكي بيل براودر، مدير صندوق التحوط الذي تحول إلى محارب شرس للفساد. وأدى سعيه لتحقيق العدالة في قضية محاميه، سيرجي ماغنيتسكي، الذي قُتل بعد كشفه عن مخطط ضخم للتهرب الضريبي في روسيا، إلى سن قانون ماغنيتسكي الذي يُجيز فرض عقوبات على منتهكي حقوق الإنسان والمسؤولين الفاسدين، مما يُثبت أن الجهود الفردية قادرة على إحداث تغييرات جوهرية في السياسات الدولية. ومن الشخصيات البارزة الأخرى في مكافحة الفساد داريا كالينيوك، المؤسِسة المشاركة لمركز مكافحة الفساد في أوكرانيا. وكان لعمل منظمتها الدؤوب دورٌ حاسم في كشف الفساد داخل الحكومة الأوكرانية، على الرغم من تعرضها للمضايقات والتهديدات.

ويُعد الصحفيون الاستقصائيون في طليعة من يكشفون شبكات الفساد. وتُعد فضيحة وثائق بنما، التي كشف عنها الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين،  مثالًا بارزًا على ذلك. فقد تم تسريب أكثر من 11 مليون وثيقة من شركة المحاماة البنمية موساك فونسيكا عن كيفية استخدام نخبة العالم للملاذات الضريبية الخارجية لإخفاء ثرواتهم، وتورط فيها سياسيون ومشاهير وقادة أعمال من مختلف أنحاء العالم. ولا يمكن التقليل من المخاطر التي يواجهها هؤلاء الصحفيون؛ فقد اغتيلت دافني كاروانا غاليزيا، وهي صحفية مالطية كانت تحقق في قضايا فساد حكومي، في هجوم بسيارة مفخخة.

إن التحديات التي يواجهها هؤلاء المبلغون عن المخالفات والمحققون هائلة. فالتهديدات القانونية، والخطر الجسدي، والعقوبات المالية، كلها أدوات شائعة يستخدمها الحكام الفاسدون لإسكات معارضيهم. وقد سلطت تسريبات سنودن، المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي الأمريكية، الضوء عن كم هائل من الوثائق السرية التي تكشف عن مدى انتشار برامج المراقبة العالمية. وأثارت تسريباته نقاشات عالمية حول الخصوصية وتجاوزات الحكومات، واضطر سنودن إلى اللجوء في روسيا لتجنب الملاحقة القضائية.

ورغم التحديات الجسام فقد تحققت قصص نجاح ملحوظة. واكتسبت منظمة الشفافية الدولية زخمًا كبيرًا في تعزيز الشفافية والمساءلة. وأصبح مؤشر مدركات الفساد السنوي الذي تصدره مرجعًا أساسيًا لفهم مدى انتشار الفساد في العالم والدعوة إلى التغيير. ولكن، لكل نجاح عقبات. ومكافحة الفساد مسعى محفوف بالمخاطر، يقوده اليوم أفراد ومنظمات ملتزمون بكشف الفساد. وتُشكّل شجاعتهم منارة أمل في ظلام الفساد العالمي.

دور الغرب.. التواطؤ والعواقب

تلعب الدول والمؤسسات الغربية دورًا هامًا في تمكين حكم اللصوص من الازدهار في جميع أنحاء العالم. وتُسهّل أنظمتها المالية نقل الأموال غير المشروعة وإخفائها، وتُهيئ ملاذًا آمنًا للأموال القذرة من خلال توفير الخدمات المالية، والحفاظ على شركات وهمية مجهولة المصدر، والسماح بشراء العقارات دون تدقيق كافٍ. وغالبًا ما تُمثّل هذه الأنظمة الوجهة النهائية للثروات المسروقة.

وتتورط البنوك في المراكز المالية الكبرى مثل لندن ونيويورك وزيورخ بشكل متكرر في غسل الأموال لصالح اللصوص. وغالبًا ما تتغاضى هذه البنوك عن المعاملات المشبوهة أو تقبل وثائق لم تخضع للتدقيق الكافي، مما يسمح للصوص بإضفاء الشرعية على مكاسبهم المحرمة.  ويُؤدي هذا التراخي إلى خلق شبكة مُعقدة تُساعد الحكام المُستبدين على نهب مليارات الدولارات من بلدانهم الأصلية مما يُزيد من فقر شعوبهم. ومن الأمثلة البارزة على تواطؤ الغرب استخدام الشركات الوهمية والحسابات الخارجية، التي تُوفر إخفاء الهوية وتُخفي الملكية الحقيقية للأصول. وقد اشتهرت مناطق قضائية مثل جزر العذراء البريطانية، وديلاوير، وقبرص بقوانينها المُتساهلة، مما يُتيح إنشاء هياكل مُعقدة تُصعّب على المُحققين تتبّع تدفق الأموال.

وقد كشفت تسريبات وثائق بنما ووثائق بارادايس عن مدى استغلال النخب العالمية لهذه الأنظمة، حيث يلعب عدد مُقلق من البنوك والمحامين والمحاسبين الغربيين دورًا حاسمًا في هذا الاقتصاد السري. ومن خلالها، يتمكن الحكام الفاسدون من غسل أموالهم واستثمارها بأمان في الخارج، ويستنزفون فعلياً الحيوية الاقتصادية لبلدانهم. وهذا الهروب لرؤوس الأموال يقوض التنمية، ويزيد من حدة عدم المساواة، ويغذي الاضطرابات الاجتماعية وقمع الشعوب.

نحو الشفافية والمساءلة: المسار المستقبلي

تتطلب مكافحة النفوذ المتفشي للفساد نهجًا متعدد الأوجه لتعزيز الشفافية والمساءلة على مستوى العالم. وذلك عبر الإجراءات والوسائل والسياسيات التالية:

1 ـ تعزيز التعاون الدولي: فالفساد وغسل الأموال لا يقتصران على الحدود الوطنية، مما يجعل من الضروري أن تعمل الدول معًا لتتبع ومعالجة التدفقات المالية غير المشروعة. ويشمل ذلك مواءمة الأنظمة، وتبادل المعلومات، وتنسيق إجراءات الإنفاذ.

2 ـ تلعب المبادرات العالمية وفرق العمل المعنية بالإجراءات المالية دورًا حاسمًا في وضع المعايير وتعزيز التنفيذ الفعال للتدابير القانونية والتنظيمية والتشغيلية ذات الصلة بنزاهة النظام المالي الدولي.

3 ـ إيجاد أطر قانونية قادرة على معالجة تعقيدات الفساد المعاصر، وسنّ وإنفاذ قوانين صارمة لمكافحة الفساد، وتطبيق أنظمة شاملة للإفصاح عن الأصول للموظفين العموميين، وضمان التزام المؤسسات المالية بمتطلبات العناية الواجبة الصارمة. ويمكن للتشريعات الفعّالة لمكافحة الرشوة، أن تكون أدوات قوية لردع الأنشطة الفاسدة ومعاقبة مرتكبيها.

4 ـ للمجتمع المدني والإعلام دور حيوي في تعزيز الشفافية ومحاسبة الكيانات النافذة. وقد كشفت الصحافة الاستقصائية عن العديد من فضائح الفساد البارزة، مسلطة الضوء على العمليات السرية للفاسدين، ومحفزةً على اتخاذ إجراءات سياسية وقانونية. لذلك، يُعد دعم وسائل الإعلام المستقلة وحماية حقوق الصحفيين والمبلغين عن المخالفات أمرًا ضروريًا للحفاظ على تدفق المعلومات اللازمة لكشف الفساد ومكافحته.

5 ـ يمكن أن تكون التكنولوجيا تكون سلاحًا قويًا في مكافحة الفاسدين، وهي تساعد في تتبع تدفقات الأموال غير المشروعة.

6 ـ إن وجود سجلات عامة للملكية المستفيدة يُصعّب على الفاسدين الاختباء وراء الشركات الوهمية وغيرها من الهياكل المبهمة.

7 ـ تساعد الحملات التعليمية والتوعوية العامة على تمكين المواطنين بمعرفة حقوقهم وتأثير الفساد مما تُعزز من وجود مجتمع أكثر يقظة ومشاركة وأقل تسامحًا مع الممارسات الفاسدة.

8 ـ تدفع المطالبة العامة بالمساءلة نحو الإصلاح السياسي، وتضغط على الحكومات لاتخاذ إجراءات فعّالة ضد حكم اللصوص.

الخلاصة

على الرغم من خطورة الفساد والنهب العالمي، وتعدد صوره ومظاهره، ورغم استراتيجيات مقاومته، فإن الطريق نحو الشفافية والمساءلة محفوف بالتحديات. فغالبًا ما يمتلك اللصوص موارد كبيرة تحت تصرفهم لتقويض جهود مكافحة الفساد. ويمكنهم التأثير على الأنظمة السياسية، واستمالة أجهزة إنفاذ القانون، واستخدام آليات متطورة لإخفاء أنشطتهم. ولذلك، تتطلب مكافحة الفساد جهودًا شاملة ومنسقة ومستدامة من الحكومات والهيئات الدولية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام والمواطنين في جميع أنحاء العالم. ورغم كثرة التحديات، فإن الخطوات المتخذة نحو مزيد من الشفافية والمساءلة تُبشر بمستقبل يُحد فيه من الفساد بشكل كبير، وتسود فيه العدالة.