حين أصبحت الكتابة طريقا إلى الوزارة.. كيف بنى الكُتّاب الدولة العباسية؟

لا يكتفي بعرض الروايات المتعارضة (قصة العباسة، تهمة الزندقة) بل يُميّز بين المؤرخين الذين أثبتوها ومن تجاهلها، وينتهي إلى ترجيح مسنود بشاهد نصي معاصر للحدث، مما يجعله عملا تفكيكيا تحليليا يتجاوز التلخيص الإخباري المحض.
الكتاب: الكُتّاب في العصر العباسي الأول: قراءة في النظم والثقافة والمجتمع(132-247هـ/749-861م)
الكاتبة: عفاف عبد الحفيظ محمد رحمه
 الناشر: دار آرثيريا للنشر والتوزيع، ط 1، الخرطوم 2021.
عدد الصفحات: 220 صفحة.


ـ 1 ـ

يمثل هذا الكتاب الإصدار الأول من "سلسلة الدراسات التاريخية" وينتمي إلى حقل التاريخ الإسلامي الإداري والاجتماعي. ويتّخذ من فئة "الكُتّاب" و"الوزراء" في الطور الأول من الدولة العباسية ـ أي من قيام الدولة على يد أبي العباس السفاح حتى نهاية خلافة الواثق بالله موضوعًا لدراسة جامعة تتقصّى أدوار هذه الفئة في ثلاثة حقول متداخلة: السياسة، والثقافة، والمجتمع. وتنقسم الدراسة إلى أربعة فصول هي الكتابة والوزارة وصلاحيات ونكبات الوزراء والتثاقف والترجمة والتأليف وطبقة الكُتّاب وتأثيرها في مجتمع بغداد، تعقبها خاتمة تلخّص أبرز النتائج.

ـ 2 ـ

يحاول هذا الكتاب التمييز بين مؤسستين إداريتين متلازمتين هما الدواوين والوزارة. فقد نشأت الدواوين في عهد الدولة الأموية، ولكن العباسيين الذين ورثوا عنهم الدولة دعموا التخصص في عمل الدواوين ووسعوا سلطة الوزير ليشرف عليها. وعامة فقد طوروا النظام الإداري عبر "إدخال تعديلات جوهرية ساعدت على جعل السلطة مركزية" (ص27).

وتتوقف عند أصل لفظة "ديوان" نفسها، فالروايات المتعددة حول اشتقاقها، ترجعها إلى الفارسية وتمنحها معنى "المجانين" لسرعة الكتّاب في حساباتهم مبرزة أن الدواوين الإقليمية في الأمصار المفتوحة (الشام، العراق، مصر) ظلت تستخدم لغاتها المحلية (القبطية، الرومية، الفهلوية) حتى تعريبها في عهد عبد الملك بن مروان. وتخلص إلى أن الجهاز الإداري العباسي بلغ في التشعب والتنظيم في عهد الهادي (170-193هـ) مبلغًا لم يبلغه في العهد الأموي (ص28)، مفصّلة تراتب الدواوين من ديوان الخراج إلى ديوان الضياع فالزمام فالتواقيع فالرسائل فالبريد.

جوهر النكبة في تقديرها يكمن في إساءة البرامكة استخدام السلطة وتمدد نفوذهم مثل اتخاذ الفضل بن يحيى جندًا خاصًا من الفرس بلغ خمسمئة ألف رجل، بما يمثّل "دولة داخل دولة"، حتى شعر الرشيد أن "كل ما له من الخلافة كان مجرد اسمها"..
لـ"تعدد الدواوين وتشعبها" كديوان الرسائل والخراج والخاتم والجند والنفقات والأحكام والحوائج والصدقات، أنشأ الفضل بن يحيى البرمكي في عهد الرشيد مصنعًا للورق ببغداد "ففشت الكتابة فيه لخفته وغلبت على الكتابة في الجلود والقراطيس" فكان هذا التحول التقني من أسباب "النقلة الكبيرة في الإدارة" العباسية. وتُرجع المؤلفة استحداث مؤسسة الوزارة إلى تأثر العباسيين بالنظم الفارسية الساسانية، مميزة بين وزارة التفويض ووزارة التنفيذ. فكانت الوزارة الأفق الذي يطمح الكاتب المتميز، إلى أن يدركه. ف"الكتابة هي الطريق الذي يوصل إلى أعلى المناصب الإدارية وهي الوزارة" .

ـ 3 ـ

ضمن البحث في صلاحيات الوزراء ونكباتهم تعرض نماذج مثلت ما بين السياسة والمجد والمآسي من تقارب رغم المسافة المتنائية بينهما ظاهرا. فتحلل نكبة البرامكة سنة 187هـ تستعرض المؤلفة الروايات المتضاربة لدى المؤرخين وتنتهي إلى تفسير بديل تصرّح بتبنّيه، فتذكر: "وفي اعتقادي أن توليهم المطلق لمقاليد الأمور في الدولة... هو ما سبب الإطاحة بهم" (ص107).

فجوهر النكبة في تقديرها يكمن في إساءة البرامكة استخدام السلطة وتمدد نفوذهم مثل اتخاذ الفضل بن يحيى جندًا خاصًا من الفرس بلغ خمسمئة ألف رجل، بما يمثّل "دولة داخل دولة"، حتى شعر الرشيد أن "كل ما له من الخلافة كان مجرد اسمها" (ص107).

وتتتبّع الدراسة دور الفضل بن سهل في تثبيت المأمون وليًّا للعهد ثم خليفة بعد مقتل الأمين، مبرزة  أن الوزير الذي يسند خليفة معينًا إلى العرش يضمن لنفسه الوزارة حين يتولى. فكان هذا تقليد "من أهم العوامل التي جعلت وجوه الكُتّاب... ينتقلون من مرتبة الكتابة إلى مرتبة الوزارة" (ص182).

وتنتهي إلى أن أغلب وزراء العصر العباسي الأول كانوا من العنصر الفارسي. وتردّ ذلك إلى الخبرة الإدارية الساسانية الموروثة وتبرز أن اتساع صلاحياتهم أتاح لبعضهم الانحراف بالمنصب نحو أغراض سياسية غالبا. وتعود عامّة إلى خلفية هؤلاء الوزراء الشيعية والفارسية. ولكنها تلاحظ أنّ الخلفاء "في النهاية يستطيعون أن يحدّوا من نفوذهم في مظاهر كثيرة للنكبة شملت القتل والسجن والتعذيب ومصادرة الأموال" (ص71).

ـ 4 ـ

لما كان أغلب الكُتّاب والوزراء من أصول فارسية، فقد "أثّروا بشكل متكامل في طبع الحياة السياسية والإدارية وتفاصيل الحياة اليومية بالطابع الفارسي" (ص129). وعليه تربط المؤلفة انتقال العاصمة من دمشق إلى بغداد بتقوية هذا الحضور الفارسي. فقد "قامت بغداد في المجال الفارسي وتنفسّت فيه" (ص129)، فانتقلت نظم الحكم والبلاط والأزياء والأطعمة الفارسية إلى قصور الخلفاء العباسيين، حتى إن النقود المأثورة تحتفظ بصور لبعض الخلفاء في أزيائهم الفارسية. وإلى ذلك تردّ النزعة الشعوبية التي تمثلت خاصّة في "تعصب العناصر غير العربية ضد العرب"، هدفها استعادة "المجد الفارسي القديم"، وتُرجع بروزها بين طبقة الكُتّاب ـ الذين اعتبروا أنفسهم "حملة التراث الساساني الفارسي" ـ إلى ما اكتسبوه من نفوذ ومكانة بعد أن كانوا مضطهدين في العهد الأموي (ص130-131). وتُبرز الدور المزدوج للبرامكة. فلم يكونوا صانعي القرار السياسي فحسب، بل عملوا على "توسيع طبقة الكُتّاب" وتأكيد أهميتها. وعبرها رسّخوا حضور العنصر الفارسي في الإدارة ليتجاوز الأفراد إلى البنية.

وتستند عفاف عبد الحفيظ محمد رحمه، إلى ابن النديم لتُرجع انطلاقة حركة الترجمة إلى عهد المنصور الذي تُرجمت له كتب الطب والمنطق (كليلة ودمنة، السندهند، كتب أرسططاليس، المجسطي). وتربط ازدهارها بطبيعة بغداد مدينةً متعددة الثقافات ضمّت "مسيحيين ويهودًا ناطقين بالآرامية... وناطقين بالفارسية... وعربًا مسيحيين" (ص141)، مثنية على دور الفضل بن يحيى البرمكي في إدخال صناعة الورق إلى المدينة بوصفه عالمة فارقة في النهضة العلمية والثقافية، على دور المأمون في تأسيس بيت الحكمة وتوسيع حركة الترجمة لتشمل الطب والفلك والفلسفة والرياضيات.

ـ 5 ـ


تحول الباحثة في القسم الأخير من كتابها زاوية النظر من الأفراد والمؤسسات إلى البنية الاجتماعية. فتصف بغداد بوصفها حاضرة عالمية ازدهرت اقتصاديًا وعمرانيًا في عهد الرشيد. ومنها تحاول تفكيك الطبقية الاجتماعية في العصر العباسي الأول. فتقدّر أن الكُتّاب شكّلوا طبقة اجتماعية متميزة لا يجمعها العرق أو الدّين وإنما "صناعة الكتابة". وتفصّل تراتبها الداخلي فتذكر وجوه الكُتّاب وأصاغرهم وصاحب الديوان ومن يكتب بين يديه.

ومما تؤكده الباحثة ظاهرة احتكار بعض العائلات لصناعة الكتابة، شأن أسرة بني وهب التي تتبّع المؤلفة سلسلة توارثها للكتابة عبر نحو ثلاثة قرون، بدءًا من الجد الأول "فنّال" الذي كتب في ديوان الشام ليزيد بن معاوية، مرورًا بأبنائه وأحفاده الذين انتقلوا في الخدمة من الأمويين إلى العباسيين (خالد بن برمك، جعفر بن يحيى، الفضل والحسن ابني سهل)، وصولًا إلى سليمان بن وهب الذي تولى الوزارة للمهتدي ثم المعتمد قبل أن يُنكب سنة 264هـ لخروجه من بغداد دون إذن الخليفة (ص185-186)، نقلًا عن ترجمة ابن خلكان له. وتضيف أن أسرًا أخرى كررت النمط ذاته، كالبرامكة الذين "لعبوا دورًا كبيرًا في ميدان البلاغة لا يقل عن دورهم التاريخي في مجال السياسة" (ص187)، وبني سهل الذين قدّمهم البرامكة لخدمة الخلافة، وبني صبيح.

وهذا ما يوضح أطروحة الكتاب المركزية وهي انغلاق طبقة الكُتّاب على نفسها، وأنّ انتقال هذا الامتياز عبر الأجيال كان يتم بطريقتين هما صلة الدّم والقرابة وآلية "الصنيعة" - أي تبنّي وزير أو كاتب كبير لكاتب مبتدئ ورعايته.

ـ 6 ـ

يمكن أن نوجز أبرز نتائج الدراسة في خمس مسائل رئيسية، أولها، أن الدولة العباسية "قامت على أكتاف الفرس واستعانت بخبراتهم"، فكان تأثير الكُتّاب في المجال الثقافي أعظم من دور الوزراء، بينما كان تأثير الوزراء في المجال السياسي أعظم من دور الكُتّاب، وهذا التمايز "يعود بالضرورة إلى طبيعة المنصب والمهام". وثانيها، أن النظم الإسلامية عمومًا لم تتشكل دفعة واحدة بل تطورت تدريجيًا بتأثر من النظم الساسانية والبيزنطية السابقة على الإسلام. ويمكن أن نعدّ قول الباحثة بكون نشأة الكتابة، بصفتها صناعة ارتبطت بالدواوين، ارتباطها باللغة العربية قد تأخر إلى ما بعد تعريب الدواوين ثالها.

ما يميز الكتاب أنه لا يعزل السياسي عن الثقافي عن الاجتماعي. فيعرض الكُتّاب والوزراء بوصفهم فاعلين متعددي الأدوار ضمن منظومة واحدة، وهو ما يتجلى بوضوح في الانتقال العضوي من دراسة نكبة البرامكة السياسية (الفصل الثاني) إلى دراسة أثرهم الثقافي في توسيع طبقة الكُتّاب ونشر النزعة الفارسية (الفصل الثالث)، ثم إلى موقعهم الاجتماعي باعتبارهم طبقة مغلقة (الفصل الرابع)..
وتتمثل المسألة الرابعة في كون الكتابة قد تحولت إلى "مؤسسة إدارية عتيقة لها رسومها وتقاليدها" ترفد الدولة بالكفاءات. وأما خامسها، فعلى صلة بمجتمع بغداد الذي تشكّل طبقيًا، فكان الكُتّاب في طبقة مرموقة، فـ "حاولوا الحفاظ على امتيازاتها بانغلاقها على نفسها واحتكارها لصناعتها" (ص212).

ما يميز الكتاب أنه لا يعزل السياسي عن الثقافي عن الاجتماعي. فيعرض الكُتّاب والوزراء بوصفهم فاعلين متعددي الأدوار ضمن منظومة واحدة، وهو ما يتجلى بوضوح في الانتقال العضوي من دراسة نكبة البرامكة السياسية (الفصل الثاني) إلى دراسة أثرهم الثقافي في توسيع طبقة الكُتّاب ونشر النزعة الفارسية (الفصل الثالث)، ثم إلى موقعهم الاجتماعي باعتبارهم طبقة مغلقة (الفصل الرابع). ولا يكتفي بعرض الروايات المتعارضة (قصة العباسة، تهمة الزندقة) بل يُميّز بين المؤرخين الذين أثبتوها ومن تجاهلها، وينتهي إلى ترجيح مسنود بشاهد نصي معاصر للحدث، مما يجعله عملا تفكيكيا تحليليا يتجاوز التلخيص الإخباري المحض.

ـ 7ـ

يقدّم كتاب عفاف عبد الحفيظ محمد رحمه إسهامًا جادًا ومفيدًا في دراسة فئة إدارية-ثقافية محورية في التاريخ العباسي المبكر. فيؤرّخ لجانب مهم من دراسة تشكّل الامبراطورية الإسلامية، وإرسائها لأجهزتها الإدارية والمالية. فتتدارك تأخرها في هذا المستوى مقارنة بالإمبراطورية الفارسية شرقا والبيزنطية غربا. وينجز مهمته بمنهجية تجمع بين السياسي والثقافي والاجتماعي، وتستند إلى المصادر الكلاسيكية ما يجعل منه مرجعًا مفيدًا للباحث المبتدئ والمتخصص على حد سواء، خصوصًا في مباحث نشأة الدواوين وحركة الترجمة ونكبة البرامكة وطبقية مجتمع الكُتّاب.

ولكنه بالمقابل اعتمد، اعتمادا شبه حصري، على هذه الروايات العربية الكلاسيكية دون مقابلتها بدراسات استشراقية أو مصادر غير عربية معاصرة للحدث (كالمصادر السريانية أو الفارسية الوسيطة)، رغم أن البحث في العنصر الفارسي في الإدارة العباسية وما أثار من نزعة شعوبية، موضوع خصب في الاستشراق الحديث (كتابات فان إس، كرون، بويل). فلم يتجاوز الكتاب الإحالة العابرة إلى ديمتري غوتاس في سياق حركة الترجمة (ص141) دون توسّع في مقارنة منهجية أوسع. فضلا عن ذلك يظل تعامل الدراسة مع بعض الروايات "العجائبية" أو ذات الطابع الأدبي (كقصص الأتليدي المتأخر عن البرامكة، المتوفى سنة 1688م أي بعد الحدث بنحو تسعة قرون) تعاملًا يفتقر أحيانًا إلى المسافة النقدية الكافية إزاء تأخر زمن التدوين عن زمن الوقوع.

ومما يثير الاحتراز، غياب إطار نظري مقارن. رغم إشارات متكررة إلى "النظم الساسانية والبيزنطية" بوصفها خلفية لنشأة الدواوين والوزارة (ص211). وهذا ما يحول دون تطوير هذه المقارنة إلى تحليل بنيوي مفصّل يوضح أوجه التطابق بين المؤسستين الفارسية والعباسية والاختلاف بينهما. فتظلّ إشارات عابرة تُستدعى للتفسير دون أن تُختبر.