"فشل الأمم المتحدة في سوريا".. حين يتحول القانون الدولي إلى أرشيف للعجز

لكتاب يستحق القراءة لا لأنه يقدم إجابة نهائية، بل لأنه يضع أمام القارئ السجل الكامل تقريبًا للسؤال الذي لم يعد ممكنًا تأجيله: ماذا يعني النظام الدولي إذا كان الإنسان هو الحلقة الأضعف فيه؟
ثمة كتب تُقرأ بحثًا عن فكرة جديدة، وأخرى تُقرأ لأن موضوعها نفسه يفرض إعادة النظر في المسلّمات التي حكمت وعينا السياسي. كتاب الدكتور رضوان زيادة، "فشل الأمم المتحدة في سورية: القرارات غير المنفذة وانهيار العدالة الدولية"، ينتمي إلى الصنف الثاني. فالسؤال الذي يضعه الكتاب في الواجهة ليس جديدًا في ذاته: لماذا فشلت الأمم المتحدة في وقف الحرب السورية؟ لكن قيمة الكتاب تكمن في أنه يحاول نقل السؤال من مستوى الانطباع السياسي إلى مستوى الوثيقة والسجل الأممي.

والكتاب، الصادر عن دار الفكر في 2026، يقع في نحو 520 صفحة، ويجمع بين مقدمة تحليلية وقسم أرشيفي واسع يضم الوثائق الأساسية ذات الصلة بالملف السوري منذ 2011 حتى 2025. وتشمل المادة قرارات مجلس الأمن، وبياناته الرئاسية، وتقارير الأمين العام، وقرارات الجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان، وتقارير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سورية.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية الكتاب، وكذلك مشكلته النقدية الأولى: هل نحن أمام دراسة تحليلية عن فشل الأمم المتحدة، أم أمام أرشيف موثق لهذا الفشل؟

من سؤال الحرب إلى سؤال المؤسسة

لا يتعامل زيادة مع الأمم المتحدة بوصفها مجرد وسيط أخفق في التوصل إلى تسوية سياسية، بل يضعها أمام امتحان أكثر جوهرية: هل استطاع النظام الدولي الذي تمثله المنظمة الدولية أن يحمي المدنيين عندما أصبحت حمايتهم متعارضة مع مصالح القوى الكبرى؟

وهذا التحول في السؤال مهم؛ لأن الحرب السورية كشفت فجوة هائلة بين اللغة المعيارية التي تتحدث بها المؤسسات الدولية عن حقوق الإنسان وحماية المدنيين، وبين قدرتها الفعلية على إنفاذ هذه المبادئ.

فمنذ السنوات الأولى للحرب، كان مجلس الأمن عاجزًا عن اتخاذ إجراءات حاسمة. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2011، فشل مشروع قرار بشأن سورية بعد استخدام روسيا والصين حق النقض. وفي شباط/فبراير 2012 تكرر الأمر، ثم جاء تموز/يوليو من العام نفسه ليشهد فشل مشروع قرار آخر كان يتضمن تهديدًا بإجراءات بموجب الفصل السابع.

لا يقدم كتاب "فشل الأمم المتحدة في سورية" مرثية لسورية وحدها، وإنما يقدم مرآة للنظام الدولي نفسه. وقد تكون قيمة هذه المرآة، بعد كل ما حدث، أنها لا تسمح للأمم المتحدة ولا للدول الكبرى ولا حتى للباحثين بأن يقولوا لاحقًا: لم نكن نعرف.
هذه الوقائع ليست مجرد تفاصيل إجرائية؛ إنها تكشف البنية العميقة للمشكلة: مجلس الأمن لا يعمل في فراغ أخلاقي، وإنما داخل ميزان للقوة صُمم أصلًا بحيث يمنح الدول الخمس الدائمة العضوية قدرة استثنائية على تعطيل القرارات الملزمة.

ومن هنا تصبح سورية، في قراءة زيادة، أكثر من حالة نزاع داخلي؛ تصبح اختبارًا للنظام الدولي نفسه.

قوة الكتاب.. الوثيقة قبل الانطباع

أهم ما يحسب للكتاب أنه لا يكتفي بتكرار العبارة الشائعة عن "عجز الأمم المتحدة"، بل يضع القارئ أمام المادة التي صنعت هذا العجز. فالجزء الوثائقي الواسع يجمع قرارات مجلس الأمن وبياناته، وتقارير الأمين العام، ووثائق الجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان، وتقارير لجنة التحقيق الدولية المستقلة. وهذه ميزة كبيرة بالنسبة إلى الباحث، لأنها تتيح له أن يتتبع بنفسه المسافة بين القرار الدولي والنتيجة على الأرض.

والأهم أن هذه الوثائق ليست هامشية أو ثانوية في دراسة الحالة السورية. فمنذ التقرير الأول للجنة التحقيق الدولية المستقلة عام 2011، تراكمت أمام المؤسسات الأممية مادة ضخمة حول الانتهاكات، بما فيها القتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري وغيرها من الانتهاكات. وبالتالي فإن السؤال لم يعد: هل كانت الأمم المتحدة تعرف ما يحدث؟

بل أصبح: ماذا فعلت بعدما عرفت؟ وهذه، في تقديري، أقوى أسئلة الكتاب.

الفيتو.. مفتاح الفشل أم جزء من المشكلة؟

يضع زيادة الاستخدام الروسي المتكرر للفيتو في قلب تفسيره لفشل الأمم المتحدة، ويشير إلى أن روسيا استخدمت حق النقض 13 مرة لحماية النظام السوري من إجراءات دولية رادعة.

وهذا تفسير له أساس قوي في الوقائع. فقد عطلت موسكو، بالاشتراك مع بكين في بعض المراحل، مشاريع قرارات في اللحظات المبكرة من الأزمة، ثم أصبحت موسكو لاحقًا الطرف الدولي الأكثر ارتباطًا ببقاء النظام السوري.

لكن هنا تحديدًا يحتاج الكتاب، في قراءتي، إلى قدر أكبر من التفكيك النظري. فالقول إن الفيتو الروسي كان سببًا مركزيًا في فشل مجلس الأمن صحيح إلى حد بعيد، لكنه لا يكفي وحده لتفسير فشل السياسة الدولية في سورية. ذلك أن الأمم المتحدة ليست مجلس الأمن وحده.

هناك الجمعية العامة، ومجلس حقوق الإنسان، واللجان الدولية للتحقيق، والأمين العام، والمبعوثون الخاصون، والوكالات الإنسانية، فضلًا عن الدول الأعضاء نفسها. كما أن عجز مجلس الأمن عن الاتفاق لا يعني بالضرورة انعدام كل أشكال الفعل الدولي.

لذلك فإن التحدي التحليلي الأكبر أمام أطروحة الكتاب هو التمييز بين: فشل الأمم المتحدة، وفشل مجلس الأمن، وفشل الدول الكبرى في التوافق، وفشل المجتمع الدولي في تحويل المعرفة إلى فعل. هذه ليست عبارات مترادفة.

المفارقة الكبرى.. القرارات موجودة والتنفيذ غائب

لعل العنوان الفرعي للكتاب ـ "القرارات غير المنفذة وانهيار العدالة الدولية" ـ أكثر دلالة من العنوان الرئيسي نفسه. فالكتاب لا يكتفي بالقول إن المجتمع الدولي لم يتخذ قرارات كافية؛ بل يلفت النظر إلى مفارقة أشد قسوة: حتى عندما صدرت القرارات، لم يكن صدورها يعني بالضرورة تنفيذها.

وهنا تتكشف واحدة من أعمق مشكلات النظام الدولي: القانون الدولي لا يعمل بالطريقة نفسها التي يعمل بها القانون داخل الدولة الوطنية.

داخل الدولة، توجد سلطة تنفيذية وقضائية قادرة ــ نظريًا على الأقل ــ على فرض القانون. أما على المستوى الدولي، فإن التنفيذ يظل مرتبطًا بإرادة الدول وبميزان القوة وبقدرة المؤسسات الدولية على الحصول على توافق سياسي.

ولذلك فإن المأساة السورية لم تكن فقط مأساة المدنيين الذين لم تحمهم القرارات، وإنما أيضًا مأساة القواعد الدولية التي بدت عاجزة عن تحويل النص إلى واقع.

من "مسؤولية الحماية" إلى مسؤولية العجز

من الجوانب المهمة في الكتاب أن مقدمته التحليلية تقرأ إخفاق الأمم المتحدة في ضوء مفهوم "مسؤولية الحماية"، وتستخدم نموذج مايكل لند في تحليل تطور النزاعات عبر مراحل التصعيد والنزاع المسلح وما بعد الصراع. وهذا الاختيار النظري يفتح الباب أمام سؤال بالغ الأهمية: إذا كانت مسؤولية الحماية قد نشأت أصلًا لمنع تكرار المآسي الجماعية، فما قيمتها عندما تكون الدولة التي يُفترض أن تحمي سكانها هي نفسها طرفًا رئيسيًا في الانتهاكات، بينما يستطيع حلفاؤها الدوليون منع اتخاذ إجراءات جماعية ضدها؟

هنا تكمن إحدى أكثر مفارقات الحالة السورية إيلامًا. فالمشكلة لم تكن غياب المعايير؛ كانت عجز المؤسسات عن إنفاذها عندما اصطدمت بمصالح القوى الكبرى. ولكن: هل "فشلت الأمم المتحدة" فعلًا؟ هنا ينبغي أن يكون النقد أكثر حذرًا.

عنوان الكتاب جذاب وقوي، لكنه يحمل خطرًا مفاهيميًا: أن يوحي بأن الأمم المتحدة فاعل سياسي مستقل يمتلك إرادة موحدة ثم قرر أن يفشل. والواقع أكثر تعقيدًا.

الأمم المتحدة ليست دولة فوق الدول، ولا حكومة عالمية. إنها مؤسسة دولية تتشكل قراراتها الكبرى من إرادات الدول الأعضاء، وبالأخص الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن.

لذلك يمكن القول إن الكتاب يكون أكثر قوة عندما يستخدم «فشل الأمم المتحدة» باعتباره اختصارًا لفشل آلية الأمن الجماعي في الحالة السورية، لا باعتباره اتهامًا لمؤسسة واحدة منفصلة عن النظام الدولي الذي أنشأها.

وهذا التمييز ليس لغويًا فقط؛ إنه جوهر المسألة. فمجلس الأمن لم يُصمم أصلًا بحيث تكون العدالة وحدها هي المحدد لقراراته. إنه مؤسسة سياسية ــ قانونية في آن، وحق النقض جزء بنيوي من تصميمه منذ نشأته.

سوريا.. مرآة لا استثناء

الكتاب، في أفضل لحظاته، يتجاوز الحالة السورية ليطرح سؤالًا عن مستقبل النظام الدولي. فإذا كانت الأمم المتحدة قد عجزت عن وقف الحرب السورية، وعجز مجلس الأمن عن فرض حماية فعالة للمدنيين، وتعطلت مسارات المساءلة الدولية، فإن المشكلة لا تنتهي بانتهاء الحرب.

الأمم المتحدة ليست دولة فوق الدول، ولا حكومة عالمية. إنها مؤسسة دولية تتشكل قراراتها الكبرى من إرادات الدول الأعضاء، وبالأخص الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن.
السؤال يصبح: ماذا سيحدث في النزاع الدولي المقبل إذا كان أحد أطرافه محميًا من دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن؟ وهنا تتحول سوريا من "ملف" إلى سابقة.

وتزداد أهمية هذا السؤال لأن سجل مجلس الأمن في سورية لم يكن مجرد سلسلة من الإخفاقات الدبلوماسية. ففي عام 2014 مثلًا، فشل مشروع إحالة الوضع السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية بعدما صوتت روسيا والصين ضده، رغم تأييد 13 عضوًا آخر.

وفي 2023، فشل المجلس كذلك في تمديد آلية إيصال المساعدات العابرة للحدود إلى شمال غرب سورية بعد استخدام روسيا الفيتو ضد مشروع قرار حصل على 13 صوتًا مؤيدًا.

هذه الأمثلة تجعل السؤال الذي يطرحه الكتاب يتجاوز الماضي: هل يحتاج النظام الدولي إلى إصلاح آلياته، أم أن العجز جزء أصيل من طبيعة النظام نفسه؟

ما الذي ينقص الكتاب؟

قوة الكتاب الوثائقية قد تكون في الوقت نفسه مصدر ضعفه. فجمع مئات الصفحات من الوثائق الرسمية يجعل الكتاب ذا قيمة أرشيفية عالية، لكنه قد يثقل على القارئ الذي يبحث عن تفسير سببي أعمق. فالأرشيف يقول لنا ماذا قالت الأمم المتحدة وماذا قررت، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال: لماذا تصرفت القوى الكبرى بهذه الطريقة؟

كان يمكن، مثلًا، أن يتوسع الكتاب في المقارنة بين الحالة السورية وحالات دولية أخرى، مثل البوسنة وليبيا وكوسوفو ورواندا، لاختبار ما إذا كانت سورية تمثل فشلًا استثنائيًا أم أنها تكشف قاعدة عامة في عمل مجلس الأمن.

وكان يمكن كذلك توسيع النقاش حول مسؤولية الولايات المتحدة والدول الأوروبية، بدل أن يبدو الفيتو الروسي في بعض المواضع وكأنه المفتاح التفسيري شبه الوحيد. فحتى حين لا تستخدم دولة كبرى الفيتو، فإن عدم الرغبة في تحمل كلفة التدخل قد يكون له أثر سياسي لا يقل أهمية عن استخدام الفيتو نفسه. وهذه نقطة ضرورية حتى لا تتحول دراسة فشل النظام الدولي إلى دراسة لفشل طرف واحد داخل النظام.

الكتاب بين البحث الأكاديمي والوثيقة السياسية

لا ينبغي قراءة "فشل الأمم المتحدة في سورية" بوصفه كتابًا أكاديميًا تقليديًا فقط. إنه، في جوهره، كتاب بحثي-أرشيفي ذو رسالة سياسية وأخلاقية واضحة. وهذا ليس انتقاصًا منه. بالعكس، ربما تكمن قيمته الأساسية في أن الباحث الذي يريد دراسة الموقف الدولي من سورية بعد سنوات سيكون بحاجة إلى مثل هذا العمل الذي يجمع الوثائق المتناثرة في مكان واحد.

فالوثيقة الأممية، التي تبدو في لحظة صدورها خبرًا عابرًا، تصبح بعد سنوات جزءًا من سجل تاريخي يمكن العودة إليه لإعادة بناء المسؤوليات والمواقف. ومن هذه الزاوية، يمكن للكتاب أن يؤدي وظيفة تتجاوز النقاش الراهن: حفظ الذاكرة المؤسسية للحرب السورية.

الخلاصة.. من فشل سورية إلى فشل النظام الدولي

أهمية كتاب رضوان زيادة لا تكمن في أنه اكتشف أن الأمم المتحدة فشلت في سورية؛ فهذا الاستنتاج أصبح جزءًا واسعًا من الأدبيات السياسية والحقوقية حول الحرب.

لا ينبغي قراءة "فشل الأمم المتحدة في سورية" بوصفه كتابًا أكاديميًا تقليديًا فقط. إنه، في جوهره، كتاب بحثي-أرشيفي ذو رسالة سياسية وأخلاقية واضحة. وهذا ليس انتقاصًا منه. بالعكس، ربما تكمن قيمته الأساسية في أن الباحث الذي يريد دراسة الموقف الدولي من سورية بعد سنوات سيكون بحاجة إلى مثل هذا العمل الذي يجمع الوثائق المتناثرة في مكان واحد.
الأهمية الحقيقية تكمن في أنه يحاول أن يجعلنا نرى الفشل في وثائقه وتفاصيله وتدرجه الزمني. فالقرارات موجودة، والتقارير موجودة، والتحذيرات موجودة، والانتهاكات موثقة، والجلسات انعقدت، والبيانات صدرت، لكن الفجوة بين كل ذلك وبين حماية الإنسان بقيت هائلة. وهنا تبرز المفارقة الأكثر قسوة التي يتركها الكتاب لدى القارئ:

لم تكن مأساة سورية أن العالم لم يعرف ما يحدث؛ بل أن العالم عرف، ووثّق، وناقش، وأصدر البيانات والقرارات، ثم عجز ــ أو لم يرد ــ أن يجعل تلك المعرفة فعلًا.

ومن ثم فإن السؤال الذي ينبغي أن يخرج به القارئ من الكتاب ليس فقط: لماذا فشلت الأمم المتحدة في سورية؟

بل سؤال أكثر إزعاجًا: إذا كان القانون الدولي يستطيع أن يوثّق الجريمة ولا يستطيع منعها، فما الذي تبقى من فكرة "العدالة الدولية" عندما تتعارض مع مصالح الأقوياء؟

بهذا المعنى، لا يقدم كتاب "فشل الأمم المتحدة في سورية" مرثية لسورية وحدها، وإنما يقدم مرآة للنظام الدولي نفسه. وقد تكون قيمة هذه المرآة، بعد كل ما حدث، أنها لا تسمح للأمم المتحدة ولا للدول الكبرى ولا حتى للباحثين بأن يقولوا لاحقًا: لم نكن نعرف.

التقييم النقدي: كتاب مهم وضروري للباحثين في القضية السورية والعلاقات الدولية والقانون الدولي، وتكمن قوته الأساسية في مادته الوثائقية واتساع أرشيفه. أما قيمته التحليلية فتكون أقوى كلما انتقل من توصيف «الفشل» إلى تفكيك بنيته: من الفيتو، إلى توازنات القوى، إلى محدودية أدوات الأمم المتحدة، إلى مسؤولية الدول التي اختارت عدم الفعل.

وبذلك، فإن الكتاب يستحق القراءة لا لأنه يقدم إجابة نهائية، بل لأنه يضع أمام القارئ السجل الكامل تقريبًا للسؤال الذي لم يعد ممكنًا تأجيله: ماذا يعني النظام الدولي إذا كان الإنسان هو الحلقة الأضعف فيه؟