الإمارات أداة ترامب في "إنزال نورماندي الاقتصادي"

حجم التجارة الإيرانية عبر دبي بلغ مستويات مرتفعة في السنوات الماضية- جيتي
أعلنت الإمارات الأربعاء، وقف جميع الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر، في خطوة غير مسبوقة تفتح فصلاً جديداً في علاقة اقتصادية كانت لسنوات واحدة من أهم قنوات التجارة الإيرانية مع العالم الخارجي.

وجاء القرار بعد إعلان وزارة الدفاع الإماراتية رصد صاروخين باليستيين قادمين من إيران، قالت إنهما كانا يستهدفان الملاحة البحرية وسقطا في الخليج، بينما نفت طهران إطلاقهما.

وأثار القرار تساؤلات حول حجم الخسارة التي يمكن أن تلحق بالاقتصاد الإيراني، وفي المقابل، ما الذي يمكن أن تخسره دبي من تشديد القيود على شبكة تجارية ومالية ارتبطت بها لعقود.

ليس قطيعة كاملة

لا يبدو القرار بمثابة قطيعة سياسية شاملة مع طهران بقدر ما يمثل تصعيداً اقتصادياً محسوباً، وفقا للمحامي والكاتب الإماراتي حبيب الملا.

وقدم الملا قراءة قانونية للقرار عبر حسابه في "إكس"، اعتبر فيها أن وقف التجارة يمثل في القانون الدولي ما يُعرف بـ"الفعل غير الودي المشروع"، وليس بالضرورة "تدبيراً مضاداً" بالمعنى القانوني الذي يتطلب شروطاً أكثر تعقيداً.

وقال الملا إن وقف التجارة لا يحتاج إلى إثبات قانوني مماثل لما يتطلبه الرد العسكري، لأن الدولة ليست ملزمة أصلاً بمواصلة التجارة مع دولة أخرى ما لم يكن هناك التزام تعاقدي يمنعها من ذلك.

ومن هذا المنظور، لا تقدم طهران القرار باعتباره إجراءً منفصلاً عن الضغوط الأمريكية، بل تضعه ضمن سلسلة من الإجراءات الرامية إلى تضييق منافذها التجارية والمالية، خصوصاً أن واشنطن كانت قد هددت الدول التي تواصل توفير قنوات اقتصادية لإيران بعواقب.

ويكتسب هذا التفسير أهمية في ظل الضغوط الأمريكية المتزايدة على الدول التي تواصل توفير قنوات تجارية ومالية لإيران. فقد هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الدول التي تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مرافقها بتوفير ما وصفه بـ"شريان حياة" لإيران بعواقب اقتصادية كبيرة.

وشبّه ترامب الإجراءات بـ"إنزال النروماندي الاقتصادي"، في إشارة إلى الإنزال النورماندي في الحرب العالمية الثانية.

و"إنزال النورماندي" نفذته دول الحلفاء في صيف العام 1944 انطلاقا من بريطانيا على سواحل منطقة النورماندي شمال غربي فرنسا، لفتح جبهة جديدة ضد ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية.

ماذا يعني القرار؟

وقف التعاملات مع إيران يعني إغلاق قناة تجارية كبيرة أمام الشركات الإماراتية، كما يضع دبي أمام اختبار صعب يتمثل في كيفية تشديد الرقابة على الشبكات الإيرانية من دون الإضرار بدورها كمركز إقليمي للتجارة وإعادة التصدير.

وتكمن أهمية القرار أولاً في حجم العلاقة التجارية بين البلدين. فبحسب أحدث بيانات التجارة الإيرانية التي أوردتها وكالة "رويترز"، كانت الإمارات تمثل نحو 30 بالمئة من واردات إيران بقيمة تقارب 21 مليار دولار خلال عام 2024، ما يجعلها أحد أهم مصادر السلع التي تدخل السوق الإيرانية.

وتظهر بيانات الجمارك الإيرانية للعام المالي المنتهي في 20 آذار/مارس 2025 حجماً أكبر للعلاقة في التجارة غير النفطية؛ إذ بلغت واردات إيران من الإمارات نحو 21.9 مليار دولار، فيما بلغت صادرات إيران غير النفطية إلى الإمارات نحو 7.2 مليار دولار، بحسب أرقام الإدارة العامة للجمارك الإيرانية.

وتحتل الإمارات بذلك موقعاً استثنائياً في الاقتصاد الإيراني، ليس فقط باعتبارها سوقاً أو مورداً، وإنما باعتبارها مركزاً لإعادة التصدير والخدمات اللوجستية والمالية.

وهنا تحديداً تكمن أهمية القرار. فالكثير من السلع التي تصل إلى إيران عبر الإمارات لا تكون بالضرورة إماراتية المنشأ، بل تمر عبر دبي باعتبارها مركزاً تجارياً يعيد تصدير البضائع القادمة من أسواق آسيوية وأوروبية وغيرها.

وبالتالي، فإن إغلاق هذه القناة لا يعني ببساطة خسارة إيران سوقاً بقيمة عشرات المليارات، وإنما يعني أيضاً زيادة كلفة وصولها إلى الأسواق العالمية، وإجبار التجار الإيرانيين على البحث عن طرق بديلة أكثر كلفة وتعقيداً.

 دبي.. أكثر من مجرد شريك

الجانب الأهم في القرار يتعلق بالقطاع المالي. فقد لعبت دبي على مدى سنوات دوراً رئيسياً في حركة الأموال المرتبطة بالتجارة الإيرانية، بما في ذلك شبكات حاولت الالتفاف على العقوبات الغربية.

وتقدم بيانات شبكة مكافحة الجرائم المالية الأمريكية "FinCEN" مؤشراً على حجم هذه المشكلة. فقد قالت الشبكة إن نحو 9 مليارات دولار من الأنشطة المالية المرتبطة بإيران مرّت خلال عام 2024 عبر حسابات مراسلة مرتبطة بالنظام المالي الأمريكي.

وبحسب FinCEN، تلقت شركات مقرها الإمارات، معظمها في دبي، 62 بالمئة من هذه التدفقات. كما قالت إن شركات نفطية يُشتبه بارتباطها بإيران، ومقرها أساساً في الإمارات وسنغافورة، حرّكت نحو 4 مليارات دولار خلال العام نفسه.

ضغط أمريكي خلف الكواليس

تقول صحيفة "وول ستريت جورنال" إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغطت خلال الأسابيع الماضية على الإمارات لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد الشبكات المالية الإيرانية الموجودة في البلاد.

وبحسب الصحيفة، ترى الإدارة الأمريكية أن استهداف التدفقات المالية المرتبطة بـ"الحرس الثوري" الإيراني عبر دبي قد يكون أكثر تأثيراً على طهران من بعض الإجراءات العسكرية، لأن دبي تمثل منفذاً مهماً للوصول إلى التجارة والعملات الأجنبية والنظام المالي العالمي.

وتأتي هذه السياسة في إطار تحول أوسع في الاستراتيجية الأمريكية نحو تضييق الاقتصاد الإيراني، عبر استهداف قنوات التجارة والتمويل إلى جانب الضغوط العسكرية والعقوبات.

لكن الإمارات ليست مجرد طرف خارجي في هذه المعادلة؛ فهي ترتبط بإيران بعلاقات تجارية وتاريخية واسعة، بينما تمثل دبي مركزاً تجارياً ومالياً عالمياً يعتمد جزء من نشاطه على الانفتاح على أسواق المنطقة.


بدائل.. لكن ليس كدبي

بالنسبة لطهران، لا يعني القرار الإماراتي انهيار تجارتها الخارجية. فإيران لديها علاقات اقتصادية واسعة مع الصين وتركيا والعراق وسلطنة عُمان وباكستان وغيرها، ويمكنها محاولة تحويل جزء من تجارتها إلى مسارات بديلة.

لكن المشكلة تكمن في أن دبي لا تؤدي وظيفة "السوق الإماراتية" فقط؛ بل توفر شبكة من الموانئ والخدمات اللوجستية والتمويل وإعادة التصدير والوسطاء التجاريين.

ولذلك فإن استبدالها لا يعني ببساطة نقل التجارة إلى دولة أخرى، وإنما قد يعني ارتفاع كلفة المعاملات وتعقيد عمليات الدفع والشحن والتأمين.


ماذا تخسر طهران وماذا تخاطر به دبي؟

الخسارة الإيرانية المحتملة يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مستويات: الواردات، والخدمات المالية، وإعادة التصدير.

فقطع قناة الإمارات يجبر الشركات الإيرانية على إعادة ترتيب سلاسل التوريد، ويزيد صعوبة التحويلات والتمويل والتأمين، ويجعل الالتفاف على العقوبات أكثر كلفة وأبطأ.

أما دبي، فجزء من قوتها الاقتصادية قائم على كونها مركزاً مفتوحاً للتجارة وإعادة التصدير ورؤوس الأموال. وبحسب بيانات رسمية إماراتية، بلغت إعادة صادرات الإمارات 830.2 مليار درهم، أي نحو 226 مليار دولار، خلال عام 2025، بزيادة 15.7 بالمئة عن 2024.

وتشديد الرقابة قد يفرض إجراءات تدقيق أكثر صرامة ويرفع كلفة الامتثال، ويضغط على بعض القطاعات التي استفادت تاريخياً من النشاط التجاري الإيراني.