صراع الرؤى العالمية.. فهم النظام الدولي الجديد من خلال الأفكار

أصبح الجنوب العالمي إطارًا سياسيًا واقتصاديًا يعكس هوية مشتركة لدول تمتد من أمريكا اللاتينية وأفريقيا إلى الشرق الأوسط وآسيا..
يمر العالم اليوم بفترة تحول تاريخية، نظام دولي جديد تعددي في طور التشكل، بروز الجنوب العالمي، دور القوى الإقليمية، وإحياء أيديولوجيات قديمة. وتلعب الأفكار دورًا مهمًا في هذا التشكل، كالدور الذي لعبته في كافة التحولات التي مرت بها البشرية على مدار التاريخ، وأدت إلى صراعات وحروب طاحنة. وهذا ما يتناوله كتاب اليوم "صراع الرؤى العالمية: فهم النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين من خلال الأفكار" للباحث هانول جونغ الخبير في القانون والسياسة الدوليين الذي نشره عام 2025 على نفقته الخاصة.

نهاية الهيمنة الأمريكية وبداية نظام عالمي جديد


ما يشهده العالم اليوم هو "انقطاع" تاريخي يُعيد تشكيل قواعد اللعبة الدولية، وتحركه قوى رئيسية: إعادة توزيع القوة العالمية، هيكلة الاقتصاد الدولي، تآكل الديمقراطية وحقوق الإنسان، صعود النزعة القومية، وتصاعد التوترات الإقليمية. وهناك خوف من مخاطر "فخ ثوسيديدس": الصراع بين قوة متراجعة وقوة صاعدة، مشيرًا إلى أن العلاقات الأمريكية الصينية ستكون العامل الحاسم في استقرار النظام العالمي. وفي ظل هذه التحولات، يبقى النظام الدولي محكومًا بـ"الفوضى الهيكلية". فالقوة والسعي إلى الهيمنة هما أساس لسلوك دولي يمكن قراءته من خلال ثلاثة مدارس:

1 ـ الواقعية الكلاسيكية (مورغنثاو): المصالح الذاتية هي المحرك الأساسي للدول.

2 ـ الواقعية الدفاعية (والتز): البقاء هو الهدف الأساسي.

3 ـ الواقعية الهجومية (ميرشايمر): تميل الدول إلى تعظيم قوتها بسبب حالة عدم اليقين.

ويبقى السؤال: هل تستطيع الإنسانية تجاوز الواقعية القائمة على الصراع الدائم؛ أم سيستمر منطق القوة في حكم العلاقات الدولية؟

دروس من التاريخ وصراع الحاضر


لفهم ما يمر به العالم اليوم، فإن الشرعية عنصر أساسي لهذا الفهم: الشرعية الصلبة القائمة على الأمن؛ أو الشرعية المرنة المرتبطة بالقيم والأخلاق والسرديات الثقافية، لكنها أكثر هشاشة وعرضة للتلاعب. وهناك أمثلة تاريخية تؤكد أن منطق القوة غالبًا ما يطغى على الاعتبارات الأخلاقية، مثل:

1 ـ مبدأ اليونان القديمة: الأقوياء يفعلون ما في وسعهم؛ أما الضعفاء فيتحملون ما يجب عليهم تحمله.

2 ـ الصين القديمة: الأولوية للقوة على الأخلاق.

3 ـ الهند القديمة: كتاب أرثاشاسترا لكاوتيلية، منهاج تفكيرها السياسي، والذي أوصى باستخدام الخداع والاغتيال لحماية الدولة.

4 ـ أوروبا الدينية: تحالف الكاردينال ريشيليو الكاثوليكي مع البروتستانت ضد آل هابسبورغ، مبررًا ذلك بقوله إن "الدولة ليست خالدة".

5 ـ العالم الإسلامي: تغليب المصالح على الدين كالتحالفات بين الصفويين والكاثوليك ضد العثمانيين.

التنوير الأوروبي وتشكيل الحضارة الحديثة


بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية، هيمنت الكنيسة الكاثوليكية على الحياة السياسية والثقافية. ومع بداية القرن الرابع عشر، أحيا عصر النهضة في إيطاليا التراث اليوناني والروماني، وأرسى فكرًا إنسانيًا جديدًا يتمحور حول الفرد والعقل النقدي. وشهدت أوروبا الاكتشافات والثورة العلمية والإصلاح الديني، ممهدةً الطريق لفلسفات سياسية جديدة وأفكار حول العقد الاجتماعي والحرية الفردية وفصل السلطات. وساهم آدم سميث في تأسيس علم الاقتصاد الحديث الذي يربط المصالح الفردية بالصالح العام. وطرح مفكرون مثل كانط رؤى "السلام الدائم" والتعاون بين الأمم، وربط مونتسكيو التجارة بالسلام العالمي. ولكن عصر التنوير فتح أيضًا الباب أمام تناقضات جديدة بين التقدم الفكري وواقع الاستعمار.

الطريق إلى الحرب العالمية الأولى


في القرن التاسع عشر، شهدت أوروبا تقدماً في الثقافة والاقتصاد والسياسة؛ لكنها ظلت مسرحاً لصراعات جيوسياسية متواصلة، بلغت ذروتها في اندلاع الحرب العالمية الأولى، كاشفةً عن هشاشة نظام توازن القوى القائم آنذاك، الذي أرسته معاهدة وستفاليا ومؤتمر فيينا عام ١٨١٥. وأدى صعود النزعة القومية السلافية إلى تأجيج التوترات والحروب في البلقان وشبه جزيرة القرم ضد الإمبراطورية العثمانية. واعتمدت بريطانيا على قوتها البحرية والتجارية لمنع هيمنة أي قوة قارية منفردة، وهي سياسة عُرفت باسم "السلام البريطاني". وانتهجت ألمانيا، سياسة توسعية أكثر عدوانية، وبدأت سباق تسلح بحري مع بريطانيا، مما هدد أسس توازن القوى القائم. وانهار التوازن تدريجيًا مما أدى إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى ١٩١٤. وكشف انهيار السلام القائم على التوازن أن أي خلل فيه قد يؤدي إلى صراع شامل.

أمريكا وقيادة النظام العالمي


منح الموقع الجغرافي الفريد والموارد الطبيعية الهائلة ميزة استثنائية للولايات المتحدة ليست لأي قوة أخرى في التاريخ. وجعلها قادرة على الانعزال والاكتفاء الذاتي، وأهلها لقيادة النظام الدولي. وتذبذبت سياستها بين الانعزالية والتدخل، إلى أن أجبرتها التهديدات الكبرى للحربين العالميتين على التدخل. وأدى هذا النهج إلى تأسيس عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، ثم الأمم المتحدة والنظام الاقتصادي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك، لا يزال التناقض بين الواقعية السياسية والليبرالية الدولية سمة بارزة في السياسة الأمريكية. وعقب الحرب العالمية الأولى، أصبحت الطريق ممهدةً لانتقال مركز القوة من "العالم القديم" إلى "العالم الجديد". ورفض الرئيس ويلسون منطق توازن القوى الأوروبي، واقترح رؤية جديدة قائمة على الديمقراطية وسيادة القانون وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والتي شكلت أول محاولة لإرساء نظام دولي قائم على التعاون والمؤسسات متعددة الأطراف. ومع ذلك، لا يزال التناقض بين الواقعية السياسية والليبرالية الدولية سمة بارزة في السياسة الأمريكية.

نشهد اليوم تراجع الهيمنة الأمريكية بسبب ثلاثة عوامل رئيسية: الضعف النسبي للقوة الأمريكية، تغير موقف الرأي العام الأمريكي تجاه دور بلاده العالمي، وأزمة الشرعية التي ألمّت بالنظام الدولي الليبرالي.
ورغم أن التجربة الليبرالية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى تُعتبر فاشلة في كثير من الأحيان بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية بعد عقدين فقط، إلا أنها مثّلت خطوة تاريخية هامة. فقد أدخلت مفهوم الأمن الجماعي لأول مرة، ووضعت قضايا مثل حقوق الإنسان، وحماية الأقليات، ومكافحة الاتجار بالبشر، وحقوق المرأة والعمال على جدول الأعمال السياسي الدولي. وتُظهر تجربة ويلسون مع عصبة الأمم أن الليبرالية الدولية لا يمكن أن تنجح دون دعم قوة عظمى قادرة على إنفاذها. وسمح غياب الولايات المتحدة عن النظام الناشئ بتحول ميزان القوى بشكل جذري، مما مهد الطريق لانهيار السلام واندلاع الحرب العالمية الثانية، التي شكلت الأساس الذي بُنيت عليه الأمم المتحدة والنظام الدولي الحديث.

الصراعات الأيديولوجية وبداية الحرب الباردة


اندلعت الحرب العالمية الثانية نتيجةً لتضافر الأيديولوجيا والقومية والطموحات الجيوسياسية، وصعود الزعماء الشعبويين، وتوطيد الحكم الشمولي، وعسكرة المجتمع، ثم التوسع العدواني. وبررت هذه القوى توسعها بدوافع البقاء القومي، سواءً من خلال مفهوم "المجال الحيوي"  في ألمانيا أو "الازدهار المشترك لشرق آسيا" في اليابان. وعملت إيطاليا على إحياء الإمبراطورية الرومانية. وسعى الاتحاد السوفيتي إلى التوسع في أوروبا الشرقية مدفوعًا بالأمن ونشر الشيوعية. ووُلدت الحرب الباردة من رحم الحرب العالمية الثانية، ليس فقط نتيجةً لتوازن القوى، بل أيضاً لصراع أيديولوجي عميق بين رؤيتين عالميتين متناقضتين شكّلت الانقسام الثنائي السياسة الدولية لعقود. وبدأت مرحلة جديدة من الصراع، هي الحرب الباردة التي جسّدت صراعًا شاملًا بين السلطة والأيديولوجيا، وبين الشمولية والحرية، وبين التخطيط المركزي واقتصاد السوق. وانتهت بسقوط الاتحاد السوفيتي.

الأمم المتحدة ونظام الأمن الجماعي


بعد الحرب العالمية الثانية، وتأسيس الأمم المتحدة عام ١٩٤٥، لم يعد النظام الدولي محكوماً بتوازن القوى فحسب، بل أُدمج القانون وحقوق الإنسان في بنيته. وعلى الرغم من القيود التي فرضتها الانقسامات الكبرى، فقد أثبتت هذه التجربة أن التعاون الدولي يُمكن أن يكون أداة فعّالة للحفاظ على الاستقرار وبناء نظام عالمي أكثر شمولاً. وكان مجلس الأمن السمة الأساسية للأمم المتحدة، إذ مُنح سلطة حصرية في مسائل الأمن الجماعي. وفي المقابل، اضطلعت الجمعية العامة للأمم المتحدة بدور محوري في ترسيخ التعددية الحقيقية، لا سيما في مجالي حقوق الإنسان والقانون الدولي كإطار شامل للعلاقات بين الدول. ومع أنها لم تُغيّر الطبيعة البراغماتية للسياسة الدولية القائمة على القوة والمصالح، إلا أنها نجحت في دمج القانون والحقوق في صميم النظام العالمي، ووضعت الأساس لعصر جديد من الحوكمة العالمية.

حقبة السلام الأمريكي


مع انهيار الاتحاد السوفييتي عام ١٩٩١، انتهى النظام ثنائي القطب الذي حكم العالم لنصف قرن، ليحل محله نظام أحادي القطب بقيادة الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة، مما منح واشنطن مكانة غير مسبوقة في التاريخ، إذ لم يسبق لأي دولة أخرى أن تمتعت بمثل هذا النفوذ العالمي. ولم تقتصر الهيمنة الأمريكية على التفوق العسكري والاقتصادي فحسب، بل أسست الولايات المتحدة نظامًا دوليًا ليبراليًا قائمًا على الديمقراطية، وحرية السوق، والتعددية المؤسسية. هذا النظام، الذي أطلق عليه الكثيرون اسم "السلام الأمريكي"، بشّر بفترة استثنائية من الاستقرار والازدهار العالميين، وتضاعف الناتج العالمي ثلاث مرات، وانتُشل أكثر من مليار شخص من براثن الفقر. ومع ذلك، لم تخلُ هذه الحقبة من تناقضات. فقد روّجت واشنطن لفكرة بناء أنظمة ديمقراطية عبر التدخلات العسكرية في أفغانستان والعراق وليبيا. وواجهت هذه السياسات انتقادات واسعة النطاق باعتبارها غطاءً للهيمنة. وقد أتاحت العولمة النيوليبرالية، المدعومة بمؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، فرصًا للنمو، لكنها فاقمت أيضًا من التفاوتات الاجتماعية وأدت إلى أزمات اقتصادية، أبرزها الأزمة المالية العالمية عام 2008.

ومع انشغال واشنطن بحروب طويلة الأمد كالعراق وأفغانستان، برزت الصين كقوة اقتصادية وعسكرية، وأعادت روسيا تأكيد نفوذها، مما بشّر بمرحلة انتقالية جديدة للنظام الدولي.

محاولات الصين وروسيا للهيمنة


برزت الصين وروسيا كقوتين تسعيان لإعادة تشكيل النظام العالمي، مستندتين إلى تاريخ طويل من الطموحات الإمبريالية والهيمنة الإقليمية. وأصبحت الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم خلال عقدين من الزمن، مع تحديث عسكري سريع حدّ من حرية الولايات المتحدة في غرب المحيط الهادئ. وبدأت في تبني سياسة خارجية أكثر حزمًا. وتكمن وراء هذه التحركات أيديولوجية ترى في الصين مركز العالم، مدعومة بإحياء القيم الكونفوشيوسية وصياغة نموذج "تيانشيا" كبديل للنظام الليبرالي الغربي.

أما روسيا، فقد اعتبرت أن توسع الناتو شرقًا يشكل تهديدًا وجوديًا، وردّت بسلسلة من التدخلات العسكرية في جورجيا 2008، وشبه جزيرة القرم 2014، وأخيرًا، الغزو الشامل لأوكرانيا عام 2022. وهذه الإجراءات هي جزء من مشروع لإعادة ترسيخ الهيمنة الروسية قائمة على الأوراسية، وهي رؤية حضارية ترى روسيا وريثةً لإمبراطورياتها السابقة وقائدةً لمجال جغرافي ثقافي متميز منفصل عن الغرب. وهي رؤية كرّستها في وثيقة السياسة الخارجية الروسية لعام 2023.

ما يجمع القوتان هو رغبتهما في كسر الحصار الأمريكي وإقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب. ولكنهما، لا تملكان القدرة على الهيمنة العالمية، لكنهما تعملان على ترسيخ نفوذهما الإقليمي من خلال القوة العسكرية والشرعية الأيديولوجية، في سيناريو يُذكّر بأشكال الهيمنة القديمة ولكن بأدوات حديثة.

نهاية الأحادية القطبية وبداية عهد جديد


نشهد اليوم تراجع الهيمنة الأمريكية بسبب ثلاثة عوامل رئيسية: الضعف النسبي للقوة الأمريكية، تغير موقف الرأي العام الأمريكي تجاه دور بلاده العالمي، وأزمة الشرعية التي ألمّت بالنظام الدولي الليبرالي.

بدأ التنافس بين واشنطن وبكين تجاريًا في عام ٢٠١٧، وتوسع ليشمل التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، حيث تسعى الصين، من خلال مبادرات مثل "صنع في الصين ٢٠٢٥"، إلى تجاوز القوى الصناعية التقليدية. ويهدد هذا التحول الهيمنة الأمريكية في الاقتصاد والتكنولوجيا والقدرات العسكرية.

لم يعد اليمين أو اليسار قادرين على تقديم حلٍّ مستدام. إذ يسعى كلاهما إلى فرض هيمنته الثقافية والسياسية. والبديل هو صعود الوسط السياسي كقوة موازنة ومانعة من الانجراف نحو الأيديولوجيات المتطرفة، ولقدرته على بناء جسور التواصل والحفاظ على التعددية.
وأخذت القوى الإقليمية والمتوسطة تعيد تموضعها، متبنيةً سياسة "التوازن الاستراتيجي" بين واشنطن وبكين، كما يتضح من تقارب السعودية مع الصين، وجهود دول البريكس لبناء بدائل للنظام المالي العالمي.

أدت الحروب الممتدة في الشرق الأوسط إلى توتر الرأي العام الأمريكي، بينما غذّت حركة ماجا "نزعة قومية" ترفض العولمة والتعددية. ولذلك، أصبح استمرار الولايات المتحدة في لعب دور "شرطي العالم" أقل جاذبية، ودفع واشنطن نحو سياسات أكثر براغماتية. وتراجعت مكانة الولايات المتحدة من قطب أوحد إلى لاعب بارز في عالم به أقطاب متعددة متنافسة. تتشارك هذه الأقطاب النفوذ، وتعيد تشكيل قواعد اللعبة.

عالم بلا هيمنة


مع تراجع الأحادية القطبية، برزت توقعات بانتقال النظام الدولي إلى نموذج أكثر تعددًا، تتوزع فيه القوة بين الدول والتكتلات الإقليمية والجهات الفاعلة غير الحكومية. ولكن النتيجة هي العودة إلى تعددية الأقطاب التقليدية، حيث تتسم العلاقات الدولية بمنافسة استراتيجية محصلتها صفر، مما يفتح الباب أمام موجة عالمية من القومية تُعطي الأولوية للهوية الوطنية على التعاون الدولي. وتعيد الدول صياغة سياساتها الخارجية وفقًا لأولوياتها الداخلية، مما يُهمّش التعاون المتعدد لصالح حسابات النفوذ والهوية الوطنية.

الولايات المتحدة.. من الهيمنة إلى القوة الأكثر نفوذاً


انتقلت الولايات المتحدة من موقع الهيمنة المطلقة إلى القوة الأكثر نفوذاً. وشكّلت عودة ترامب نقطة تحول في السياسة الأمريكية، حيث اتجهت واشنطن نحو نهج أكثر براغماتية، مما سمح للصين وروسيا لتوسيع نفوذها، وسعت القوى المتوسطة إلى تحقيق توازنات جديدة بين واشنطن وبكين. ويُظهر التاريخ أن صعود القوى الإقليمية لا يتم بسلاسة، بل قد يؤدي إلى صراعات طويلة الأمد، كما حدث بين الإمبراطوريات القديمة. واليوم، ومع تداخل الطموحات الجيوسياسية وتطور التكنولوجيا، يتزايد احتمال نشوب خلافات بين القوى الكبرى، بالإضافة إلى مخاطر انتشار الأسلحة النووية في غياب ضمانات أمنية أمريكية.

روسيا والصين.. بين الشراكة والتنافس


تاريخيًا، تأرجحت العلاقة بين الصين وروسيا بين التعاون الاستراتيجي والتنافس الجيوسياسي. وبينما يتشاركان في مواجهة النفوذ الأمريكي والسعي نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، فإن جذور تنافسهما تمتد لقرون من الصراعات الحدودية وصراعات النفوذ، بدءًا من معاهدات القرن السابع عشر وصولًا إلى النزاعات الحدودية في الحقبة السوفيتية. ومثّلت الحرب في أوكرانيا نقطة تحول رئيسية، إذ عززت اعتماد روسيا الاقتصادي والتكنولوجي على الصين، وكشفت عن هشاشة القدرات الروسية، وأثارت مخاوف من تحول موسكو إلى "شريك تابع" لبكين. وجسّد افتتاح ميناء فلاديفوستوك أمام الصين عام 2023 هذا التخوف، إذ منح بكين منفذًا استراتيجيًا، وأثار تساؤلات بشأن السيادة. ويُعدّ توسع الصين في آسيا الوسطى عبر مبادرة الحزام والطريق مصدر قلق إضافي لروسيا، لأنه يهدد مجال نفوذها التقليدي. ولكن، يبقى التعاون بين البلدين ضروريًا لمواجهة الضغوط الأمريكية.

في مضيق تايوان، كثفت الصين مناوراتها العسكرية، وأعلنت استعدادها ضم تايوان بالقوة عام ٢٠٢٧. وتعتبر أمريكا الدفاع عنها أساسيًا لاحتواء الصين، مما يجعلها بؤرة توتر محتملة في النظام الدولي الجديد. ويفتح تراجع الهيمنة الأمريكية الباب أمام صراعات إقليمية أوسع نطاقًا قد تعيد تشكيل النظام العالمي.

الغرب بين فقدان القيادة وتحديات المستقبل


يشهد المعسكر الغربي أزمة عميقة مع استمرار التراجع العالمي في مؤشرات الحريات السياسية للعام الثامن عشر على التوالي، بالتزامن مع صعود النزعة القومية وتزايد التنافس بين القوى الكبرى. والمعسكر الغربي في حالة من التخبط الاستراتيجي. وتواجه أوروبا الآن تحديات داخلية من النزعة القومية وصعود اليمين المتطرف، وتحديات خارجية من محاولات روسيا والصين استغلال هذا الفراغ. وفي شرق آسيا، تُجبر اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان على إعادة تقييم حساباتها الأمنية والاقتصادية في ضوء تراجع الضمانات الأمريكية. وحتى تحالف الاستخبارات "العيون الخمس"، يواجه ضغوطًا متزايدة مع تنامي النزعة الانعزالية الأمريكية. وفي المقابل، تسعى الصين إلى تقديم نفسها كبديل اقتصادي أكثر استقرارًا، وتستثمر روسيا في خطابها المعادي للغرب والداعم للتوجه الأوراسي. والغرب أمامه الآن: إما إعادة بناء تحالف متماسك لمواجهة التحديات المشتركة؛ أو الانزلاق نحو التشرذم والتفكك فتصبح دوله لاعبًا ثانويًا في نظام متعدد الأقطاب.

الجنوب العالمي في قلب التحولات


أصبح الجنوب العالمي إطارًا سياسيًا واقتصاديًا يعكس هوية مشتركة لدول تمتد من أمريكا اللاتينية وأفريقيا إلى الشرق الأوسط وآسيا، وتجد نفسها اليوم واقعة بين صراعات القوى الكبرى. وبرزت موجة جديدة من "القومية المواردية". وتزيد أهمية الجنوب العالمي لعوامل رئيسية: وفرة المعادن النادرة؛ الأيدي العاملة الرخيصة؛ والحياد الجيوسياسي. ومع تراجع التجارة الحرة، لذا تسعى دول الجنوب لكسر "لعنة إلى إدارة أفضل لهذه العوامل. أما الهند وتركيا، فتتجهان نحو ترسيخ نفوذ إقليمي مستقل. ومع ذلك، فالجنوب العالمي عند مفترق طرق تاريخي: إما أن ينجح في تحويل موارده وحياده إلى نفوذ اقتصادي وسياسي دائم؛ أو أن يبقى أسيرًا للتبعية والانقسامات ضمن نظام عالمي متعدد الأقطاب.

صراع الأفكار والهويات والنظام الجديد


عاد منطق القوة إلى الواجهة لمواجهة التحديات العالمية المعقدة. وتقدم روسيا نموذجًا قائمًا على "السيادة المطلقة". أما الصين، فتتبنى رؤية مستوحاة من فلسفة "تيانشيا"، التي تُرسخ تسلسلًا هرميًا للقوى الكبرى على حساب المساواة القانونية بين الدول. وتشتركان في تبني منطق القوة الوطنية والهوية الحضارية كأساس للشرعية الدولية. والتعددية الحالية قاصرة في مواجهة التحديات العابرة للحدود: انتشار أسلحة الدمار الشامل، الذكاء الاصطناعي، تغير المناخ، الأوبئة، والأمن السيبراني. وهي تحديات تتطلب تعددية حقيقية قائمة على القانون الدولي والمؤسسات العالمية كالأمم المتحدة التي ينبغي إصلاحها وتكييفها مع الواقع الجديد. فإما أن يسود التعاون؛ أو يعيد التاريخ نفسه من خلال صراعات القوى في عالم بلا قواعد راسخة.

أزمة وجودية للديمقراطية الليبرالية


يعاني الغرب من صعود القومية والشعبوية. وهناك الاستقطاب على وسائل التواصل الاجتماعي وخلافات حول الهجرة والهوية، وصميم الفكرة الليبرالية نفسها. وانتشرت "ثقافة الإلغاء". والنتيجة مشهد سياسي غير مسبوق، تحولت فيه الخلافات الأيديولوجية إلى صراع صفري. وباتت المعارضة تُعامل كعدوٍّ، وليس كشريكٍ في العملية السياسية. وهناك تآكل سيادة القانون وفقدان الثقة في المؤسسات القضائية. وقد قال أرسطو: إن ضعف القانون يؤدي إلى صعود الطغاة. وقد يحدث تفكك النظام السياسي نفسه. وينظر جزء كبير من العالم إلى هذا التشرذم الداخلي كدليل على تراجع الديمقراطية الليبرالية كمعيار عالمي.

الوسط السياسي كحلٍّ للاستقطاب


لم يعد اليمين أو اليسار قادرين على تقديم حلٍّ مستدام. إذ يسعى كلاهما إلى فرض هيمنته الثقافية والسياسية. والبديل هو صعود الوسط السياسي كقوة موازنة ومانعة من الانجراف نحو الأيديولوجيات المتطرفة، ولقدرته على بناء جسور التواصل والحفاظ على التعددية. ومع ذلك، يعاني الوسط من: غياب رؤية مُلهمة، هوية سياسية مستقلة، وصعوبة في حشد الدعم الشعبي. ولكن، دوره أساسي في قيادة الإصلاح وحماية المجتمعات من الفوضى أو الاستبداد. ويجب أن يتحول إلى قوة سياسية قادرة على قيادة الإصلاح. ويبقى الأمل قائماً في بناء تعددية جديدة تقوم على قيم إنسانية مشتركة كالحرية وحقوق الإنسان وسيادة القانون. وسيظل الصمود والتعاون هما السبيل لاجتياز القرن الحادي والعشرين بأمان.