هل الفرنسية في البلاد المغربية "غنيمة حرب" أم هزيمة شعب!؟

لولا استماتة شعوب هذه الدول في التمسك بثوابت هويتها الوطنية العربية الإسلامية لكان مصيرها جميعاً كغرناطة الإسبانية!!؟
في هذا المقال الخاص الذي يكتبه لـ"عربي21"، يفتح الكاتب والمؤرخ الجزائري الدكتور أحمد بن نعمان ملف اللغة الفرنسية في البلاد المغاربية من زاوية تاريخية وفكرية شديدة الحساسية، متسائلاً عن المفارقة التي تجعل لغة المستعمر تتحول، بعد عقود من الاستقلال، إلى موضع احتفاء بوصفها "غنيمة حرب"، فيما تُهمَّش اللغة العربية التي يرى أنها كانت في صلب معركة التحرر والهوية والسيادة.

ويناقش بن نعمان، عبر قراءة نقدية حادة، العلاقة بين اللغة والاستقلال، وبين التعليم والهوية، مستعيداً نماذج من تاريخ الاستعمار وحركات التحرر، ومقارناً بين النخب التي استخدمت الفرنسية اضطراراً في مقاومة الاحتلال، وتلك التي جعلت منها، وفق رؤيته، غاية ثقافية وسياسية تتجاوز وظيفتها كوسيلة للتواصل. كما يطرح المقال سؤالاً أوسع حول معنى الاستقلال الحقيقي، وما إذا كان التحرر من الاحتلال العسكري يكتمل من دون تحرر لغوي وثقافي، في جدل يتصل بمستقبل العربية والفرنسية والإنجليزية في التعليم والإدارة والجامعة، وبالتحولات التي تشهدها الهوية الثقافية في المغرب العربي.


مغالطات استحلالية

من أغرب وأخطر المغالطات "الاستحلالية" التي عرفتها الساحة الوطنية في البلاد المغربية بعد انجلاء القوات المحتلة من بعض الثكنات العسكرية، ليبدأ الصراع الجديد (غير العسكري) لتحطيم ثوابت الهوية الوطنية التي قاومت كل عمليات المسخ والنسخ والفسخ بالفرنسة والتغريب والتنصير للإنسان، عن طريق استبدال الدين واللسان؛ لكون هذين العنصرين هما أهم الأسس الجوهرية للهوية الوطنية المكتسبة بالثقافة واللسان، وليست مولودة بصفة فطرية مع الإنسان، بل هي متعرضة للتغير من النقيض إلى النقيض كما وقع للعرب المسلمين في الأندلس مع الإسبان!؟

وذلك مثال قد يتكرر مع أي شعب في أي زمان أو مكان، وذلك هو سبب الرهان الحاصل عليه السباق والصراع بين الاستقلال و"الاستحلال" الآن (كما فصلنا الموضوع في مقالنا السابق ليوم الجمعة ما قبل الماضية!؟).

ولذلك وجب تنبيه النخبة المثقفة لنشر الوعي في أوساط الشعب الوطني الذي ينشد الوحدة في الوجود عبر الحدود الثقافية للوطن والأمة المتماسكة الأركان، الصامدة ضد الغزوات والهزات العنيفة التي قد تهدد الكيانات الضعيفة المتنازعة المتصارعة حول وحدة الكيان واللسان على الصعيد الأفقي في المكان والزمان، على غرار واقع العراق والسودان أو تركيا وإيران... وهذا كقاعدة عامة تنطبق على أغلب الحالات السوية للبلدان والأمم القوية فوق الكرة الأرضية!؟!؟

بين غنيمة الحرب وهزيمة الشعب

وإذا طبقنا هذا على البلاد المغربية وفي قلبها الجزائر التي افتكت استقلالها الوطني بأعظم الثورات وأضخم التضحيات التي أصبحت علمًا رمزيًا قياسيًا عليها (كبلد المليون ونصف المليون شهيد)، التي جسدت انتصار الحق على الباطل بحرب التحرير ذات السبع العجاف والطوال المتوجة بالاستفتاء العام على تقرير المصير الساحق لصالح الاستقلال والانفصال عن إدارة الاحتلال في كل مجال متعلق بالسيادة ووحدة الهوية الوطنية (انظر مقالنا في عربي 21 ليوم 13 فبراير 2026: "تقرير المصير تم على أساس وحدة الهوية وليس على أساس الجهوية والعنصرية!؟"). مما يدل على انتصار الشعب على العدو بالدماء قبل الانتصار عليه بالاستفتاء، كما هو ثابت في الواقع بالدليل القاطع!؟

ولذلك فإن الأمر لا يخرج عن أحد احتمالين اثنين:

 الاحتمال الأول ـ إما أن يكون المنتصر الحقيقي في الحرب هو فرنسا وليس الشعوب المغاربية المجاهدة والمكافحة (كلٌّ حسب وضعه وإمكاناته ومكانته من الحماية والوصاية أو الاندماج الكامل في الاحتلال إداريًا وجغرافيًا وثقافيًا)، وفي هذه الحالة تكون الفرنسية "غنيمة حرب" للمنتصر و"هزيمة حرب" للشعب المنهزم بطبيعة الحال والمقال!

يجب أن تكون اللغة العربية الوطنية والرسمية هي (غنيمة الحرب) الفعلية المسترجعة والمفتكة من فوهات مدافع العدو، كما ورد في نص خطاب الرئيس بن يوسف بن خدة يوم الاحتفال بالنصر واعتراف فرنسا باستقلال الجزائر (على الورق) يوم الخامس من يوليو سنة 1962، وتكون الفرنسية حينئذ هي هزيمة الحرب (وليست غنيمته)؛ لكونها ظلت على الدوام تمثل أساس الرهان في المعركة الحضارية والسياسية والسيادية..
الاحتمال الثاني ـ أو أن يكون المنتصر في الحرب هو الشعب أو الشعوب الرافضة للفرنسة والتنصير.. والطرف المنهزم هو فرنسا الرسمية ووكلاؤها المتعاونون مع الاحتلال من الباطن كما كان واقع الحال بالفعل!؟

وفي هذه الحالة يجب أن تكون اللغة العربية الوطنية والرسمية هي (غنيمة الحرب) الفعلية المسترجعة والمفتكة من فوهات مدافع العدو، كما ورد في نص خطاب الرئيس بن يوسف بن خدة يوم الاحتفال بالنصر واعتراف فرنسا باستقلال الجزائر (على الورق) يوم الخامس من يوليو سنة 1962، وتكون الفرنسية حينئذ هي هزيمة الحرب (وليست غنيمته)؛ لكونها ظلت على الدوام تمثل أساس الرهان في المعركة الحضارية والسياسية والسيادية، ومعركة الهوية والوحدة الوطنية بين الطرفين المتحاربين على الدوام منذ جهاد الأمير عبد القادر وبوعمامة وفاطمة نسومر والمقراني والحداد في الأولين، إلى عبد الحميد بن باديس وعبد الكريم الخطابي وعلال الفاسي وعبد العزيز الثعالبي وبن بولعيد وبن مهيدي وعميروش والحواس وبن خدة في الآخرين!!

منطق السلاح واللغة والمغالطات

2  ـ إذا كان منطق الغنيمة هذا يقضي (افتراضًا) أن يغتنم المنتصر كل شيء مادي ومعنوي من العدو، مثل قطع السلاح وغيره (ولنعتبر اللغة سلاحًا) وقد استعملها أبناء الثورة الأصلاء كذلك (لمحاربة العدو بسلاحه)، فهل يغنم المنتصر السلاح لدعم ترسانته الوطنية (ضد العدو) أم يستعمله ضد نفسه بتصويبه إلى نحره؟ كما هو واضح بالنسبة لأصحاب "غنيمة الحرب" عندنا في البلاد المغاربية (الفرنكوشونية؟!)، وهو عكس ما فعله مالك بن نبي، ومالك حداد، وبن خدة، ولمين دباغين بلغة المعتدين دفاعًا عن لغة الشعب والدين!!

وإذا افترضنا حسن النية لدى بعض هؤلاء المغالطين (أو المغلطين)، وحاولنا مجاراتهم في خلطهم بين الشرف والعلف، وبين الجنسية والهوية، والغاية والوسيلة، والأمة والقبيلة.. فلماذا يصرون على اعتبار اللغة "وسيلة محايدة لتحقيق التنمية الاقتصادية والتقدم التكنولوجي" عندما يتعلق الأمر باستعمال اللغة الفرنسية (غنيمتهم الملغومة والمسمومة) وتأبيدها في البلاد وفرضها على العباد؟ كما يُلاحظ إصرارهم من خلال محاولة فرضهم لهذه اللغة إداريًا ومدرسيًا على الأولاد والأحفاد (مثلما فرضها المارشال بيجو واليوطي على الأجداد قبلهم...).
وعندما يلاحظون ترجيح الكفة لصالح اللغة العربية بالتطبيق الرسمي للدستور والقانون المنتخب شعبيًا في المجلس الوطني.. يلجؤون إلى الانقلاب ضد الانتخاب، أو إلى التزوير بلا حساب أو عقاب. ويتشبثون في الوقت ذاته برفض مبدأ اتخاذ اللغة العربية وسيلة للمحافظة على التماسك الاجتماعي، والانسجام الثقافي، والازدهار الاقتصادي، والدعم السيادي للاستقلال، والوحدة الوطنية.

ويهرعون إلى المحافر والمقابر والكهوف الجبلية والصحراوية لمحاولة العثور على بقايا رسوم لحيوانات منقرضة ورموز لحروف وألفاظ مهجورة من الاستعمال منذ قرون في ظفار باليمن والهقار بالجزائر، ليحاولوا النفخ فيها لبعثها "حية تسعى" كرمز لهوية (ضرار) محلية أو جهوية، كلما شعروا بقانون أو قول أو فعل يهدد "غنيمة حربهم" الفرنسية في البلاد المغربية للدفاع عنها نيابة عن أهلها في بلادها إرضاءً للمحتل السابق، أو مساعدةً له على مواصلة الاستحلال بعد الاحتلال، وتفصيل القوانين وتعديل الدساتير لإبعاد الرجال بالتزوير والتغيير بعد حفظ محاضر الاستفتاء على تقرير المصير في المتاحف الوطنية لدى الدولتين على الضفتين!؟!

لغة العلم والهوية المقارنة

إذا كانت اللغة مجرد وسيلة (محايدة) للتقدم التكنولوجي كما يدعون.. فلماذا يحاربون بشراسة محاولة اعتماد اللغة الإنجليزية في المدرسة الوطنية كمجرد لغة للانفتاح بها على كنوز التطور العلمي والتكنولوجي الهائل المكتشف بها أصلاً، والمدون بها أيضًا، ويفرضون اللغة الفرنسية (جريمة الحرب) الدخيلة والعليلة على أبنائنا في السنة الثانية ابتدائي (كما هو حاصل في بعض هذه البلاد المستحلة حتى الآن!؟).

وإذا كانت اللغة ـ التي تعتبر بكل المقاييس روح الشعب الذي يتحدث بها (كما يقول كل فلاسفة السياسة والحضارة في العالم...)- من الأمور التي تدخل ضمن الغنائم التي يسبيها المنتصر من المهزوم... فلماذا لم تغنم ألمانيا وفيتنام اللغة الفرنسية؟ ولم تغنم كوريا اللغة اليابانية؟ ولم تغنم فرنسا ذاتها اللغة العربية (مع أنها أممت كل شيء في الجزائر بعد القضاء على دولة الأمير عبد القادر واحتلال كامل البلاد والسيطرة على مقدرات العباد منذ بداية غزوها العسكري الهمجي الصليبي سنة 1830)؟

وقبل هذا وذاك، لماذا لم يغنم الغرب الأوروبي عمومًا، وإسبانيا على وجه الخصوص، اللغة العربية (وقد كانت يومئذ لغة الحضارة والعلوم والفلسفة والثقافة الراقية في كل أقطار العالم مثل اللغة الإنجليزية اليوم دون منازع) وذلك إثر سقوط غرناطة وانهزام العرب النهائي بملوك طوائفهم الأنانية والخائنة في الأندلس (سنة 1492)؟ بل أليس العكس هو الذي حصل؛ حيث عمد المنتصر الإسباني إلى كل الوسائل لاستئصال رموز العربية والإسلام من المساجد وشواهد المقابر، بمحاكم التفتيش وفظائعها الشنيعة في التاريخ لاسترجاع وحدة التراب والشعب الإسباني، في ظل وحدة الهوية اللاتينية المسيحية التي كانت عليها قبل ثمانية قرون خلت!؟

إذا كان منطق الغنيمة هذا يقضي (افتراضًا) أن يغتنم المنتصر كل شيء مادي ومعنوي من العدو، مثل قطع السلاح وغيره (ولنعتبر اللغة سلاحًا) وقد استعملها أبناء الثورة الأصلاء كذلك (لمحاربة العدو بسلاحه)، فهل يغنم المنتصر السلاح لدعم ترسانته الوطنية (ضد العدو) أم يستعمله ضد نفسه بتصويبه إلى نحره؟
أم أن إيزابيلا وفرناندو ودوبورمون، والمارشال بيجو واليوطي، وكل أجداد الجنرال ديغول في الأولين والآخرين.. كانوا جميعًا أقل وطنية وأقل عصرانية ووفاءً وذكاءً، وأقل حرصًا على سيادة ومصلحة ومستقبل أممهم ودولهم من أصحاب "غنيمة الحرب" في البلاد المغاربية المعاصرة بكل ألوانهم وأصولهم الفسيفسائية المنصهرة في بوتقة الثقافة القرآنية لسانًا ووجدانًا حتى الآن؟ كما شاهد العالم بأسره ذلك على المباشر في مباريات كأس العالم في أمريكا هذا العام بتعاطفهم وتشجيعهم للفريقين المصري والمغربي معًا، وقبلها في قطر مع أسود الأطلس كذلك سنة (2022) كما تذكرون؟؟

وذلك لأننا جميعًا ننتمي إلى أمة واحدة رغم تنافر شعور بعض شواذنا وتحايل أعدائنا بكل استغباء على بعضنا، وهم في الحقيقة يعرفون حقيقة معدن شعوب أمتنا أكثر من وكلائهم المعتمدين في بلداننا!؟

محاربة الإنجليزية وجناية الفرنسة الجامعية

وإذا كانت اللغة مجرد وسيلة (محايدة) للتقدم التكنولوجي كما يدعون.. فلماذا يحاربون بشراسة محاولة اعتماد اللغة الإنجليزية في المدرسة الوطنية للبلدان المغاربية كمجرد لغة للانفتاح بها على كنوز الذكاء الاصطناعي والتطور العلمي والتكنولوجي الهائل المكتشف بها أصلاً، والمدون بها أيضًا، ويفرضون اللغة الفرنسية (جريمة الحرب) الدخيلة والعليلة على أبنائنا في السنة الثانية ابتدائي كما هو حاصل في بعض هذه البلاد المستحلة!؟

(انظر مقالنا السابق ليوم الجمعة ما قبل الماضية). وهكذا أصبح هؤلاء "الاستحلاليون" يفرضون لغة عدو شهدائنا فرضًا بميزانية دولنا على أبناء شعبنا في الإدارة، وعلى أبنائهم في الأقسام العلمية بالجامعات الوطنية بدل الإنجليزية (اللغة العلمية الأولى في العالم دون منازع)، مع العلم أن هؤلاء الطلاب درسوا باللغة العربية (في الابتدائي والثانوي كما هو الحال في الجزائر الآن)، فيعوقونهم بهذا الإجراء الظالم عن مواصلة الدراسة باللغة العربية التي درسوا بها طوال حياتهم المدرسية حتى الدخول إلى الجامعة، فيصبحون بذلك الإجرام أميين في مدارجها العلمية والبحثية العليا.

وينجر عن هذا الإجراء "الاستحلالي" ظلمٌ في حق المتفوقين منهم فيصبحون معوقين اجتماعيًا ومعقدين نفسيًا وربما "إرهابيين" سياسيًا وأمنيًا، نتيجة هذا الظلم الشنيع الواقع في حقهم وحق وطنهم وحضارة أمتهم..!!؟؟

علماً بأن أمثال ابن خلدون، وابن رشد، وابن سينا، وابن الهيثم، والبيروني، وكل العباقرة الذين درسوا ودرّسوا أوروبا وعلموها معنى الحضارة والعلم بكل فروعه المتقدمة في ذلك الوقت، لم يتخرج أي واحد منهم في كامبريدج أو السوربون، بل درسوا ودرّسوا باللغة العربية وحدها في بغداد، وقرطبة، وبجاية، وفاس، وبقية الحواضر ومراكز الإشعاع العلمي والحضاري الأخرى في مشارق الأمة ومغاربها كما هو معلوم ومدون بأقلام الخصوم الحضاريين أنفسهم في روما، وباريس، وبرلين، ومدريد!؟

ولذلك فقد كان من المفروض، بل ومن الواجب أن يواصل هؤلاء الطلبة تعليمهم باللغة العربية ذاتها في الجامعة، ولكن أصحاب "الغنيمة ـ الجريمة" يرفضون بل ويحاربون دخول اللغة العربية إلى الأقسام العلمية في الجامعات الوطنية، مع العلم أن العربية هي الأقدر على ذلك حتى الآن من اللغة الفرنسية ذاتها؛ لأن هذه الأخيرة لا تعدو كونها مجرد ناقلة عن اللغة الإنجليزية مثلها في ذلك مثل بقية لغات العالم في العصر الحاضر.

وحجتنا في ذلك أننا إذا فقدنا العلم (فرضًا) حسب زعمهم وبكيفية نسبية إن درسنا العلوم باللغة العربية -شأننا في ذلك شأن جميع الدول المستقلة في العالم والتي تدرس في جامعاتها كل المواد العلمية بلغاتها القومية- فلا نفقد على الأقل الروح الوطنية والسيادة والحضارة، كما هو حاصل من تشبثهم المشبوه والمذل بلغة جلادي الشعب ماضيًا وحاضرًا (من الأجداد إلى الأحفاد)!!

انظر تصريح رئيس الاتحاد الأفريقي (ألفا عمر كوناري) في اجتماع وزراء التربية الأفارقة في 5/4/2005 بالجزائر الذي قال فيه: *"إن ثمة 100 جامعة عالمية... لا تتضمن أية جامعة أفريقية"*. وهو ما يبين بالدليل القاطع والبرهان الساطع واقع التقدم التعليمي والعلمي (بغنيمة الحرب) الفرنسية أو الإنجليزية في كامل القارة الأفريقية، وعلى رأسها البلاد المغاربية بالذات التي لم تمكنها (غنيمة الحرب الفرنسية) من تجاوز مستوى محو الأمية بالحروف اللاتينية على حساب اللغة الوطنية (العربية) كما هو منصوص عليها في كل دستور (شاهد زور) من دساتير هذه البلاد كلها العضو في جامعة الدول العربية...!!؟؟

وإذا كانت اللغة مجرد وسيلة (كما يغالطون)، فلماذا لا يعتمد الفرنسيون (أسيادهم) اللغة الإنجليزية في جامعاتهم؟ وكذلك الألمان، واليابانيون، والإسبان، والطليان، والروس، والكوريون، والأتراك، والإيرانيون (النموذج التكنولوجي النووي المشرف للأمة الإسلامية التي تباهي بها الصناعة الأمريكية والأوروبية والروسية والصينية واليابانية واليهودية في فلسطين المحتلة)، الذين لم يعتمد حكام هذه البلاد كلها اللغة الإنجليزية في جامعاتهم وإداراتهم العمومية، ليوفروا بذلك على أنفسهم مشاق وأخطاء وأموال الترجمة إلى لغاتهم الوطنية والقومية السيدة بامتياز لديهم...!!؟

أم أن الجواب يكمن (كما نعتقد) في وجود أسباب "استحلالية" غير معلنة من وراء الاستماتة في دفاعهم وفرضهم (لجريمة حربهم) على شعوب المغرب العربي مثلما فعل أسلافهم منذ مطلع الاحتلال الغاشم من بوابة القارة السمراء (الجزائر البيضاء) سنة 1830!!؟

تصنيف النخبة المتفرنسة

وللإجابة هنا على المعترضين على هذا الكلام بقولهم عن كيفية التوفيق بين ما نقول وبين حقيقة معيشة أثناء الكفاح المسلح للجزائر وقبله في الحركة الوطنية، حيث كانت الأغلبية من رجالها (خارج رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وحزب الاستقلال في المغرب الشقيق...) من المتعلمين باللغة الفرنسية (في مدارس الأهالي المستضعفين والمهمشين اجتماعياً وتعليمياً)، وقد حاربوا فرنسا وجاهدوا بإخلاص كأحسن ما تكون الحرب وأفضل ما يكون الجهاد، تماماً مثل كل الوطنيين الآخرين... بحيث لا يمكن أن يجرى الفرز حينئذ في الوطنية وحب الوطن والتضحية في سبيله (في ذلك الوقت القريب) بين المتعلم بالعربية والمتعلم بالفرنسية.. التي لم يترك لهم المحتل الأجنبي الاستيطاني غيرها (كوسيلة تواصل كتابي).

وعن توضيح هذه المسألة رفعًا لأي التباس حول هذا الموضوع الحساس اليوم، نقول بأنه يمكن تقسيم النخبة أو الطبقة المتعلمة باللغة الفرنسية من أفراد الشعب إلى فئتين أو نوعين:

النوع الأول ـ المتفرنس الذائب

تنطبق عليه جميع الصفات والأحكام التي تطلق عليه دائماً، فهو قد تفرنس وتنصّر وتشيّع (نسبة إلى الشيوعية)، وحارب لغته القومية واحتقر أبناء وطنه، وانجذب كلية نحو الثقافة الغربية، وكاد يذوب في المجتمع الفرنسي على الرغم من أن الأوروبيين المستحمرين ظلوا في قرارة أنفسهم ينظرون بعين الاحتقار إلى كل مغاربي مهما قلدهم، ومهما أظهر ولاءه لهم، ومهما تبرأ من أصله وفصله ودينه وجلده، ويبقى عندهم العربي عربيًا ولو كان العقيد بن داود (كما يقول مثل عامي شائع عندنا في الجزائر!؟).

ومن حكمة الله وتقديره لشؤون خلقه في كونه المحكم أن يكون يوم استقلال الجزائر هو يوم غزوها الصليبي الغاشم.. مما يستوجب اليقظة الكاملة والوعي الدائم لكل جيل في كل حين بالخطر الداهم. والدليل أننا كنا أحراراً مستقلين فاحتللنا، وكنا مستعبدين فوق أرضنا فاستقللنا بفضل الجهاد القائم، وماذا يمنع العدو الغادر المتربص من إعادة الكرة إذا وجد الثغرة في الجدار الحاكم!؟

النوع الثاني ـ الوطني المتفرنس اضطراراً

من الوطنيين المتعلمين باللغة الفرنسية ـ على قلة عدد أفراده وندرة معدنه- فقد بقي مرتبطاً بواقع شعبه وأمته، محافظاً على دينه ومقومات هويته، محباً للغته الوطنية (رغم جهله لها). وهذا النوع النادر من الوطنيين لم يزده تعلم الفرنسية المفروضة عليه إلا وعياً وكرهاً للاحتلال وتصميماً على مكافحته؛ وقد استعمل اللغة الفرنسية في ذلك الكفاح مجرد وسيلة بالفعل في ظل حرمانهم الجائر من لغتهم القومية (تعلماً وتعبيراً) كما هو معلوم وموثق بالصوت والصورة الصادقة والناطقة حتى أيامنا هذه.

وثيقة تاريخية شاهدة

وأورد هنا هذه الرسالة الخطية المترجمة عن اللغة الفرنسية، بعثها العقيد المجاهد الكبير "عمرو أو عمران" (ممثل الثورة في ليبيا) من ستوكهولم (عاصمة السويد) إلى المجاهد الليبي الكبير "الهادي إبراهيم المشيرقي" رئيس لجنة مناصرة الثورة الجزائرية المسلحة بليبيا (نقلاً عن كتابه "قصتي مع ثورة المليون شهيد - دار الأمة الجزائر 2000م"). جاء فيها:

"الأخ العزيز الهادي..

فكرت أن أحكي لك عن أخباري حتى أطمئنك أولاً.. ثم لأحييك على الرغم من المسافة البعيدة التي تفصل بيننا وبين إخوتنا الليبيين الذين برهنوا لنا أمام الله وأمام التاريخ على تأييدهم القوي للقضية الجزائرية أولاً... وعلى روحهم الوطنية تجاه بلدهم وتجاه إخوتهم العرب بالرغم من الصعوبات الكبيرة التي تواجههم..

> وإني أكتب لك الآن بالفرنسية ليس حباً فيها... لكنك تعلم أني لا أقدر على الكتابة باللغة العربية... وهذا ليس خطئي بل هو تأثير إمبريالي عميق الأثر... وربما يأتي اليوم الذي نتعلم فيه لغتنا العربية العزيزة، واليوم يبدو الأمر صعباً علينا إذا أضفنا المشاغل الزائفة الأخرى التي تأخذ من وقتنا واهتمامنا... وإنني فخور جداً لأنني وجدتك أخاً صادقاً بالقلب والفعل وليس باللسان فقط!!!".

ستوكهولم في 9 ديسمبر 1958

المفارقة الختامية

وشتان بين هذا الطراز النادر من الوطنيين الذين كانت ألسنتهم وأقلامهم الفرنسية ترجماناً صادقاً عن مشاعرهم العربية والوطنية النابضة -وقد استشهد منهم من كتبت له الشهادة، وبقي منهم من بقي صامداً مجاهداً يحارب المستعمر بلغته في المجال السياسي والفكري دفاعاً عن مقومات الأمة وثوابت هويتها وفاءً بالعهد وإنجازاً للوعد واستمراراً في الجهاد الصادق تحقيقاً للاستقلال الأكبر- قلت شتان بين أصحاب هذه الإرادة الفذة والوعي الوطني الرفيع... وبين المغالطين من أقطاب "الاستحلال" الفرنسي الذين يتخذون من اللغة الفرنسية غاية في ذاتها لإذلال شعبهم، تملقاً لأسيادهم، وادعاءً كاذباً على التاريخ الحي للأمة بأن ثورة نوفمبر فجرت بالفرنسية! بل ربما قالوا بأنها فجرت من أجل استرجاع اللغة الفرنسية "غنيمة الحرب" كما يدعون بكل حماقة ووقاحة، وجهل واستخفاف بعقول أبناء هذا الشعب؛ في الجامعة قبل الجامع وفي أجهزة الإعلام والإدارة والشارع!!

ومن ثمة فما كانت دعواهم ووصاياهم للمستخلفين "في الأرض، والمستأمنين على الغنيمة" الفرنسية إلا العض عليها بالنواجذ ومواصلة المعركة بها ومن أجلها، حتى إزالة آخر حرف عربي من على شواهد القبور في الجزائر وباقي البلاد المغاربية أسوة بما فعله أبناء العمومة من الإسبان في الأندلس بعد سقوط آخر معقل فيها سنة 1492!!

ذلك هو الفرق بين الفئة الأولى والفئة الثانية من النخبة المتفرنسة المتوارثة في هذه البلاد من العهد الغابر إلى الوقت الحاضر، ولكل عصر آباء لهبه وآباء بكره ومسيلماته، وأبناء خطابه وصلحاء دينه، وأبناء باديسه وأبناء ثوراته التحريرية الثلاث في بلاد المغرب العربي التي كان لها مكتب في القاهرة برئاسة قائد ثورة الريف البطل المغوار عبد الكريم الخطابي رحمه الله وجميع الخالدين معه، وألحق بهم كل التابعين المخلصين، والله أعلم بالمجاهدين الصادقين الأوفياء لوحدة الوطن والأمة والدين!!

إذا كانت اللغة مجرد وسيلة (كما يغالطون)، فلماذا لا يعتمد الفرنسيون (أسيادهم) اللغة الإنجليزية في جامعاتهم؟ وكذلك الألمان، واليابانيون، والإسبان، والطليان، والروس، والكوريون، والأتراك، والإيرانيون
ولولا استماتة شعوب هذه الدول في التمسك بثوابت هويتها الوطنية العربية الإسلامية لكان مصيرها جميعاً كغرناطة الإسبانية!!؟

ومن حكمة الله أن يكون يوم استقلال الجزائر هو يوم غزوها الصليبي الغاشم كما قلنا، مما يستوجب اليقظة الكاملة والوعي الدائم لكل جيل من أجيال الأمة في كل طور وحين حتى يأتينا اليقين!؟

والدليل على ذلك أننا كنا أحراراً مستقلين فاحتللنا، وكنا مستعبدين فوق أرضنا فاستقللنا بفضل الجهاد ووحدة العباد في كامل أنحاء البلاد، وماذا يمنع العدو الغادر والدائم التربص بنا من إعادة الكرة في كل مرة إذا وجد الثغرة في الجدار الوطني الحاكم إذا لم يبقَ محصناً بأبنائه من الداخل ضد أعداء الخارج الحقيقيين ونواب الفاعل المحليين المستبدلين حسب الحاجة في كل حين، ومنهم أصحاب (الفرنسية غنيمة الحرب) لتأبيد "الاستحلال" إلى يوم الدين.!؟"