بريطانيا تطلق أول "جامعة عملاقة" تضم أكثر من 50 ألف طالب

بينما تستعد جامعتا غرينتش وكِنت لبدء مرحلة جديدة تحت مظلة واحدة، فإن التجربة ستختبر قدرة الجامعات البريطانية على التكيف مع واقع مالي متغير.. جيتي
تستعد بريطانيا لإطلاق أول نموذج من نوعه في قطاع التعليم العالي، مع بدء العمل رسميا في أيلول/سبتمبر المقبل بالمجموعة الجامعية الجديدة التي ستنشأ عن اندماج جامعتي غرينتش وكِنت، في خطوة تهدف إلى بناء مؤسسة تعليمية ضخمة تضم أكثر من 50 ألف طالب، وتأتي في وقت يواجه فيه قطاع الجامعات البريطاني ضغوطا مالية متزايدة تهدد استدامة عدد من مؤسساته.

وستحمل المؤسسة الجديدة اسم "مجموعة جامعة لندن والجنوب الشرقي" (London and South East University Group)، والمعروفة اختصارا بـ"LASEU"، لتصبح، وفق المعطيات المعلنة، ثالث أكبر مؤسسة للتعليم العالي في المملكة المتحدة من حيث عدد الطلاب.

ومن المقرر أن تبدأ المجموعة الجديدة عملها رسميا في 7 أيلول/سبتمبر 2026، أي بعد عام واحد بالضبط من الإعلان الأول عن مشروع الاندماج، وبعد أشهر من حصول الخطة على موافقة وزارة التعليم البريطانية.

ويأتي إطلاق المجموعة في سياق متزايد من عمليات إعادة الهيكلة والاندماج التي يشهدها قطاع التعليم العالي في بريطانيا، مع تصاعد المخاوف بشأن قدرة الجامعات على مواجهة ارتفاع تكاليف التشغيل، وتراجع بعض مصادر الدخل، وتزايد الضغوط على ميزانياتها، الأمر الذي دفع عددا من المؤسسات إلى البحث عن صيغ جديدة لضمان بقائها واستمرار قدرتها على تقديم خدماتها التعليمية والبحثية.

جامعتان بهويتين منفصلتين تحت مظلة واحدة


وبموجب الهيكل الجديد، لن تختفي هويتا جامعتي غرينتش وكِنت، إذ ستواصل كل منهما العمل بوصفها وحدة أكاديمية مستقلة، مع احتفاظهما باسميهما وهويتيهما المؤسسيتين.

وسيستمر الطلاب في الالتحاق بالجامعة التي اختاروها، والدراسة فيها، والحصول على شهاداتهم منها، بينما سيعمل الموظفون في الجامعتين ضمن إطار المجموعة الجامعية الجديدة.

وتضم المؤسسة الجديدة أربعة أحرام جامعية موزعة بين لندن ومنطقة ميدواي ومقاطعة كِنت، ما يمنحها امتدادا جغرافيا واسعا في لندن والجنوب الشرقي من إنجلترا.

ويُنظر إلى هذا النموذج باعتباره محاولة للجمع بين الحفاظ على الهويات الأكاديمية المستقلة للمؤسسات المشاركة، والاستفادة في الوقت ذاته من الإدارة والموارد المشتركة، بما يمكن أن يوفر وفورات مالية ويعزز القدرة على الاستثمار في التعليم والبحث العلمي.

وتتولى البروفيسورة جين هارينغتون، نائبة رئيس جامعة غرينتش، منصب الرئيسة التنفيذية الجديدة للمجموعة الجامعية، حيث قالت إن المشروع تطلب عملا مكثفا على مدى عام كامل، ضمن جدول زمني طموح لتطوير نموذج جامعي "لم يسبق تطبيقه" في بريطانيا.

وأضافت، في تصريحات نقلتها صحيفة "الغارديان" اليوم، أن المجموعة تبدأ عملها بانتقال سلس، وفريق إداري تنفيذي قوي، واتجاه واضح، معربة عن أملها في أن تتمكن المؤسسة الجديدة من تحقيق إمكاناتها باعتبارها أول "جامعة عملاقة" في المملكة المتحدة.

أكثر من 50 ألف طالب


وستضم المجموعة الجديدة أكثر من 50 ألف طالب موزعين على الجامعتين وأحرامهما الأربعة، ما يجعلها ثالث أكبر مؤسسة للتعليم العالي في المملكة المتحدة من حيث عدد الطلاب.

ومن المتوقع أن يمنح هذا الحجم المؤسسة الجديدة قدرة أكبر على الاستفادة من اقتصاديات الحجم، من خلال دمج بعض الوظائف الإدارية والخدمات المشتركة، وتنسيق الموارد، وتعزيز التعاون بين الوحدات الأكاديمية المختلفة.

لكن ضخامة المؤسسة تطرح أيضا تحديات إدارية وأكاديمية، خصوصا في ما يتعلق بالحفاظ على جودة التعليم، وضمان عدم تحول الاندماج إلى عملية بيروقراطية واسعة، فضلا عن الحفاظ على خصوصية كل جامعة وهويتها الأكاديمية.

وتؤكد الجامعتان أن الاندماج لن يؤدي إلى إلغاء هوية أي منهما، وأن الطلاب سيواصلون الدراسة ضمن مؤسساتهم الأصلية، وهو ما يهدف إلى الحد من المخاوف المرتبطة بتغيير طبيعة الشهادات أو البرامج الأكاديمية القائمة.

"نموذج يمكن للآخرين اتباعه"


وكانت الجامعتان قد وصفتا مشروع الاندماج في وقت سابق بأنه يمكن أن يشكل "مخططا" أو نموذجا يمكن لمؤسسات أخرى اتباعه، خصوصا في ظل التحديات التي يواجهها التعليم العالي البريطاني.

ويستند المشروع، وفق الغارديان"، إلى أكثر من عقدين من التعاون بين المؤسستين، ما يجعل الاندماج، بحسب القائمين عليه، امتدادا لعلاقة قائمة وليس شراكة جديدة بالكامل.

وتقول الجامعتان إن إنشاء مجموعة موحدة سيمنحهما أساسا ماليا أقوى، ويساعدهما على مواجهة الضغوط الاقتصادية طويلة الأمد، مع الحفاظ على قدرتهما على الاستثمار في الطلاب والعاملين والبنية التحتية.

ويأتي ذلك في وقت بدأت فيه فكرة دمج الجامعات تكتسب زخما أكبر داخل قطاع التعليم العالي البريطاني، إذ أعلنت جامعة "كينغز كوليدج لندن" وجامعة "كِرانفيلد" في وقت سابق من العام الحالي خططا للاندماج في آب/أغسطس 2027.

ويشير تزايد مثل هذه المشاريع إلى تحول تدريجي في طريقة تعامل الجامعات البريطانية مع الضغوط المالية، بعدما كانت عمليات الاندماج في السابق أقل شيوعا، بينما باتت المؤسسات تبحث بصورة متزايدة عن طرق لتقاسم الموارد وتعزيز قدرتها على الصمود.

أزمة مالية تضرب الجامعات البريطانية


ويأتي إطلاق "مجموعة جامعة لندن والجنوب الشرقي" في ظل أزمة مالية متزايدة يواجهها قطاع التعليم العالي في بريطانيا.

وكان مكتب الطلاب، وهو الجهة التنظيمية المسؤولة عن التعليم العالي في إنجلترا، قد حذر من أن 24 مؤسسة تعليمية كانت معرضة لخطر الإفلاس والإغلاق خلال 12 شهرا اعتبارا من تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي.

كما أشار المكتب إلى أن 45 بالمئة من مؤسسات التعليم العالي قد تواجه عجزا ماليا خلال العام الأكاديمي 2025-2026.

وتعكس هذه الأرقام حجم الضغوط التي تواجه الجامعات، والتي تتزامن مع ارتفاع تكاليف التشغيل، وتحديات التمويل، والتغيرات في أعداد الطلاب، إلى جانب صعوبات تواجه بعض المؤسسات في الحفاظ على تدفقات مالية مستقرة.

وأدى ذلك إلى اتخاذ جامعات عدة إجراءات تقشفية، من بينها خفض أعداد الموظفين، وبيع مبان أو أراض، وإغلاق بعض البرامج والتخصصات التي لم تعد تحقق عوائد مالية كافية.

وفي أيار/مايو الماضي، حذر نواب في لجنة التعليم البرلمانية من أن قطاع التعليم العالي "يواجه أزمة مالية"، مشيرين إلى وجود "احتمال واضح لإغلاق إحدى الجامعات".

وحذرت اللجنة من أن تداعيات إغلاق أي مؤسسة جامعية لن تقتصر على الطلاب والعاملين، بل ستمتد إلى الاقتصادات المحلية والمجتمعات المحيطة، فضلا عن تأثير محتمل على السمعة الأكاديمية العالمية للمملكة المتحدة.

تداعيات تتجاوز أسوار الجامعات


وتعد الجامعات البريطانية جزءا أساسيا من الاقتصاد المحلي في العديد من المدن والمناطق، إذ توفر آلاف الوظائف، وتجذب الطلاب الدوليين، وتدعم قطاعات الإسكان والنقل والخدمات والتجارة.

ومن ثم، فإن أي أزمة مالية تؤدي إلى إغلاق جامعة أو تقليص نشاطها قد تكون لها تداعيات واسعة على المناطق التي تعتمد عليها اقتصاديا.

كما تمثل الجامعات البريطانية أحد أهم مصادر القوة الناعمة للمملكة المتحدة، وتلعب دورا رئيسيا في البحث العلمي والابتكار واستقطاب الطلاب والباحثين من مختلف أنحاء العالم.

ولهذا، فإن التحذيرات البرلمانية من تأثير الأزمة المالية على "السمعة الأكاديمية العالمية" تعكس مخاوف تتجاوز الجوانب المحاسبية المباشرة، لتصل إلى مكانة بريطانيا في سوق التعليم الدولي والبحث العلمي.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى نموذج "مجموعة جامعة لندن والجنوب الشرقي" باعتباره محاولة استباقية لتجنب سيناريوهات أكثر خطورة، عبر إنشاء مؤسسة أكبر وأكثر قدرة على توزيع المخاطر وتوحيد الموارد.

الحكومة ترحب بالاندماج


ورحبت وزارة التعليم البريطانية بالاندماج، معتبرة أن المؤسسة الجديدة ستنشئ جامعة قوية قادرة على إعادة الاستثمار في الطلاب ودعم اقتصاد منطقة الجنوب الشرقي.

ونقلت "الغارديان" عن متحدث باسم الوزارة قوله: إن الحكومة ملتزمة بتوفير مستقبل مستقر للجامعات البريطانية، حتى تتمكن من الوفاء بالتزاماتها تجاه الطلاب ودافعي الضرائب والعاملين والاقتصاد.

وأضاف أن الحكومة تتوقع من الجامعات اتخاذ القرارات المناسبة لضمان استدامتها على المدى الطويل، مشيرا إلى الإجراءات التي اتخذتها السلطات لتعزيز الوضع المالي للقطاع، بما في ذلك إعادة تركيز عمل مكتب الطلاب على مراقبة الصحة المالية للمؤسسات التعليمية.

ويعكس هذا الموقف دعما حكوميا لفكرة إعادة هيكلة القطاع، لكنه في الوقت ذاته يحمل الجامعات مسؤولية اتخاذ قرارات صعبة لضمان بقائها.

هل يصبح الاندماج حلا لأزمة الجامعات؟


ويطرح إطلاق المجموعة الجديدة سؤالا أوسع بشأن مستقبل الجامعات البريطانية، وما إذا كانت عمليات الاندماج ستتحول إلى اتجاه رئيسي خلال السنوات المقبلة.

فمن جهة، يمكن للاندماج أن يوفر وفورات في النفقات الإدارية، ويتيح مشاركة الموارد، ويعزز القدرة على الاستثمار في البنية التحتية والبحث العلمي، كما قد يمنح المؤسسات الأكبر قدرة أفضل على مواجهة الصدمات المالية.

ومن جهة أخرى، يحذر منتقدون محتملون من أن التوسع لا يمثل حلا تلقائيا للمشكلات المالية، إذ قد يؤدي دمج مؤسستين كبيرتين إلى خلق هياكل إدارية أكثر تعقيدا، كما أن التحديات المالية قد تنتقل ببساطة من مستوى الجامعة إلى مستوى المجموعة الجديدة إذا لم تتم معالجة أسبابها الأساسية.

كما يظل الحفاظ على الجودة الأكاديمية والاستقلال المؤسسي تحديا رئيسيا، خصوصا مع وجود أكثر من 50 ألف طالب وأعداد كبيرة من الموظفين موزعين على مناطق جغرافية متعددة.

ومع ذلك، يرى القائمون على المشروع أن النموذج الجديد يمنح الجامعتين فرصة لبناء مؤسسة أقوى ماليا وأكثر قدرة على الاستمرار، دون التضحية بهويتهما الأكاديمية المستقلة.

بداية مرحلة جديدة للتعليم العالي البريطاني


ومع انطلاق "مجموعة جامعة لندن والجنوب الشرقي" في 7 أيلول/سبتمبر، تبدأ بريطانيا تجربة جديدة في إدارة مؤسسات التعليم العالي، تقوم على الجمع بين الحجم الكبير والهوية الأكاديمية المستقلة.

وسيكون نجاح التجربة موضع متابعة واسعة داخل قطاع الجامعات، خصوصا مع تصاعد الضغوط المالية التي دفعت مؤسسات أخرى إلى التفكير في الاندماج أو إعادة الهيكلة أو تقليص النفقات.

وفي حال نجحت المجموعة الجديدة في تحقيق وفورات مالية، وتحسين قدرتها على الاستثمار، والحفاظ في الوقت ذاته على جودة التعليم والبحث العلمي، فقد تتحول إلى نموذج تحتذي به جامعات أخرى تواجه أزمات مماثلة.

أما إذا فشلت في تحقيق التوازن بين الحجم والكفاءة والاستقلال الأكاديمي، فقد تعزز المخاوف من أن الاندماجات الكبيرة ليست حلا كافيا للأزمة الهيكلية التي يعيشها قطاع التعليم العالي البريطاني.

وبينما تستعد جامعتا غرينتش وكِنت لبدء مرحلة جديدة تحت مظلة واحدة، فإن التجربة ستختبر قدرة الجامعات البريطانية على التكيف مع واقع مالي متغير، في وقت لم يعد فيه السؤال المطروح هو فقط كيفية تحسين التعليم والبحث العلمي، بل أيضا كيفية ضمان بقاء المؤسسات التي تقوم عليهما واستدامتها على المدى الطويل.