اختتمت في مدينة
سمرقند الأوزبكية أعمال
المؤتمر الدولي العلمي "الجامع المسند الصحيح للإمام البخاري: كتاب أمة"
بإصدار "إعلان سمرقند" الذي حمل مجموعة من التوصيات والمبادرات الرامية
إلى تعزيز الدراسات الحديثية، وإعادة تقديم تراث الإمام البخاري باعتباره جزءاً من
الذاكرة العلمية والحضارية للعالم الإسلامي. واختار المؤتمر مكانه وموضوعه بعناية،
إذ انعقد في أرض ارتبط اسمها تاريخياً بالإمام البخاري، وفي لحظة تشهد فيها
الدراسات الإسلامية نقاشات واسعة حول مناهج فهم السنة النبوية ومكانة الحديث في
البناء المعرفي والتشريعي.
وجاء المؤتمر، الذي عقد تحت رعاية الرئيس
الأوزبكي شوكت ميرضيائيف، بتنظيم من منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم
والثقافة (إيسيسكو) بالشراكة مع مركز الحضارة الإسلامية في طشقند ومركز الإمام
البخاري الدولي للبحوث العلمية، بهدف جمع الباحثين والعلماء والمؤسسات المتخصصة
حول شخصية تعد من أبرز أعلام الحضارة الإسلامية، وإطلاق مشاريع علمية تتجاوز
الاحتفاء التاريخي بالإمام البخاري إلى بناء مسارات بحثية ومؤسساتية مستدامة.
لماذا الإمام البخاري؟
يأتي اختيار الإمام محمد بن إسماعيل البخاري
موضوعاً للمؤتمر بالنظر إلى المكانة المركزية التي يحتلها كتابه "الجامع
المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه"
المعروف بـ"صحيح البخاري"، الذي يعد عند جمهور علماء المسلمين أبرز كتب
الحديث النبوي وأحد أهم مصادر السنة بعد القرآن الكريم.
ولا يرتبط حضور البخاري في الوعي الإسلامي
بمجرد جمع الروايات الحديثية وتصنيفها، بل يمثل نموذجاً لمنهج علمي صارم في التحقق
والنقد والرحلة في طلب العلم، إذ ارتبط اسمه بتطور علوم الإسناد والجرح والتعديل
ونقد الرجال والروايات، وهي علوم شكلت أحد أكثر النماذج تقدماً في تاريخ التوثيق
العلمي.
ويرى المشاركون في المؤتمر أن استحضار تجربة
البخاري اليوم لا يقتصر على البعد الديني، وإنما يمتد إلى إبراز جوانب حضارية
مرتبطة بقيم البحث العلمي، والتحقق، والانفتاح على المعرفة، وتبادل العلوم بين
مختلف مناطق العالم الإسلامي.
سمرقند.. المكان باعتباره رسالة حضارية
لم يكن اختيار سمرقند لعقد المؤتمر مجرد
اختيار جغرافي، بل حمل دلالة رمزية مرتبطة بجذور الإمام البخاري وموقع المنطقة في
التاريخ العلمي الإسلامي.
فالإمام البخاري وُلد في بخارى سنة 194هـ،
في منطقة ما وراء النهر التي كانت إحدى أبرز مراكز الحضارة الإسلامية، ومنها
انطلقت حركة علمية واسعة أسهمت في إنتاج علماء كبار في الحديث والفقه والفلسفة
واللغة.
وحاول الحضور الأوزبكي الرسمي والمؤسسات
العلمية المرتبطة بالمؤتمر إعادة تقديم هذا الإرث ضمن مشروع أوسع لإبراز مساهمة
آسيا الوسطى في الحضارة الإسلامية، وتحويل مواقع العلماء التاريخية إلى فضاءات
للبحث والتواصل العلمي العالمي.
ومن هنا جاء الحديث عن إطلاق مبادرة
"طريق البخاري"، التي تهدف إلى تتبع المسارات العلمية والثقافية التي
صنعها انتشار كتاب "الجامع الصحيح" بين حواضر العالم الإسلامي، وربط
التاريخ العلمي بالمجال الثقافي المعاصر.
إعلان سمرقند.. تجديد دراسة الحديث
وأكد الإعلان الختامي للمؤتمر أن السنة
النبوية الشريفة تمثل المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم، وأن العلاقة
بينهما قائمة على التكامل والترابط.
كما دعا الإعلان إلى تأسيس مجال معرفي أكثر
توسعاً في دراسة الحديث من خلال الاهتمام بـ"علم تاريخ الحديث"، وتشجيع
الباحثين على دراسة نماذج حديثية مختلفة، ومناقشة الاعتراضات المثارة حول السنة
النبوية بمنهج علمي يقوم على الحجة والبحث.
وشدد المؤتمر على أهمية تجديد منهجيات دراسة
الحديث، واعتماد مقاربات تاريخية وعلمية قادرة على التعامل مع الأسئلة المعاصرة،
مع التأكيد على أن دراسة الحديث لا ينبغي أن تختزل في الجانب التشريعي فقط، بل
تشمل أيضاً إبراز القيم الحضارية والأخلاقية التي تحملها النصوص النبوية.
من الاحتفاء إلى المؤسسات
لم يكتف المؤتمر بإصدار إعلان فكري، بل خرج
بمجموعة من المشاريع التنفيذية التي تهدف إلى تحويل الاهتمام بالإمام البخاري إلى
عمل مؤسساتي مستمر.
ومن أبرز هذه المبادرات:
ـ إطلاق "رابطة الإمام البخاري
الدولية" لتكون منصة عالمية لخدمة تراث الإمام البخاري وتعزيز الدراسات
المتخصصة حول حياته ومنهجه وإسهاماته.
ـ إنشاء جائزة البخاري الدولية لتكريم
الأبحاث والجهود العلمية المرتبطة بالحديث النبوي.
ـ إعداد موسوعة علمية شاملة عن الإمام
البخاري وشيوخه وتلاميذه وكتابه.
ـ تأسيس شبكة من الجامعات والمعاهد
والمؤسسات العلمية المعنية بتدريس صحيح البخاري.
إنتاج فيلم يوثق حياة الإمام البخاري ورحلته
العلمية.
ـ إصدار أعمال توثق رحلته في جمع الحديث
ورحلاته بين العلماء والحواضر الإسلامية.
إطلاق منصة رقمية لرصد ما ينشر حول صحيح
البخاري والرد العلمي على ما يثار حوله.
كما أوصى المؤتمر بإنشاء معهد علمي داخل
مجمع الإمام البخاري في سمرقند، يعنى بتقريب الحديث النبوي ودراسة علوم السنة.
إيسيسكو ورهان الدبلوماسية الحضارية
وفي ختام المؤتمر، أعلن الدكتور سالم بن
محمد المالك، المدير العام للإيسيسكو، عن مبادرة تأسيس رابطة الإمام البخاري
الدولية بالتعاون مع مركز الحضارة الإسلامية في طشقند، مؤكداً أن الهدف منها بناء
منصة علمية عالمية تخدم تراث الإمام البخاري وتعزز حضوره في الوعي العلمي
والإنساني.
ويأتي هذا المشروع ضمن توجه أوسع لدى
الإيسيسكو لإعادة إبراز أعلام الحضارة الإسلامية من خلال مؤتمرات ومبادرات علمية
دولية، بما يربط التراث بالأسئلة المعاصرة، ويقدم الثقافة الإسلامية باعتبارها
مجالاً للإنتاج العلمي والحوار الحضاري.
البخاري بين التراث وأسئلة العصر
يكشف مؤتمر سمرقند أن الاهتمام بالإمام
البخاري لم يعد مقتصراً على حفظ مكانته التقليدية في الذاكرة الدينية، بل أصبح
جزءاً من نقاش أوسع حول علاقة التراث الإسلامي بالبحث العلمي الحديث، وكيفية تقديم
علوم الحديث للأجيال الجديدة في ظل التحولات المعرفية والرقمية.
وبينما يظل "صحيح البخاري" أحد
أكثر الكتب حضوراً وتأثيراً في التاريخ الإسلامي، فإن المبادرات التي خرج بها
المؤتمر تسعى إلى الانتقال من مرحلة الاحتفاء بالإمام إلى مرحلة بناء مؤسسات علمية
وشبكات بحثية تعيد قراءة تجربته وتقدمها بوصفها نموذجاً في التوثيق والتحقيق
وصناعة المعرفة.
ويظل الإمام البخاري أحد أعمدة علم الحديث
النبوي وأبرز من أسهموا في بناء منهجية دقيقة للتحقق من الروايات وتمييز صحيحها من
ضعيفها، حتى أصبح كتابه "الجامع الصحيح" مرجعاً مركزياً لدى علماء
الحديث عبر القرون. ولم تتأسس مكانته على كثرة الجمع والرواية فحسب، بل على منهج
علمي صارم في اختيار الأحاديث ودراسة الأسانيد والنظر في أحوال الرواة، وهو ما جعل
اسمه مقترناً بمرحلة نضج علوم الحديث وتطور أدوات النقد العلمي في الحضارة
الإسلامية.
ومن هنا فإن استحضاره في مؤتمر دولي بسمرقند
لا يمثل مجرد تكريم لعالم من علماء الماضي، بل محاولة لإعادة إبراز نموذج معرفي
يقوم على الدقة والتحقيق والبحث العلمي، وهي قيم تتجاوز المجال الحديثي لتلامس
أسئلة المعرفة والثقة بالمعلومة في العصر الحديث.