مكتبة جديدة بـ "طنجة" المغربية تعيد سؤال الكتاب والنهضة إلى الواجهة

أعلنت إدارة المكتبة اعتماد نظام خاص للحفاظ على الكتب، خصوصاً المراجع النادرة، من خلال قصر الاستفادة منها على فضاء المكتبة وعدم إعارتها خارج المقر، مع تخصيص فضاء للحوار والمطالعة ضمن مبادرة "المقهى الثقافي".
افتتحت حركة التوحيد والإصلاح بإقليم طنجة، الأسبوع الماضي، مكتبتها الجديدة بمنطقة "فال فلوري"، في مبادرة ثقافية تهدف إلى إعادة الاعتبار للكتاب الورقي وتحويل المكتبة إلى فضاء للإشعاع الفكري وبناء الوعي، وذلك بالتزامن مع تنظيم ندوة علمية ناقشت دور الكتب والمكتبات في مشاريع النهضة والإصلاح.

وتعد حركة التوحيد والإصلاح إحدى أبرز الحركات الإسلامية الدعوية في المغرب، تأسست بصيغتها الحالية سنة 1996 بعد اندماج حركتي "الإصلاح والتجديد" و"رابطة المستقبل الإسلامي"، وتقدم نفسها باعتبارها حركة مدنية تهدف إلى الإسهام في الإصلاح المجتمعي من خلال العمل الدعوي والتربوي والثقافي.

وترتكز أنشطتها على مجالات التأطير الفكري والتكوين ونشر القيم الدينية، إلى جانب تنظيم الندوات والبرامج الثقافية والاجتماعية. وترتبط الحركة فكرياً بحزب العدالة والتنمية المغربي الذي تأسس في سياق سياسي مختلف، مع استقلال كل طرف من حيث البنية التنظيمية والمهام والأدوار.

وخلال العقود الماضية، ركزت الحركة على بناء شبكة من الأنشطة الثقافية والتربوية في عدد من المدن المغربية، من بينها الأندية الثقافية والملتقيات الفكرية ومشاريع النشر والتكوين، وهو السياق الذي تأتي فيه مبادرة افتتاح مكتبة طنجة باعتبارها امتداداً لهذا الاهتمام بالمجال المعرفي والكتاب.

وشهد افتتاح المكتبة حضور عدد من العلماء والمفكرين والباحثين والفاعلين الجمعويين، حيث شكل اللقاء مناسبة لاستحضار المكانة التاريخية للكتاب في صناعة التحولات الحضارية، ومناقشة سبل استعادة القراءة لموقعها في المجتمع في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.

وقال الدكتور محمد حامي الدين، المسؤول الإقليمي لحركة التوحيد والإصلاح بطنجة، إن افتتاح المكتبة يمثل ثمرة عمل جماعي امتد لفترة طويلة، شارك فيه عدد من المساهمين الذين قدموا خزاناتهم الخاصة، وانخرطوا في عمليات جمع الكتب وترتيبها وتصنيفها وفهرستها إلكترونياً.

وأوضح أن المشروع لا يقتصر على توفير فضاء لحفظ الكتب، بل يسعى إلى بناء "منارة علمية" مفتوحة أمام الطلبة والباحثين والمهتمين، ضمن تصور ثقافي أوسع يهدف إلى جعل المعرفة جزءاً من الحياة اليومية للمجتمع.

وأضاف أن المكتبة تأتي ضمن برنامج ثقافي صيفي يرمي إلى استثمار العطلة السنوية في أنشطة فكرية وروحية وتربوية، عبر النادي الثقافي ونادي القرآن الكريم، بما يوفر بدائل معرفية للشباب والناشئة.

ودعا حامي الدين إلى تطوير فكرة "سياحة المكتبات" عبر إعداد دليل وطني للتعريف بالخزانات العلمية المنتشرة في مختلف مناطق المغرب، معتبراً أن زيارة هذه الفضاءات تمثل إعادة الاعتبار للكتاب والذاكرة الثقافية، وحماية للهوية الوطنية من التهميش والنسيان.

القراءة وصناعة النهضة

وتوج افتتاح المكتبة بتنظيم ندوة فكرية بعنوان "الكتب والمكتبات ودورها في النهضة والإصلاح"، شارك فيها عدد من المتخصصين، وركزت على العلاقة بين المعرفة والتحول الحضاري.

وأكد المفكر الإسلامي المقرئ الإدريسي أبو زيد، في مداخلته حول "القراءة فعلاً حضارياً"، أن القراءة ليست نشاطاً فردياً محدوداً، بل هي مدخل لبناء الإنسان وتكوين الوعي الجماعي.

وأوضح أن وصف الأمة بـ"الأمية" في القرآن الكريم لم يكن دعوة إلى الاستسلام للجهل، وإنما كان تحفيزاً على تجاوز واقع معين والانخراط في مسار طلب العلم والمعرفة، مشيراً إلى أن الحضارة الإسلامية جعلت الكتاب في قلب مشروعها العلمي والثقافي.

واستحضر أبو زيد نموذج بيت الحكمة في بغداد باعتباره أحد أبرز رموز ازدهار المعرفة والترجمة، مؤكداً أن فهم التاريخ واللغة يمثل أساساً لفهم الهوية الحضارية وبناء المستقبل.

كما أشار إلى نموذج غزة، حيث يواصل الطلاب التعلم والقراءة والكتابة رغم ظروف الحرب والدمار، معتبراً أن التمسك بالمعرفة في الأزمات يمثل صورة من صور الصمود الحضاري.

المكتبات العائلية المغربية.. ذاكرة مهددة بالضياع

من جهته، تناول الدكتور حمزة الكتاني موضوع "خزانات الأسر العلمية بالمغرب"، مستعرضاً تاريخ المكتبات الخاصة التي لعبت أدواراً مهمة في حفظ العلوم ونقل المعرفة عبر الأجيال.

وتوقف الكتاني عند الخسائر التي تعرض لها جزء من التراث الوثائقي المغربي، خصوصاً ما أصاب مكتبات منطقة سوس العالمة خلال فترة المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي، مشيراً إلى إحراق خزانة الجامع الكبير بسجلماسة سنة 1913.

وفي مقابل مظاهر الضياع، قدم نماذج من الخزانات التي حافظت على دورها العلمي، مثل خزانة الزاوية الناصرية بتامكروت، والخزانة الحمزاوية بالعياشي، التي شكلت عبر التاريخ مراكز للعلم واستقبال الباحثين.

كما أشار إلى التحول الذي عرفه تدبير هذا التراث منذ عام 1958، بعد جهود العلامة إبراهيم الكتاني التي ساهمت في وضع آليات لتصوير وفهرسة عدد من الخزانات الخاصة وإدماجها ضمن منظومة المكتبات الوقفية.

وأشاد بالمبادرة التي أطلقتها حركة التوحيد والإصلاح بطنجة، معتبراً أن فتح المكتبة للعموم يمثل نموذجاً لإعادة ربط المجتمع بالكتاب، وداعياً إلى تعميم مثل هذه المشاريع في مختلف مناطق المغرب.

وقف معرفي ورصيد يخدم الباحثين

وشهد حفل الافتتاح تكريم عدد من المتبرعين والداعمين الذين ساهموا في بناء الرصيد العلمي للمكتبة، وفي مقدمتهم بنات الشيخ الراحل عبد الباري الزمزمي، اللواتي قدمن مجموعة من كتبه ومراجعه في مجالات التفسير والحديث والفقه.

كما ساهم عدد من الشخصيات الثقافية والعلمية بمدينة طنجة في دعم المشروع، إضافة إلى دور نشر ومهتمين بالكتاب، فيما تولى فريق من الشباب المتطوعين عمليات ترتيب وتصنيف وفهرسة الرصيد الوثائقي إلكترونياً.

وتضم المكتبة كتباً في مجالات متعددة، مع حضور خاص للمراجع المتعلقة بالقضية الفلسطينية، ومن أبرزها "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية" للمفكر عبد الوهاب المسيري، باعتبارها من الأعمال المرجعية في دراسة المشروع الصهيوني.

الكتاب في مواجهة التحول الرقمي

وأعلنت إدارة المكتبة اعتماد نظام خاص للحفاظ على الكتب، خصوصاً المراجع النادرة، من خلال قصر الاستفادة منها على فضاء المكتبة وعدم إعارتها خارج المقر، مع تخصيص فضاء للحوار والمطالعة ضمن مبادرة "المقهى الثقافي".

ويندرج عمل المكتبة ضمن برنامج صيفي يحمل شعار "صيف مفيد.. إيمان راسخ.. مجتمع واعد"، يتضمن لقاءات ثقافية وأنشطة قرآنية وتربوية ورياضية.

وتعيد هذه المبادرة طرح النقاش حول موقع الكتاب في المجتمع المعاصر، وما إذا كانت المكتبات قادرة على استعادة دورها التاريخي كمراكز لصناعة الوعي، في وقت تتغير فيه طرق تلقي المعرفة تحت تأثير الثورة الرقمية. وتؤكد الجهة المنظمة أن الرهان لا يتعلق بحفظ الكتب فقط، بل بإحياء علاقة الإنسان بالقراءة باعتبارها مدخلاً لأي مشروع نهضوي.