احتفى معهد الإمام ورش لتحفيظ
القرآن الكريم
وتدريس العلوم الشرعية في العاصمة الموريتانية نواكشوط بإتمام 45 طالباً من أبناء
مقاطعة امبود وضواحيها وقراها
حفظ كتاب الله، في مناسبة حملت دلالات تتجاوز تكريم
دفعة من الحفظة إلى إبراز مكانة القرآن الكريم في المجتمع الموريتاني، ودور
المؤسسات التقليدية والحديثة في استمرار مسار التعليم القرآني.
وجاء الاحتفال ثمرة مسار تعليمي بدأته إدارة
المعهد عبر رحلة ميدانية إلى مقاطعة امبود، الواقعة في الجنوب الموريتاني، حيث
عملت على استقطاب عدد من الطلاب وتشجيعهم على الالتحاق ببرامج الحفظ والتكوين
الشرعي في المقر المركزي للمعهد بنواكشوط، قبل أن يعودوا لاحقاً إلى مناطقهم حملةً
لكتاب الله ومعارفه.
وقال المدير العام للمعهد إسلك حيده إن هذه
الدفعة تمثل "ثمرة ونواة" لجهد بدأ خلال زيارة المعهد إلى امبود، مشيراً
إلى أن الطلاب الذين احتُفي بهم أصبحوا "نجوماً ومصابيح" يحملون رسالة
القرآن والعلم.
ودعا ولد حيده الحفظة إلى مواصلة مسيرتهم
العلمية، ووضع أهداف تتجاوز مجرد إتمام الحفظ، بحيث يصبحون خلال سنوات قليلة
معلمين وأساتذة يساهمون في نشر العلم، ويعودون بالنفع على مناطقهم ومجتمعهم.
القرآن الكريم في الوجدان الموريتاني
تحتل علوم القرآن الكريم مكانة مركزية في
التاريخ الثقافي والديني لموريتانيا، التي اشتهرت منذ قرون بتقاليد المحاظر، وهي
مؤسسات تعليمية أهلية شكلت العمود الفقري للتعليم الديني واللغوي في البلاد،
وأسهمت في تخريج علماء وقراء انتشروا في مختلف أنحاء غرب أفريقيا والعالم الإسلامي.
ولا يُنظر إلى حفظ القرآن في الثقافة
الموريتانية باعتباره إنجازاً فردياً فحسب، بل يُعد مساراً اجتماعياً وعلمياً
مرتبطاً بمكانة الأسرة والقبيلة والقرية، حيث ظل "حامل القرآن" يحظى
بمكانة رمزية عالية باعتباره حافظاً للهوية الدينية واللغوية.
وتأتي احتفالية معهد ورش ضمن هذا السياق، إذ
تعكس استمرار تقليد راسخ يقوم على ربط العلم بالرسالة الاجتماعية، ونقل المعرفة من
المدن إلى المناطق الريفية التي ظلت تاريخياً خزانات للعلماء والقراء.
معهد ورش.. رهان على توسيع دائرة التعليم
القرآني
يمثل معهد الإمام ورش أحد المؤسسات الحديثة
التي تسعى إلى تطوير التعليم القرآني، من خلال الجمع بين حفظ كتاب الله وتدريس
العلوم الشرعية، مع التركيز على تكوين أجيال قادرة على مواصلة مسيرة التعليم
والإقراء.
وأكد مسؤولو المعهد خلال الاحتفال أن الهدف
لا يقتصر على تخريج حفظة للقرآن، بل إعداد مجازين وأساتذة يمكنهم العودة إلى
مناطقهم وإنشاء حلقات تعليمية جديدة.
وقال المدير المساعد للمعهد عالي يسلم إن
فكرة الوصول إلى امبود بدأت خلال زيارة سابقة للمنطقة، بعدما لمس القائمون على
المعهد حاجة عشرات القرى إلى التعليم، مشيراً إلى أن المنطقة تضم نحو 30 قرية كانت
تحتاج إلى مبادرات تعليمية منظمة.
وأوضح أن المعهد بدأ بفتح فصول تعليمية
هناك، انطلقت من مراحل التهجي وتعليم القراءة، قبل أن تصل التجربة إلى تخريج أول
دفعة من أبناء المنطقة تلتحق بالمقر المركزي للمعهد.
وأضاف أن الطموح يتمثل في أن تتحول امبود
مستقبلاً إلى مصدر للعلماء والحفاظ والمجازين، ليس فقط داخل
موريتانيا، بل أيضاً
في محيطها الإقليمي.
من الريف إلى المنابر.. التعليم القرآني
كرافعة اجتماعية
وتعكس تجربة معهد ورش جانباً من التحولات
التي يشهدها التعليم القرآني في موريتانيا، حيث تسعى بعض المؤسسات إلى الانتقال من
النموذج التقليدي القائم على الحلقات المحلية إلى نموذج أكثر تنظيماً يجمع بين
الانتشار الجغرافي والتأهيل الأكاديمي.
ويحمل استهداف المناطق الريفية والنائية أهمية
خاصة، بالنظر إلى أن كثيراً من هذه المناطق تمتلك رصيداً دينياً وثقافياً كبيراً،
لكنها تواجه تحديات مرتبطة ببعد المسافة وضعف الإمكانيات التعليمية.
وفي هذا الإطار، اعتبر المتحدث باسم أولياء
الطلبة أحمد عمار أن ما قدمه المعهد لأبناء الأرياف يمثل استثماراً في جيل جديد
"يعتلي المنابر ويتلو كتاب الله"، مؤكداً أن أثر هذه المبادرات يتجاوز
الطلاب أنفسهم إلى مجتمعاتهم المحلية.
القرآن كجسر بين الأجيال
ولا تقتصر أهمية هذه الاحتفالات على تكريم
حفظة جدد، بل تحمل أيضاً رسالة حول استمرار العلاقة بين المجتمع الموريتاني
والقرآن الكريم باعتباره عنصراً أساسياً في تشكيل
الهوية الثقافية والدينية.
ففي بلد ارتبط اسمه تاريخياً بالمحاظر
ورحلات طلب العلم، ما تزال حلقات التحفيظ والإجازة القرآنية تمثل إحدى القنوات
الرئيسية لإعادة إنتاج النخب الدينية والعلمية، وربط الأجيال الجديدة بتراث طويل
من القراءة والإقراء.
ومن هذا المنطلق، فإن تخريج 45 حافظاً من
أبناء امبود لا يمثل مجرد مناسبة تعليمية، بل حلقة جديدة في مسار تاريخي يرى في
القرآن الكريم محوراً للعلم والتربية وبناء الشخصية، ويؤكد استمرار حضور المؤسسات
القرآنية في المشهد الثقافي والاجتماعي الموريتاني.