من قاديان إلى لندن.. قصة الأحمدية بين الخلاف العقائدي والاندماج السياسي

خصوصية التجربة الأحمدية تكمن في أنها تواجه تحديات من اتجاهات متعددة: من اليمين المتطرف المعادي للمسلمين، ومن جماعات إسلامية ترفضها عقائدياً، ومن القيود القانونية التي تواجهها في بعض الدول.
وسط إجراءات أمنية مشددة، وتعزيز للتنسيق مع الشرطة وخدمات الطوارئ والسلطات المحلية، انطلقت في مقاطعة هامبشاير البريطانية فعاليات "الجلسة السنوية" أكبر تجمع تنظمه الجماعة الأحمدية في المملكة المتحدة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تصاعد جرائم الكراهية المعادية للمسلمين وتهديدات اليمين المتطرف.

وتستقطب الفعالية، التي تقام هذا العام في دورتها الستين، نحو 50 ألف شخص من أكثر من 100 دولة، على موقع مؤقت تبلغ مساحته نحو 208 أفدنة، وسط حضور متوقع لسياسيين وأعضاء في البرلمان البريطاني وأساقفة وشخصيات عامة.

ويشارك في تأمين التجمع هذا العام مئات العناصر الإضافية، في إطار ترتيبات أمنية قالت الجماعة إنها عززتها بالتعاون مع أجهزة الشرطة والطوارئ والسلطات المحلية.

وتأتي هذه الإجراءات بعد حادثة وقعت الشهر الماضي، عندما أُجبر تجمع إسلامي كبير آخر على الإغلاق مبكراً، عقب اعتقال 12 شخصاً، بينهم ثلاثة للاشتباه في التآمر لارتكاب جريمة قتل، على خلفية تهديد يُعتقد أنه مرتبط باليمين المتطرف.

لكن رفيق حيات، رئيس فرع الجماعة الأحمدية في المملكة المتحدة، يقول، لصحيفة "الغارديان" إن هذه التطورات لم تدفع منظمي "الجلسة السنوية" إلى التفكير في إلغائها.. "ولا مرة. ولا لثانية واحدة".

وبالنسبة للجماعة، فإن قرار المضي في إقامة الفعالية يتجاوز كونه قراراً تنظيمياً؛ فهو يعكس فلسفة متكاملة في التعامل مع التهديدات، تقوم على عدم الانسحاب من المجال العام، ومواجهة الخوف بمزيد من الحضور والتواصل مع المجتمع.

من هي الجماعة الأحمدية؟

الجماعة الأحمدية هي حركة دينية نشأت في الهند البريطانية أواخر القرن التاسع عشر، وتأسست عام 1889 في مدينة قاديان بإقليم البنجاب على يد ميرزا غلام أحمد، المولود عام 1835.

وتقدم الجماعة نفسها باعتبارها حركة إسلامية إصلاحية هدفها إحياء الإسلام وتجديد فهم تعاليمه، وتؤكد إيمانها بالقرآن والنبي محمد وأركان الإسلام.

لكنها تختلف عن غالبية المسلمين في تفسيرها لبعض المسائل العقائدية الأساسية، وعلى رأسها مفهوم النبوة ومكانة مؤسسها.

فالأحمديون يؤمنون بأن ميرزا غلام أحمد هو "المسيح الموعود" و"المهدي" المنتظر، ويرون أنه جاء لتجديد الإسلام وإحياء تعاليمه، كما يؤمنون بإمكان ظهور نبي تابع للنبي محمد وغير حامل لشريعة جديدة.

وتعتبر هذه النقطة جوهر الخلاف بينهم وبين غالبية علماء المسلمين، من السنة والشيعة، الذين يرون أن النبي محمد هو خاتم الأنبياء، وأنه لا يمكن أن يأتي بعده نبي بأي معنى، وهو ما أدى إلى اعتبار الأحمدية خارج إطار الإسلام لدى قطاعات واسعة من المؤسسات والتيارات الإسلامية.

في المقابل، يرفض الأحمديون هذا التصنيف، ويصرون على أنهم مسلمون، وأن ميرزا غلام أحمد لم يؤسس ديناً جديداً ولم يأت بشريعة مستقلة، بل كان، وفق تصورهم، مصلحاً ومسيحاً موعوداً في إطار الإسلام.

ومن هنا، فإن الحديث عن الجماعة الأحمدية يستلزم التمييز بين هويتها كما تعرف نفسها وبين موقف غالبية المؤسسات الإسلامية منها.

حركة دينية عالمية ذات قيادة مركزية

بعد وفاة ميرزا غلام أحمد عام 1908، تطورت الجماعة إلى حركة منظمة ذات قيادة مركزية، يقودها خليفة روحي عالمي.

ويرأس الجماعة حالياً ميرزا مسرور أحمد، الذي يمثل المرجعية الدينية العليا لأتباعها في مختلف أنحاء العالم.

وتقول الجماعة إنها موجودة في أكثر من 200 دولة، ولها مؤسسات ومساجد ومراكز في مناطق متعددة من العالم، بينما يمثل وجودها في بريطانيا واحداً من أقدم مراكز نشاطها خارج جنوب آسيا.

فقد استقرت الجماعة في بريطانيا منذ عام 1913، وبنت عام 1926 أحد أقدم المساجد المشيدة لهذا الغرض في لندن.

ومنذ ذلك الحين، عملت على بناء شبكة من المساجد والمؤسسات التعليمية والإعلامية والخيرية، إلى جانب تنظيم فعاليات دينية واجتماعية واسعة.

وتعد "الجلسة السنوية" أبرز هذه الفعاليات، إذ تجمع عشرات الآلاف من أتباع الجماعة من مختلف أنحاء العالم، وتوفر منصة للخطب الدينية والصلوات واللقاءات الاجتماعية.

وتتضمن فعاليات التجمع هذا العام كلمات دينية، بينها خطاب للزعيم العالمي للجماعة، ميرزا مسرور أحمد، إلى جانب رفع العلم البريطاني في مركز الموقع.

ويحمل رفع العلم البريطاني دلالة خاصة في خطاب الجماعة، التي تحرص على التأكيد على ولائها للدولة التي يعيش فيها أتباعها، وعلى أن الالتزام بالقوانين وخدمة المجتمع لا يتعارضان مع الهوية الدينية.

الأحمدية والسياسة.. حركة دينية لا حزب سياسي

رغم أن الجماعة تمتلك قيادة عالمية مركزية، فإنها لا تقدم نفسها باعتبارها حزباً سياسياً أو حركة تسعى إلى الوصول إلى السلطة.

وتؤكد أدبياتها على رفض استخدام الدين للوصول إلى الحكم بالقوة، وتدعو إلى احترام الدولة والقوانين، كما ترفض العنف المسلح باسم الدين.

ومن هذا المنطلق، يمكن وصف توجهها السياسي بأنه غير حزبي، لكنه يحمل خطاباً مدنياً وحقوقياً واضحاً، يقوم على السلام وحرية المعتقد والتعايش بين الأديان والدفاع عن الأقليات.

وتقول الجماعة إن الولاء للبلد الذي يعيش فيه الإنسان جزء من المسؤولية الأخلاقية والدينية، وهو ما يفسر حرصها في بريطانيا على إبراز مشاركتها في الحياة العامة، وتنظيم مبادرات خيرية، والانخراط في الحوار بين الأديان، والتواصل مع السياسيين والسلطات المحلية.

كما ترفض الجماعة العنف باسم الإسلام، وتتبنى موقفاً يرى أن مفهوم "الجهاد" في العصر الحديث ينبغي أن يرتبط بالدعوة السلمية والحوار والتعليم والإقناع، لا بالعمل المسلح.

لكن ذلك لا يعني أنها تقف على الحياد في القضايا العامة؛ فهي تتبنى مواقف واضحة في ملفات السلام وحرية الدين وحقوق الأقليات، وتنتقد ما تعتبره انتهاكات لحقوق الإنسان، وتدعو إلى حل النزاعات بالوسائل السلمية.

"الخلافة" الأحمدية ليست دولة سياسية

ويثير استخدام الجماعة لمفهوم "الخلافة" أحياناً تساؤلات حول طبيعة نظامها السياسي. لكن الخلافة الأحمدية، وفق تصور الجماعة، ليست حكومة سياسية ولا مشروعاً لإقامة دولة عابرة للحدود، بل قيادة روحية وتنظيمية عالمية لأتباعها.

ويؤكد الأحمديون أن الخليفة يقود الجماعة في القضايا الدينية والأخلاقية، بينما يظل أتباعها ملتزمين بالقوانين والأنظمة في البلدان التي يعيشون فيها.

وهذا التفريق مهم لفهم موقف الجماعة من السياسة؛ فهي لا تدعو إلى إسقاط الأنظمة السياسية أو إقامة نظام حكم ديني عالمي، بل تؤكد على التعايش مع الدول القائمة والالتزام بقوانينها.

من الاضطهاد في باكستان إلى الحضور في بريطانيا

إذا كانت الجماعة الأحمدية تحظى في بريطانيا بحقوقها القانونية وتمارس نشاطها الديني بصورة علنية، فإن وضعها مختلف جذرياً في باكستان، التي تعد مركزاً تاريخياً رئيسياً للجماعة.

ففي عام 1974، أقر البرلمان الباكستاني تعديلاً دستورياً صنف الأحمديين رسمياً باعتبارهم غير مسلمين.

ثم فُرضت لاحقاً قيود قانونية على ممارستهم لشعائرهم وتعريفهم بأنفسهم باعتبارهم مسلمين، وتعرض أفراد الجماعة على مدى عقود للتمييز والعنف وخطاب الكراهية.

وقد دفعت هذه الظروف أعداداً من الأحمديين إلى الهجرة إلى بلدان أخرى، ومن بينها بريطانيا، حيث أصبحت الجماعة واحدة من أبرز الأقليات الدينية الإسلامية ذات الحضور المؤسسي المنظم.

وتقول الجماعة إن الاضطهاد الذي واجهه أتباعها في بعض الدول جعل قضية حرية المعتقد وحقوق الأقليات جزءاً أساسياً من خطابها السياسي والحقوقي.

لكن خصومها يرون أن الخلاف معها يتجاوز الجانب السياسي، ويستند أساساً إلى خلاف عقائدي عميق حول مفهوم النبوة وختمها.

التهديد لا يأتي من اليمين المتطرف وحده

في بريطانيا، تواجه الجماعة الأحمدية نوعين مختلفين من التحديات. الأول يتمثل في العداء للمسلمين والتهديدات التي تصدر عن اليمين المتطرف، في ظل تصاعد جرائم الكراهية والاعتداءات على المساجد. أما الثاني، فيأتي من جماعات إسلامية متشددة ترفض الأحمدية لأسباب عقائدية، وتعتبرها حركة خارجة عن الإسلام.

ويقول حيات إن الجماعة واجهت أشكالاً من العداء من الطرفين، مشيراً إلى أن التعامل مع بعض المتطرفين المسلمين قد يكون أحياناً أكثر صعوبة من مواجهة اليمين المتطرف.

ويستشهد بتاريخ الجماعة في باكستان، كما يشير إلى حوادث وقعت في بريطانيا، من بينها مقتل أسد شاه، وهو رجل من أتباع الجماعة الأحمدية، أمام متجره في غلاسكو عام 2016 في جريمة ذات دوافع دينية.

وبالنسبة إلى الجماعة، فإن هذه التهديدات المتعددة تجعل من قضية الأمن والحماية مسألة أساسية، لكنها لا تدفعها إلى الانكفاء.

بريطانيا.. "مختبر" لسياسة الاندماج الأحمدية

يقول حيات إن الجماعة اختارت منذ عقود الاستثمار في علاقاتها مع المجتمع المحلي بدلاً من الانسحاب منه.

ويستعيد تجربة بناء مسجد الجماعة في موردن خلال تسعينيات القرن الماضي، عندما احتج مئات من أنصار الحزب الوطني البريطاني على المشروع.

وبدلاً من الدخول في مواجهة مفتوحة، أنشأت الجماعة مجموعة اتصال ضمت ممثلين عن الكنائس والجماعات المحلية والسلطات البلدية والشرطة.

وكانت المجموعة تعقد اجتماعاً شهرياً داخل المسجد، برئاسة عضو في المجلس المحلي.

ويقول حيات إن الاجتماعات الأولى كانت "شديدة التوتر"، لكن العلاقة تغيرت مع مرور الوقت، حتى أصبحت السلطات المحلية، بحسب روايته، لا تتخذ قرارات تتعلق بالمنطقة من دون إشراك الجماعة.

ويرى أن هذه التجربة تقدم درساً في مواجهة المناخ الحالي من الكراهية المعادية للمسلمين: التواصل المباشر، بحسب رأيه، أكثر فاعلية من العزلة.

تصاعد الكراهية ضد المسلمين

وتنعقد "الجلسة السنوية"، وفق تقرير "الغارديان"، في وقت تشير فيه بيانات حديثة إلى ارتفاع مستوى العداء ضد المسلمين في بريطانيا.

وبحسب الأرقام التي يستشهد بها التقرير، يتعرض مسجد في بريطانيا لهجوم كل خمسة أيام، فيما ارتفعت جرائم الكراهية ضد المسلمين في إنجلترا وويلز بنسبة 19% خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في مارس/آذار 2025.

ولا يقتصر القلق على الاعتداءات المادية، إذ يشير قادة الجماعة إلى تصاعد خطاب الكراهية عبر الإنترنت، وانتشار الصور النمطية والمعلومات المضللة حول الإسلام والمسلمين.

لكن حيات يقول إن الرد لا ينبغي أن يكون الانكفاء أو الخوف.

ويضيف: "نحن نقول لأطفالنا إنه يجب ألا يشعروا بالخجل من كونهم مسلمين في هذا البلد".

ويرى أن مواجهة التصورات الخاطئة عن الإسلام تتطلب مزيداً من التواصل مع المجتمع، داعياً المسلمين إلى الانخراط في الحياة العامة وعدم ترك المجال للصور النمطية كي تشكل نظرة الآخرين إليهم.

"الجلسة السنوية".. رسالة تتجاوز الدين

منذ افتتاح التجمع يوم الجمعة، تتواصل الصلوات والخطب والفعاليات الدينية، بحضور آلاف المشاركين القادمين من أنحاء العالم. لكن بالنسبة إلى منظميه، فإن "الجلسة السنوية" ليست مجرد مؤتمر ديني. فالتجمع يوفر أيضاً مساحة للتواصل بين الجماعة والمجتمع البريطاني، ويستضيف مسؤولين وسياسيين وشخصيات دينية، ويعكس رغبة الأحمديين في تقديم أنفسهم كجزء من المجتمع البريطاني، لا كجماعة منعزلة عنه. ويحمل وجود شخصيات سياسية ودينية بريطانية في الفعالية، إلى جانب رفع العلم البريطاني، رسالة واضحة حول العلاقة التي تسعى الجماعة إلى بنائها مع الدولة والمجتمع.

وفي هذا السياق، تصبح الإجراءات الأمنية المشددة جزءاً من صورة أوسع: جماعة دينية تواجه تهديدات من اليمين المتطرف، وتواجه في الوقت نفسه رفضاً من جماعات إسلامية بسبب خلافات عقائدية، لكنها تختار الرد عبر تعزيز حضورها في المجال العام.

"لا تنسحبوا من المجتمع"

يختصر حيات فلسفة الجماعة في التعامل مع هذه التحديات بالدعوة إلى مزيد من الحضور. ويقول إن الأحمديين لا ينبغي أن يشعروا بالخجل من هويتهم الدينية، وإن المسلمين عموماً مطالبون بالتواصل مع مجتمعاتهم وعدم الانعزال عنها.

ويروي قصة امرأة زارت أحد مساجد الجماعة وهي تشعر بخوف شديد، حتى إنها شاركت موقعها الجغرافي مع زوجها وطلبت منه التدخل إذا لم يسمع منها كل 15 دقيقة.

لكن التجربة انتهت بصورة مختلفة تماماً؛ فقد قالت المرأة، بحسب روايته، إنها وجدت ترحيباً ودفئاً داخل المسجد، وإنها تريد العودة برفقة عائلتها.

ويرى حيات أن مثل هذه اللقاءات الشخصية يمكن أن تهدم الصور النمطية أكثر من أي خطاب سياسي أو إعلامي.

ويقول: "لم تعد ترى لوني. بل ترى الإنسان الذي يقف خلفه. هذه هي النقطة الأساسية للتعايش السلمي".

بين الأمن والهوية والاندماج

في نهاية المطاف، تبدو "الجلسة السنوية" في هامبشاير أكثر من مجرد تجمع ديني كبير. إنها مناسبة تعكس قصة جماعة دينية نشأت في الهند البريطانية قبل أكثر من قرن، وتحولت إلى حركة عالمية ذات قيادة مركزية، ثم وجدت نفسها في قلب خلاف عقائدي عميق مع غالبية التيارات الإسلامية، وفي مواجهة اضطهاد قانوني وسياسي في بعض البلدان، بينما تبني في بريطانيا نموذجاً مختلفاً يقوم على الاندماج والولاء للدولة والحضور في الحياة العامة.

وفي الوقت الذي تتصاعد فيه جرائم الكراهية ضد المسلمين، ترى الجماعة أن أفضل رد على التهديد ليس الانسحاب، بل الظهور بصورة أكبر في المجتمع، وبناء علاقات مباشرة مع الجيران والمؤسسات والسلطات.

لكن خصوصية التجربة الأحمدية تكمن في أنها تواجه تحديات من اتجاهات متعددة: من اليمين المتطرف المعادي للمسلمين، ومن جماعات إسلامية ترفضها عقائدياً، ومن القيود القانونية التي تواجهها في بعض الدول.

وبينما تستمر فعاليات التجمع بمشاركة نحو 50 ألف شخص من أكثر من 100 دولة، تحاول الجماعة أن تقدم نفسها في بريطانيا بوصفها نموذجاً لمسلمين يجمعون بين الالتزام الديني والولاء الوطني، وبين الدفاع عن الهوية والانخراط في المجتمع.

وبالنسبة إلى منظمي الفعالية، فإن الرسالة التي يريدون إيصالها واضحة: مواجهة الكراهية لا تكون بالاختفاء، بل بالحضور؛ ومواجهة الصور النمطية لا تكون بالعزلة، بل بالتواصل؛ أما التعايش، فيبدأ عندما يتوقف الناس عن رؤية بعضهم من خلال الهوية وحدها، ويبدؤون في رؤية "الإنسان خلفها".