الكتاب: "الإبل في الثقافة العربية"
الكاتب: كتابي جماعي
الناشر: مجمع الملك سلمان العالمي للغة
العربية، الرياض (2025)
عدد الصفحات: 966 صفحة
ـ 1 ـ
ارتبطت الإبل في الثقافة العربية بالبيئة
الصحراوية وأنماط العيش التقليدية، ما جعلها تمثل نسقًا ثقافيًا كثيف الدلالات،
تشكل عبر قرون من التفاعل بين الإنسان والبيئة واللغة والخيال الجمعي. لذلك تجاوز
حضورها حدود الوظيفة الاقتصادية إلى أفضية الرمز والأسطورة والهوية والتمثيل
الفني، وأضحى علامة ثقافية تتقاطع عندها المعارف اللغوية والأدبية والتاريخية
والأنثروبولوجية والبصرية.
ومن هذا المنطلق يكتسب كتاب "الإبل في
الثقافة العربية" أهمية خاصة، فيجمع دراسات متعددة الاختصاصات تسعى إلى إعادة
قراءة هذا الرمز المركزي في ضوء مناهج نقدية حديثة، تكشف تحولات حضوره من الموروث
الشفهي إلى النصوص الأدبية، ومن الصورة الشعرية إلى الخطاب البصري والسينمائي.
وتتناول هذه المراجعة مجملا من الدراسات التي نراها نماذج دالة على هذا
التنوع. فتستقصي حضور الإبل في سرديات
فلوبير، وفي الأمثال الشعبية والشعر العربي، والسينما
السعودية، بما يسمح برصد سبل
تحول الإبل من كائن طبيعي إلى بنية رمزية تنتج المعنى وتعيد تشكيل الذاكرة
الثقافية.
ـ 2 ـ
في مقالة "الإبل في الموروث الشعبي عند
العرب: الأمثال أنموذجًا"، انطلقت الباحثة أشواق بنت فهد الرقيب من أمثال
شعبية مشهورة مرتبطة بالإبل، مثل "لا ناقة لي فيها ولا جمل" المشتق من
حرب البسوس، و"استنوق الجمل"، و"يخبط خبط عشواء"، لتحليلها
وتوضيح دلالاتها الحسية والرمزية في سياقاتها التداولية. فاستعرضت تنوع مفردات
الإبل وتطور دلالاتها في المعجم العربي القديم، كأدواء الإبل وأعمارها وأوصاف
سيرها وأعدادها كالهنيدة والعرج، مشيرة إلى غزارة هذا الثراء اللغوي الذي يعكس شدة
معايشة العربي لها. وأبرزت المركزية الأدبية للإبل عبر استعراض حضورها في الشعر
والرحلات والروايات، ذلك أنّ المعاجم والمعلقات الجاهلية، كالتي لطرفة بن العبد
ولبيد، أظهرت اهتماماً دقيقاً بتفاصيل الناقة وأوصافها الحسية والجمالية المتعددة.
دراسة الإبل في الثقافة العربية تكشف عن بنية رمزية عميقة، تتداخل فيها التجربة المعيشية مع الخيال، وإلى أن فهم هذه الرموز يساعد على قراءة أوسع للثقافة العربية وآليات إنتاج المعنى فيها.
واعتمادا على المنهج البنيوي التكويني
تجاوزت التراكيب اللفظية الظاهرة للكلمات إلى استكشاف الأبعاد السياقية
والاجتماعية التي أسهمت في إنتاج هذه الأمثال وفي تداولها بين الناس وإلى البحث في
المكانة الرمزية والوجودية للإبل في الموروث الشعبي العربي، باعتبار أنها غدت تشكل
عنصرًا جوهريًا أثّر في الثقافة والأدب وحياة العربي في كافة تفاصيلها اليومية
وشكلت زاداً بلاغياً حياً يجسد عبقرية العرب في تحويل تفاصيل البيئة اليومية إلى
معانٍ وأمثالٍ كونية فيها يسكن الوعي الجماعي، فيترجم الظروف الاجتماعية
والاقتصادية للبيئة الصحراوية إلى حِكم ومقولات سائرة وإلى رؤى للعالم.
يخلص المقال إلى أن دراسة الإبل في الثقافة
العربية تكشف عن بنية رمزية عميقة، تتداخل فيها التجربة المعيشية مع الخيال، وإلى
أن فهم هذه الرموز يساعد على قراءة أوسع للثقافة العربية وآليات إنتاج المعنى فيها.
ـ 3 ـ
ويجد القارئ في الدراسة الموسومة
بـ"ـالإبل رمزًا لهوية الرجل العربي" للباحثة مريم فرحان العنزي تركيزا
على عمق العلاقة الأدبية والتاريخية والرمزية التي جمعت بين الرجل العربي والإبل
منذ أكثر من ثمانية آلاف سنة. فتحوّلت إلى إرث تاريخي وثقافي يجسد القوة والصمود
والوجاهة، ويشكل ركناً أساسياً في تشكيل الهوية العربية الأصيلة.
تذهب الباحثة إلى أنّ هذا الارتباط الوثيق
قد نبع من البيئة الصحراوية الهادئة ومن طبيعة حياة التنقل والترحال التي فرضت
تفاعلاً وجدانياً مع الطبيعة وكائناتها. فأنشأ العربي علوم الأنواء وقيافة الأثر
وتغنى بالديار والأماكن. ومثلت الإبل عمود الحياة الاقتصادية والاجتماعية
والعسكرية للرجل العربي. فبها قاس الثروة والنفوذ، ودفع المهور وديات القتلى وفداء
الأسرى، وكرّم الضيوف.
واقترنت الإبل بوقائع تاريخية بارزة، كناقة
نبي الله صالح، والقصواء ناقة الرسول، وناقة البسوس "سراب" التي اندلعت
بسببها حرب استمرت أربعين سنة وشهدت مقولة الحارث بن عباد "لا ناقة لنا فيها
ولا جمل".. وخصّها العرب بأعراف وتقاليد عقائدية قديمة كالبحيرة والسائبة
والحام والفرع، وهي سنن حرمها الإسلام ومع ذلك فقد أبرزت مدى تداخل الإبل في
تفاصيل حياتهم وفكرهم وأنسابهم.
وفي التشريع الإسلامي، حظيت الإبل بمكانة
رفيعة. فقد تكرر ورودها في آيات القرآن والأحاديث النبوية دلالةً على قدرة الله
وبديع خلقه، لمّا خاطب النص الشرعي العرب بما هو أقرب لأفهامهم وأخيلتهم اليومية.
وانعكس هذا التأثر في الثراء اللغوي والمعجمي، إذ أبدى العربي دقة فائقة في تصنيف
الإبل بحسب أعمارها (كالحوار، والمفرود، والحق، والجذع، والثني، والرباع،
والسديس)، وتسمية إناثها وذكورها (كالناقة، والجمل، والبكرة، والوجناء، والأمون،
والناب)، وأعدادها (كالذود، والصرمة، والهمجة، والهنيدة، والجرجور)، وألوانها
(كالمجاهيم السود والمغاتير البيضاء). واستعار العربي أحوال الإبل لرفد لغته
بألفاظ معنوية واسعة، كألفاظ "الفصاحة" المشتقة من فصوح اللبن،
و"الحنين"، و"البركة" المشتقة من مبرك الإبل،
و"الجسور"، و"الأناقة" المشتقة من ترويض البعير وتنويقه.
أمّا على المستوى الأدبي، فقد استحوذت الإبل
على خيال الشعراء في الأدبين الفصيح والشعبي. فكانت حاضرة في وصف الرحلات والمطايا
ومعلقات الجاهليين، وشعر حسان بن ثابت، والمتنبي الذي فرش مفاصله لأخفافها، وكثير
عزة، وعروة بن الورد. وارتبط العربي بـ "الحداء" (الهوبال)، وهو الفن
الشفهي الموجه للإبل لحثها على المسير والتواصل معها، وهو ما أثر في موسيقى الشعر
وأوزانه، وأُدرج حديثاً ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي.
وفي العصر الحديث، ورغم التحولات الحضارية
وتراجع الاعتماد الوظيفي عليها، ظلت الإبل رمزاً حياً للهوية الوطنية والفخر
بالانتماء في الجزيرة العربية. وتجلى ذلك في تنظيم سباقات الهجن ومنافسات مزايين
الإبل بمختلف فئاتها (كالجمل، والنخبة، والفردي، والمرصص، والتلاد، والطبع)،
واعتبار الجمل حيواناً وطنياً في الكويت والسعودية. وبرز استدعاء الجمل بصفته تعويذة للهوية في
المحافل الرياضية الدولية كما حدث في تصفيات كأس العالم عام 1982 ومونديال قطر
2022.
على هذا النحو تخلص الدراسة إلى أن الإبل
ليست مجرد كائن نفعي أو وسيلة ترحال في الصحراء، وإنما هي مرآة للهوية والذات
العربية الشريكة في التاريخ والامتداد التراثي.
ـ 4 ـ
من ورقات هذا الكتاب المميزة مبحث
"الجمل وقوافله في سرديات فلوبير: الإيغال في الشرق والروح والحلم"
لأحمد بن صالح آل سعدي الغامدي. فقد انطلق من صورة الجمل وقوافله في سرديات الكاتب
الفرنسي (من خلال مدونات رحلاته الشرقية ورواية صلامبو). فلاحظ أنّه يتعامل مع
الإبل باختزال استشراقي. فلا يفرق بين أنواعها أو إناثها من ذكورها وإنما يجمعها
تحت اسم "الجمل" أو "الإبل" للتعبير عن القطيع، جاعلا منها
إعلاناً بليغاً عن دخوله أرض الشرق، وعنصراً مميزاً لطابعه العام بوظائفه الدينية
والتجارية والاجتماعية، كحفلات الزفاف وقوافل الحج والأسواق.
يرى الباحث أنّ فلوبير وظف صورة الجمال
وقوافلها في نهاية المشاهد السردية الساكنة، مثل وصفه لظلال الجمال التي تنزلق
كحراس على صحراء القاهرة، أو تتمايل على الرمال لإضفاء حركة ودراما تُخرج المكان
من سكونه وتصل إلى أغوار النفس، مؤكدا أنّ الجمل قد تحول في المنظور الاستشراقي
الفلوبيري، إلى محفز روحي يُساعد على الغوص في أعماق النفس وعلى مواجهة الخوف من
الفشل الأدبي الذي أعقب هزيمة مسودة عمله الأول "تجربة القديس أنطوان".
رغم التحولات الحضارية وتراجع الاعتماد الوظيفي عليها، ظلت الإبل رمزاً حياً للهوية الوطنية والفخر بالانتماء في الجزيرة العربية.
ففي رؤية الجمل وجد فلوبير دهشة خالية من
الغايات المادية والمنفعة، متجلية في ثلاث سمات رئيسية هي الغرابة التي دعت روح
الكاتب إلى إعادة اكتشاف الذات وممارسة نقد الحضارة الغربية والضخامة التي وُظفت
بالتوازي مع فداحة المأساة النفسية والانكسارات، مثل اقتراح وضع المتمرد
"ماتو" على ظهر جمل مشتعل في نهاية رواية "صلامبو" لإرضاء ذات
الجمهور ونفسية الكاتب الباحثة عن إنجاز ضخم. والعلو والترقي، بحيث يمنح ركوب الجمل والتطلع للأمام شعوراً بالارتقاء نحو
السماء واقتحام المجهول.
مثلت رؤية الجمال وقوافل الصحراء إذن حلمًا
متخيلًا في ذاكرة فلوبير قبل رحلته للشرق. غير أن هذا الحلم الظاهر كان يتوارى
خلفه حلم لغوي ونفسي أعمق، وهو ابتكار كتابة جديدة غير مستهلكة تتجاوز السائد في
عصره، وذلك ما تحقق لاحقاً في روايتيه "مدام بوفاري"
و"صلامبو". فتجسد هذا البعد الحالم في رواية "صلامبو" عبر
شخصية "ماتو"، حين أسهمت الجمال وقوافل الدعم المحملة بالمؤن والزفت في
نقل حلم حصار قرطاج والوصول إلى الحبيبة من حدود الاستحالة إلى شرط الواقع
والممكن، وألهمت حركة الجمال المنبطحة ماتو للتسلل وسرقة الحجاب المقدس. وفي الآن
نفسه مكّنت الكاتب من الارتقاء بأدبه نحو التجديد والريادة الروائية الأوروبية.
ـ 5 ـ
يقدم البحث الذي أعدته الباحثة أمل بنت محمد
التميمي بعنوان "الإبل والموروث الثقافي في السينما السعودية في فيلمي (هجان)
و(ناقة)" دراسة تحليليّة لكيفية توظيف صورة الإبل بما هي عنصر درامي ورمزي محوري
في السينما السعودية المعاصرة. ففي فيلم «هجان»: تبرز الناقة "حفيرة"
(من فئة المغاتير الوضح) رمزا للجمال والوفاء والارتباط الوجداني العميق بالطفل
اليافع (مطر).
وتعتمد اللغة البصرية لتعظيم شأن الهجان
والإبل تفاعلا مع الناقة التي تصبح أداة لتحقيق العدالة باقتصاصها من شخصية جاسر
الشرير. أما في فيلم "ناقة" فتثور الناقة لقتل ولدها. ورغم الصراع
الظاهري المرعب، يمثل غضب الناقة رمزياً قوة حامية تمنع الفتاة سارة من الانجراف
في طريق الضياع والتحرر الزائف، وتُجبرها على الالتزام بالتقاليد.
لقد عملت السينما على الوصل بين الإبل
وصحراء المنطقة ومفاهيم الهوية الوطنية والعادات المتجذرة. فاستخدمت الناقة بما هي طوق نجاة رمزي يعيد
الإنسان إلى جذوره وأمان الأسرة والتقاليد وسط متغيرات العصر وحالة التيه المدني. وتدرج الباحثة هذا المعنى ضمن منحى تعزيز
الهوية عملا على إعادة تشكيل الرؤية العالمية للإبل. ذلك أنّ توظيفها على هذا
النحو حمل رسالة ثقافية موجّهة للمنصات والمهرجانات الدولية، تتلخص في
عرض الهوية
العربية بثرائها (الجمع بين الصحراء والإبل والشعر والحداء) وجعلها تجربة إنسانية
عالمية تُغير المفاهيم المغلوطة وتخاطب الوجدان الإنساني.
لقد عملت السينما على الوصل بين الإبل وصحراء المنطقة ومفاهيم الهوية الوطنية والعادات المتجذرة. فاستخدمت الناقة بما هي طوق نجاة رمزي يعيد الإنسان إلى جذوره وأمان الأسرة والتقاليد وسط متغيرات العصر وحالة التيه المدني.
ووفق تقدير الباحثة، نجحت السينما السعودية
في استثمار صورة الإبل في السينما السعودية ونقلها من خلفية بيئية أو صورة نمطية
استشراقية إلى "شريك بطل" في البناء الدرامي، جاعلة منها المحرك الأساسي
للصراع والتدافع بين الخير والشر في كلا الفيلمين. فحولت الناقة إلى رمز متكامل
للأمومة بكل تجلياتها، بدءاً من الحنان والألفة، وصولاً إلى الثورة والانتقام
لحماية الأبناء. وجعلتها رمزا لتحقيق العدالة والنصر، بحيث كانت تتدخل على نحو
حاسم لإعادة التوازن الأخلاقي وإنصاف المظلومين.
ـ 6 ـ
تكشف الدراسات التي ضمها الكتاب أن الإبل
علامة ثقافية مرنة تستوعب قراءات متجددة بتجدد المناهج والأسئلة النقدية. فقد
أبرزت الأبحاث أن حضورها يتخذ صورًا متباينة. فهي وعاء للحكمة الشعبية في الأمثال،
وأداة للتعبير الساخر في الكاريكاتير، ورمز للاستشراق في السرد الغربي، ومكوّن
أسطوري في الشعر، وعنصر بصري ودلالي في السينما، ووسيلة للتأثير البلاغي والإشهاري
في الشعر القديم، فضلًا عن كونها إحدى العلامات المؤسسة لتمثيل الهوية العربية في
المخيال الثقافي.
ويحسب لهذا المحور أنه جمع بين مقاربات
تراثية وحديثة، وربط بين النصوص اللفظية والصور البصرية والخطابات الثقافية، الأمر
الذي منح صورة أكثر شمولًا عن مركزية الإبل في الثقافة العربية. ومع ذلك، كان من
الممكن توسيع آفاق هذا المشروع بإدراج دراسات مقارنة مع ثقافات غير عربية، أو
بأبحاث تستثمر مناهج السيميائيات البصرية، والدراسات الإدراكية، ونظريات التلقي،
بما يفتح المجال لفهم أعمق للتحولات التي تعرفها صورة الإبل في الثقافة العربية
المعاصرة، داخل الوسائط الرقمية والفنون الجديدة.