ابنة نجيب الشابي: رأيت الغنوشي يُغمى عليه من شدة الحرارة داخل السجن (شاهد)

وجهت ابنة الشابي انتقاداً مباشراً إلى النخب السياسية التونسية، قائلة إن كثيراً من السياسيين يكتفون بالتعبير عن مواقفهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بينما يظل المعتقلون داخل السجون في ظروف صعبة.
أثارت شهادة مصورة أدلت بها هيفاء الشابي، ابنة السياسي التونسي المعارض أحمد نجيب الشابي، عقب زيارتها له في سجن المرناقية، موجة من التساؤلات بشأن ظروف احتجاز عدد من المعارضين والشخصيات السياسية والإعلامية في تونس، بعدما ظهرت وهي تجهش بالبكاء وتتحدث عن أوضاع قالت إنها بالغة الصعوبة، خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة، داعية النخب السياسية والمجتمع إلى عدم الاكتفاء بالتضامن عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتحويله إلى تحرك عملي.

وقالت الشابي، في تسجيل مصور، إنها خرجت من السجن بعد زيارة والدها، إلى جانب عبد الحميد الجلاصي وزياد الهاني، وهي في حالة نفسية صعبة، مضيفة: "خرجت من السجن وأنا لا أستطيع التنفس، ولا السير على قدمي"، في إشارة إلى تأثرها بما شاهدته خلال الزيارة، وإلى الظروف المناخية القاسية التي تشهدها البلاد خلال فصل الصيف.

وأضافت أنها غادرت السجن في ظل ارتفاع شديد لدرجات الحرارة، مشيرة إلى أن درجة الحرارة، بحسب قولها، بلغت 52 درجة مئوية، قبل أن تستقل سيارتها متوجهة إلى منزلها، بينما بقي والدها ومن وصفهم بـ"المظلومين" داخل السجن.

وأكدت ابنة الشابي أن حديثها لا يستهدف تحميل إدارة سجن المرناقية المسؤولية عن الظروف التي يعيشها المحتجزون، مشيرة إلى أن العاملين داخل المؤسسة، بحسب روايتها، "يحاولون فعل كل شيء"، وأن هناك "رعاية خاصة بالجميع، وخصوصاً بكبار السن".

حديث عن وضع صحي لراشد الغنوشي

وتطرقت الشابي إلى وضع رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، المعتقل في تونس، قائلة إنها شاهدته يوم الجمعة الماضي بعد عودته من المستشفى إلى السجن، وإنه تعرض، وفق روايتها، للإغماء بسبب شدة الحرارة أثناء وجوده في مكتب المحاماة.

وقالت: "أنا شاهدة على هذه الحادثة"، في إشارة إلى ما وصفته بتدهور الوضع الصحي للغنوشي داخل السجن، مؤكدة في الوقت نفسه أن المسؤولية، من وجهة نظرها، لا تقع فقط على إدارة السجن، وإنما تتجاوزها إلى المسؤولين السياسيين والمجتمع والنخب.

ولم تقدم الشابي في التسجيل تفاصيل طبية إضافية حول الحالة الصحية للغنوشي، كما لم يتضمن حديثها معلومات مستقلة عن وضعه الصحي أو ظروف الواقعة، في حين تبرز شهادتها في سياق أوسع من الانتقادات التي توجهها عائلات معارضين ومنظمات حقوقية إلى ظروف احتجاز عدد من الشخصيات السياسية في تونس.

"الصيف الرابع في السجن"

وحذرت الشابي من استمرار احتجاز المعارضين في ظل ظروف قالت إنها قاسية، مشيرة إلى أن عدداً من المعتقلين يقضون "الصيف الرابع" داخل السجون، دون أن يحدث تغيير في أوضاعهم.

وقالت إن "الأعمار بيد الله"، وإنها تقبل بما يقدره الله، لكنها حملت المجتمع والنخب السياسية مسؤولية ما قد يحدث، قائلة: "نحن مسؤولون بسبب صمتنا على الوضع".

وتابعت أن السجون التونسية باتت تضم عدداً كبيراً من الشخصيات السياسية والمعارضة، مستحضرة أسماء عدد من المعتقلين، بينهم راشد الغنوشي، وعبير موسي، ووالدها أحمد نجيب الشابي، والعياشي الهمامي، وزياد الهاني، إلى جانب آخرين.

كما أشارت إلى قضية شيماء عيسى، التي قالت إنها خرجت من السجن ثم عادت إليه، في سياق حديثها عن تجربة الاعتقال التي قالت إن كثيراً من التونسيين لا يعرفون تفاصيلها ولا حجم المعاناة المرتبطة بها.

انتقادات للصمت السياسي

ووجهت ابنة الشابي انتقاداً مباشراً إلى النخب السياسية التونسية، قائلة إن كثيراً من السياسيين يكتفون بالتعبير عن مواقفهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بينما يظل المعتقلون داخل السجون في ظروف صعبة.

وقالت إن التضامن "ليس مشاركة نتركها على فيسبوك"، مضيفة أن التضامن الحقيقي، في رأيها، "عمل"، وأن الحل لن يأتي إلا من المجتمع نفسه.

وأكدت أن رسالتها لا تهدف إلى استدرار التعاطف، قائلة إن ما يحدث في النهاية "أمر الله"، لكنها شددت على أن المجتمع يتحمل مسؤولية ما يجري، سواء كانت النتائج إيجابية أو سلبية.

وأضافت: "كل ما سيحدث، سواء كان سلبياً أو إيجابياً، نحن مسؤولون عنه"، في دعوة واضحة إلى تحرك سياسي ومجتمعي أكبر تجاه ملف المعتقلين.

السجون في قلب الأزمة السياسية التونسية

وتأتي تصريحات الشابي في وقت يشهد فيه المشهد السياسي التونسي استمرار احتجاز عدد من أبرز الشخصيات المعارضة، في إطار ملفات قضائية تقول السلطات إنها تتعلق بقضايا أمنية وسياسية، بينما يرى معارضون ومنظمات حقوقية أن الاعتقالات والمحاكمات تأتي ضمن حملة تستهدف الأصوات المناوئة للرئيس قيس سعيّد.

ومنذ الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها سعيّد في يوليو/تموز 2021، والتي شملت تجميد أعمال البرلمان ثم حله لاحقاً، دخلت تونس مرحلة سياسية جديدة شهدت تراجعاً كبيراً في دور المؤسسات المنتخبة وتصاعد الخلاف بين السلطة ومعارضيها.

وخلال السنوات التالية، طالت الاعتقالات شخصيات سياسية من اتجاهات مختلفة، بينهم قيادات في حركة النهضة، وشخصيات محسوبة على المعارضة المدنية واليسارية، فضلاً عن صحفيين ونشطاء ومحامين، فيما تؤكد السلطات أن القضاء مستقل وأن الملاحقات تستند إلى ملفات قانونية.

في المقابل، تقول قوى معارضة ومنظمات حقوقية إن الإجراءات القضائية طالت خصوم السلطة السياسيين بصورة واسعة، وإن استمرار احتجازهم لفترات طويلة، إلى جانب ظروف السجن، يمثل مصدر قلق متزايد.



الحرارة تضيف بعداً جديداً إلى أزمة المعتقلين

وأعادت شهادة هيفاء الشابي تسليط الضوء على الظروف المناخية التي يواجهها السجناء في تونس خلال فصل الصيف، خصوصاً مع موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة، وما يمكن أن تسببه من مخاطر على كبار السن وذوي الحالات الصحية الهشة.

وتحدثت الشابي عن ظروف قالت إن المعتقلين يعيشون فيها داخل مساحات محدودة، مشيرة إلى أن بعضهم يقضي معظم اليوم داخل غرف لا تتجاوز مساحتها، بحسب قولها، 16 متراً مربعاً، ولا يخرج منها سوى لساعتين يومياً.

كما تحدثت عن ظروف عائلات المعتقلين خلال الزيارات، قائلة إن الزائرين أنفسهم يواجهون صعوبة في تحمل الحرارة أثناء انتظارهم، في ظل ما وصفته بغياب وسائل كافية لتوفير الهواء والراحة.

ولم يتسنّ من خلال التسجيل وحده التحقق بشكل مستقل من جميع الأرقام والتفاصيل التي أوردتها الشابي بشأن ظروف الاحتجاز، إلا أن شهادتها تطرح مجدداً مسألة أوضاع السجون التونسية، ومدى جاهزيتها للتعامل مع موجات الحر، خصوصاً بالنسبة إلى السجناء كبار السن أو الذين يعانون من مشكلات صحية.

من المعتقلين إلى الشارع.. أزمة تتجاوز السجون

وربطت الشابي بين قضية المعتقلين وبين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها تونس، قائلة إن البلاد "تعيش أزمة كبيرة"، وإن المواطنين يخرجون إلى الشوارع احتجاجاً على انقطاع المياه والكهرباء، في وقت يعاني فيه آخرون من تداعيات ارتفاع درجات الحرارة.

واعتبرت أن الأزمة لا تقتصر على السجون، بل تشمل المجتمع بأكمله، وأن استمرار الصمت تجاه أوضاع المعتقلين يعكس، من وجهة نظرها، أزمة أوسع في الحياة السياسية والمجتمعية.

وقالت إن الذين يقبعون في السجون، بحسب وصفها، لم يدافعوا فقط عن حقوقهم الشخصية، وإنما عن "حقوق الأجيال القادمة"، متسائلة عن كيفية قبول المجتمع باستمرار اعتقالهم في ظل الظروف الراهنة.

وتختتم الشابي رسالتها بالدعوة إلى تحمل المسؤولية الجماعية تجاه المعتقلين، معتبرة أن دخول شخصيات سياسية وإعلامية إلى السجن ثم بقاءها خلف القضبان، بينما يستمر الصمت العام، يمثل قضية لا يمكن فصلها عن مستقبل البلاد السياسي.

وتضع الشهادة، في مجملها، ملف المعتقلين السياسيين في تونس أمام اختبار جديد، لا يتعلق فقط بالمسار القضائي أو الخلاف السياسي، وإنما أيضاً بالظروف الإنسانية والصحية التي يعيشها المحتجزون، في وقت تتصاعد فيه الدعوات إلى مراجعة سياسات الاعتقال والمحاكمات، وسط انقسام داخلي وخارجي حول طبيعة المسار السياسي الذي دخلته تونس منذ 2021.